يوميات فبراير 2011

الأربعاء 16 فبراير 2011 (1)

الشرارة

الساعة 8 صباحا فتحت الراديو وقد صحوت للتو.. أخبار البي بي سي العالمية: مظاهرات ومواجهات في بنغازي الليلة الماضية.. بدّروا بيوم.. ما الذي حدث. بالجزيرة بعد ذلك شريط فيديو.. أحداث جرت في الليل فعلا ؟؟ يا رب عفوك ونصرك وأمنك.

الجزيرة: إدريس المسماري يقود المظاهره؟

مساء… أخبار الجزيرة: مظاهرات مضادة تأييدا للقائد.. “يا جزيرة يا حقيرة”. حتى في هتافاتنا نحشموا… حتى مذيع الجزيرة، جميل عازر الذي لا يعرف الابتسام ابتسم!

تويتر: قتلى في البيضاء.. حرق مركز شرطة الساحل الشرقي بدرنة… بدأت تكبر.

الخميس 17 فبراير (2)

اليوم الموعود

في طرابلس يُخرجون موظفين وطلبة ليكوّنوا منهم مسيرات تأييد للقائد. غصّ بهم ميدان الشهداء.

ما الذي يجري في باقي المدن؟ ما نعرفه قليل يصلنا عن طريق قنوات غير ليبية لا تملك مراسلين ينقلون نقلا مباشرا حيث تجري الأحداث. مصادرها هي نفسها اليوتيوب وفيسبوك وتويتر وبعض الشجعان من الليبيين في الداخل الذين يتصلون عبر الهاتف.

التعتيم شبه تام. والحقيقة هي أن أحداثا دامية جرت هذا اليوم، ولا تزال، في بنغازي والبيضاء واجدابيا والزنتان ودرنة وربما غيرها.

الصورة في التلفزيون الليبي شبه ساكنة .. حشد في ميدان الشهداء ومكبرات صوت تقذف بأناشيد محمد حسن، أسمعها من منزلي.

كنت في مأتم عندما جاءت رسائل على الهاتف النقال، فتبادل الجميع الخبر الهام!: العميد المهندس الساعدي سيوجه كلمة إلى شباب ليبيا هذا المساء. نمت ولم أسمع شيئا.. واثقاً أن النوم أفضل… لن يكون لديه ما يفيد أو يسلي.

الجمعة 18 فبراير (3)

كبًرت

كان يوما ثقيلا بمجهوله والخشية من ارتفاع أعداد الضحايا … والفشل تحت ضرب من غاب وعيهم وحضرت ساديتهم واشتد طمعهم.. من مخلوقات لا تختلف عقولها في شيء عن البهائم التي دُفع بها إلى ميدان التحرير بالقاهرة منذ أيام.

ولكن الأخبار توالت (الجزيرة، الحرة، بي بي سي، تويتر التي أستمر في استقبالها رغم ‘قطعها’). في المساء التقيت بعض الأصدقاء. قال أحدهم إن البيضاء ‘حايسه والموتى فيها واجدين’، وبنغازي ‘رابخه’، أما درنه والمرج والبيضاء فقد ‘حرروها’. هل هذا صحيح؟.. أخبار بالإذاعات عن مرتزقة أفارقة.. وعن ذوي الطواقي الصفر.. من هم؟ … الشهداء فيما يبدو بالعشرات.

وسمعت عن كلمة العميد المهندس الساعدي الليلة الماضية. كانت موجهة إلى أهل بنغازي فقد بعثه والده مخولا إياه تطوير المدينة وتحقيق كافة مطالبها وأكثر!.. لديه المعرفة والدراية فقد عاش في الخارج أربع سنوات ونصف!… وهو بإذن الله سيقيم ببنغازي من الآن فصاعدا!.. لديه كافة الصلاحيات التي وعده بها والده!..(والسلطة في يد الشعب).. لا علاقة لأحد بخططه ومشروعاته لبنغازي .. ستكون سلطته، كما وصفها، مطلقة. للرسائل أربعة جوانب: المرسل، والرسول والمضمون والمرسل إليه. فإذا ما كان المرسل والرسول يفتقدان المصداقية، سيكون أثر الرسالة صفرا بغض النظر عن مضمونها. وهذا ما كان بالتأكيد. أعترف بأن جزءا من الكلمة كان مسلياً.

لا شيء يوحي بتحركات في طرابلس. الأرقام والصور المرعبة إما أن تدفع الناس في مناطق الغرب إلى التحرك لنصرة إخوتهم في الشرق، وإما أن تكون مثبطة وتدفعهم إلى طلب “السلامة”… أخشى أن يؤدي طلب السلامة إلى ما لا تحمد عقباه…. فعاقبة الجميع في النهاية واحدة.. أضف إليها الانقسام.

تحدثت مع أحدهم! فوجدته غير راض عن التحرّك وأورد من الحجج أن البديل قد يكون أسوأ، وأن الشعب لا ثقافة سياسية لديه لكي يندفع إلى هذا الاتجاه، وأن النظام لن يسمح لأحد بأن يفتكّ السلطة من يديه… ولدى النظام من الأدوات ما يضمن ذلك…. وتذكرت أثناء حوارنا أن صاحبي مستفيد تماما، والخيار الأفضل لديه هو عدم تغيير شيء.. أو أحد.

نزلت إلى السوق وأحضرت بعض ضروريات التموين اللازم. قد تغلق الأسواق، أو… لست أدري. خير إن شاء الله. هكذا نحن هنا… وهكذا هم هناك… فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

السبت 19 فبراير (4)

الشرق يخرج من عقاله

صباحاً: أحدهم يتحدث مع الجزيرة من درنة.. الليلة الماضية كانت عسيرة.. إنزال بقوارب وبطائرات مروحية (سيكورسكي كما قال) لقوات من المرتزقة جرى التعامل معها. ضُربت طائرة لدى نزولها في قاعدة بمبة حاملةً مرتزقة.

السلطة المطلقة ليست مفسدة مطلقة فحسب؛ هي مُسكرة أو مذهبة للعقل تماما.

مساءً: توالت الأحداث متصاعدة. أقصى الشرق فرحٌ بما تم إنجازه في طبرق ودرنة والبيضاء والمرج. ولكن ماذا بعد؟ وماذا عن بنغازي؟ قد يتركون فيما هم فيه إلى حين.. مسألة أولويات لا غير.

من بنغازي بعد الظهر مباشرة جاءت الصورة مختلفة تماما. الليلة الماضية كانت مرعبة… الشهداء ربما كان عددهم في حدود العشرين.. ولا يدري أحد ما الذي سيحدث خلال الجنازة وبعدها.

في بنغازي عدد الشهداء والمصابين بالمئات… الشباب يواجهون النار بصدورهم العارية.

ما توفر من صور على التلفزيون كان مروعا. أطباق معظم الليبيين موجهة إلى نايلسات، ولذلك هم لا يستقبلون الجزيرة التي يجري التشويش عليها. أتابع الجزيرة على عرب سات منذ بات واضحا تدخل النايلسات بقطع بث القنوات طبقا لسياسات حكومتها….

العالم من حولنا قذر. ليبيا بالنسبة للغرب ليست سوى بحيرة نفط، يتعاملون معها على النحو الذي يؤمّن تدفقه إلى أسواقهم. أما الليبيون فليسوا أكثر من مخلوقات يتمنى الغرب أن تكون وديعة تجاه مخططاتهم وإن اقتضت تلك المخططات ذبحهم (في العراق) أو قتلهم جوعاً (في غزة). ليس من خيار أمام دولنا طبقا لمخططاتهم سوى أن تكون  تابعة أو مارقة أو فاشلة. أما مواقف العرب من العرب وقت الشدة فهي مصيبة عظيمة.

أستغرب ظهور مدافعين عن النظام مبررين لسلوكه وسط كل ما يحدث. تكاد تتقيأ عند سماع محام و”مفكر إسلامي؟” مع الجزيرة، ومكالمة هاتفية مع التلفزيون الليبي، القنفود، أظنه كان قاضيا سابقا و”مفكرا إسلاميا” آخر من بنغازي هذه المرة.. قانونيون ومفكرون إسلاميون؟ .. هم حماة باطل، أما الفكر فهو ينم عن مرض صاحبيه.

بعد كل هذا وما هو آت، قد تكون خاتمة ما يجري أحد احتمالين: إما سقوط النظام وإما انفصال برقة. احتمال ثالث؟ صوملة ليبيا… وهذا الاحتمال الثالث ربما يكون المفضل لدى النظام وقت الخيار بينه وبين الرحيل.

لا زالت كلمات ذلك التونسي بدمعه في عينيه على تلفزيون الجزيرة ترن في أذني: “لقد هرمنا..” نعم هناك جيل هرم مهادنا متعايشا مع نظام ظالم مرعب متخلف متسلط. جثم فوق الصدور أكثر من أربعة عقود وكأنه قدر محتوم.. سئمنا الترهات والسفاهات والهزل حيث يجب الجد.. حتى أصبحت حياتنا نفسها مسرحية بائسة… تُبكينا حين نذكر أنفسنا.. وتلهينا حين ننسى. درنا في فلك فكر رديء ونفس مريضة منتشية بما استطاعت شراءه من الذمم والدول .. ساسة وحكام و‘مفكرون’ وصحفيون باعوا أنفسهم للشيطان مقابل مبالغ طائلة من أموال الليبيين، ومعهم شعراء ولاعبو كرة ومطربات وراقصات وبنات هوى من مختلف الجنسيات و‘ملكات جمال الإنترنت’ … الإنترنت  التي أصبحت الآن لعنة على كل الأنظمة البالية… ربما كانت هذه السفاهة ستستمر وتورّث لولا هذه الصحوة المدهشة التي انطلقت من سيدي بوزيد وواصلت مسيرتها إلى تونس العاصمة ومنها إلى القاهرة ومن هناك إلى بنغازي وصنعاء والمنامة وعمّان… وإلى مصراته والزنتان… ومنها إلى بني وليد وطرابلس؟ أشعر بالخجل.

الأحد 20 فبراير (5)

تُسقط المعسكر، والإبن يشهر سبابته في وجه الليبيين

كان يوما طويلا طويلا. كانت بداية الأسبوع والعودة إلى العمل.

نزلت عند الحادية عشرة إلى المدينة. الازدحام شديد. ذهبت إلى السوق وإلى المخبز. كان الازدحام شديدا في محلات المواد الغذائية ومحطات البنزين وغاز الطهي. الكثير من الناس يعودون محملين بكميات تكفي لفتح محل بقالة. التدافع أكبر مما نشهده عادة في الأيام الأخيرة من شعبان أو قبيل الأعياد. الأمر غير عادي. كأني بالناس يستشعرون وقوع أحداث هذه الليلة بالتحديد.

اليوم خرج محامون مطالبين أمام مجمع المحاكم بشارع السيدي بإطلاق سراح المحامي عبد الحفيظ غوقة. الدعم المركزي اقتاد  البعض[1] إلى “الصناديق” ومنها إلى التحقيق.

وسقط المعسكر.. سقطت الكتيبة… الفرحة والزغاريد تعم بنغازي. بقي المطار الآن.

تواترت الأخبار في المساء عن خروج المتظاهرين في مدينتي الزاوية ومصراته، ومن بعدهما طرابلس. تابعنا الأحداث على الجزيرة من الساعة 9.30 وحتى الثالثة على قناتيها الرئيسية ومباشر وبشكل متواصل. كان الجهد كبيرا ومميزا. لقد كانت الجزيرة بالفعل مشاركة في صنع الحدث، تماما كما كانت في حالة ثورتي تونس ومصر. نقلت الجزيرة كلمة سيف شاهرا سبابته في وجه الليبيين متوعدا إياهم بالويل والثبور وعظائم الأمور إن لم يستمر هو وأبوه في حكم الليبيين. وأعقبت الجزيرة هذه الكلمة بالتحليل صحبة سليمان دوغة وإبراهيم جبريل. دور الجزيرة في صياغة الرأي العام كان واضحا. نسمع الهتافات من وقت لآخر وإطلاق النار.

كلمة القذافي الإبن كانت تهديدا ووعيدا.. إما استمرار الأسرة في حكم البلاد وإما صوملتها… إما القبول بمشروع إصلاحي لم يعد اجتراره يغير شيئا من طلب الليبيين سقوط النظام نفسه، وإما…. أنا وأبي أو الطوفان.. حرب أهلية وغزو أجنبي وتقسيم إلى إمارات إسلامية وفقر. سقط القناع عن وجهٍ رآه الجميع في قبح وجه أبيه…. الوقت متأخر جداً كي يقنع أحداً بشيء، ففي الثورة بديل ثالث… والوقت المتبقي ضئيل جدا.. الكلمة الأولى كانت على لسان الساعدي والثانية على لسان سيف. هل ستكون الثالثة بحضور الراجل اللي كان وقف ورا عمر سليمان؟ ويوم الخميس؟

الإثنين 21 فبراير (6)

طرابلس تسخن.. وكلمة تحت المطر

ذهبت صباحا إلى المكتب. كانت هناك حركة مرور خفيفة. المتاجر مغلقة. مركز الشرطة الذي مررت به كان محترقا. … لا أثر للشرطة في أي مكان.. حركة المرور كان ينظمها شباب بملابس مدنية ومن دون سلاح. من هم؟.. لا أدري.. ربما متطوعون. في طريق العودة وجدت محلا صغيرا في شارع جانبي كان مفتوحا فاشتريت منه بعض الخضروات. محطات الوقود مغلقة.

الأنباء تتوالى حول حشود ستدخل المدينة من الزاوية وتاجوراء والجبل وبني وليد. كنا نسمع أصوات الرصاص. سمعت من البعض أنهم شاهدوا آثار حرق مقرات اللجان الثورية الليلة الماضية. الهواتف النقالة على المدار وليبيانا كانت مقطوعة معظم الوقت: أكاد أقول لتسعين في المائة من اليوم. الأخبار المتداولة تفيد بمواجهات سقط فيها الكثير من القتلى في تاجوراء وربما قرقارش. الليلة كانت مرعبة.

أخبار التلفزيون أفادت باستقالة العديد من السفراء وانشقاق بعض الضباط، وهبوط طائرتي ميراج في مالطا بعد أن رفض طياروهما تنفيذ الأوامر بقصف المتظاهرين. الأنباء تفيد بمواجهة كبيرة مع الكتيبة الأمنية في مطار الأبرق، وأن أفرادها قد استسلموا أو هربوا في الجبل.

كانت هناك مقابلة ظريفة مع مسئول في الاتصال الخارجي اسمه اقعيم أسمع به لأول مرة. خرّف اقعيم هذه الليلة، منكرا صحة صور هبوط الطائرتين الليبيتين في مالطا والقصف الجوي، منكرا علمه باستقالة أمين العدل، مهاجما قناة الجزيرة ‘الصهيونية’.

التلفزيون الليبي يعلن عن كلمة أو مقابلة مع القائد. وطال الانتظار.. كالعادة. وتعددت التوقعات والتحليلات حتى قبل أن يقول شيئا. من ذلك تفسير الـ ‘هفينحتون بوست’ لتوجيه هذه الكلمة  في هذا الموعد المتأخر من الليل يعني أن كلامه سيكون ’موجها لنا‘، أي لأمريكا وليس لشعبه. وظهر القائد بعد الثانية صباحاً لبضع ثوان لا غير… داخل سيارة ربما كانت مصفحة في باب العزيزية حاملا مظلة فتحها خارج السيارة دون أن يخرج منها. قال إنه كان يريد مخاطبة الجماهير في شوارع المدينة لولا المطر، إلا أنه أراد أن يكذّب وجوده في فنزويلا، فهو في ليبيا، مما يكذب الإشاعات التي تبثها ‘الكلاب’. وظهر خطأ الهفينجتون بوست فالقائد لم يكن يخاطب شعبه ولا جمهورا معينا في أمريكا. هي كلمات تلفزيونية طمأن بها نفسه بأنه لا يزال موجودا.

الثلاثاء 22 فبراير (7)

المجد يتكلم

ذهبت أولا إلى المصرف. كانت صالته الصغيرة مثل علبة مرصوصة بسمك السردين، وقضيت أكثر من ساعة في طابور كي أنهي معاملتي. كانت بداية اليوم في ظاهرها هادئة… أخبار متفرقة عن طريق الهاتف أو الاتصالات القليلة بأقارب ومعارف. يبدو أن المواجهات كانت في مناطق طريق الشط وتاجوراء وبن عاشور وقرقارش… وأن هناك ضحايا. الروايات تقول إن القتل كان من قبل أفراد يركبون سيارات نصف نقل مستعملين الرشاشات وأن الطائرات العمودية ربما تكون قد شاركت… في طريق الشط؟ إشاعات عن مقتل سعيد راشد واثنين من أولاده.

في المساء كانت كلمة القائد التي استمرت أكثر من ساعة تضمنت تكرارا كثيرا. أرشح الجزء الأول من الكلمة نصاً يرجع إليه دارسو جنون العظمة. هو ليبيا وهو الثورة وهو الحرية هو ‘صخرة صماء’… بل هو المجد.. ليبيا وكل شيء آخر نراه، وُلد بعده… ‘بنغازي أنا اللي بنيتها طوبة طوبة’.. وُلدتْ بعده. الـ “أنا” كانت هناك غطرسةً ووهماً واستخفافاً بجمهور السامعين. وظهرت حقيقة تلك الـ “أنا” في صورة الآخر لديه: جرذان وجراثيم ومتعاطي مخدرات ومقملين وعملاء ومخربين وعملاء وخونة. يرى العالم في أبيض وأسود.  كان الرجل على خط دفاعه الأخير… مهدداً متوعداً. إنه ‘لم يستعمل القوة بعد’… ما نوع القوة المتوفرة لديه ولم يستعملها بعد حتى بعد أن فقد السيطرة على نصف البلاد؟  تكلم من مدخل منزله المضروب داخل ثكنة باب العزيزية.. لماذا لم يتوجه إلى محبيه في ميدان الشهداء؟ خاصة وأن الكاميرا بينت عند انتهاء الكلمة أنه ألقاها أمام ما لا يزيد عن 15 شخصاً.. ربما… كان خطابه هذا خطاب الجرذان والجراثيم والكلاب والمقملين وحبوب الهلوسة، أوصاف مجمل الليبيين لديه: من ثار منهم ومن ينتظر. ‘أنا لست رئيساً… لو كنت رئيسا لألقيت باستقالتي في وجوهكم’. لا أجد وصفا يليق برجل يخاطب شعبه بهذا الازدراء والتحقير.. ولكن هل نحن حقيقة شعبه؟

شبَهٌ تاريخي قريب هو إمبراطور روما، كاليجولا…. اعتلى عرش روما شاباً في العشرينات من عمره. خفض الضرائب وخلق لنفسه شعبية كبيرة. كانت أعراض جنون العظمة (ميجالومانيا) واضحة عليه في وقت مبكر من تنصيبه. أقام المحاكم ملقياً بتهم الخيانة في كل اتجاه. عاشر أخواته الثلاثة. ماتت إحداهن ونفى الأخريين بعد اتهامهما بالتآمر. وصلت به الحال إلى أنه بدأ التعامل مع الآخرين كإله… تأله الرجل. أراد أن ينصب لنفسه تمثالا داخل المعبد اليهودي في القدس. بحث عن أمجاد فخرج في حملات عسكرية. توقّف بجيشه على شاطئ بحر المانش وأمر الجنود بجمع الأصداف البحرية (لا تفسير في التاريخ لذلك)! عاد إلى روما، ومعه ألمان عرضهم كأسرى، مقيما الاحتفالات الكبرى بانتصاراته. واغتيل كاليجولا على يد حراسه، ومعه زوجته وابنته. مات ‘الإله’ في العشرينات من عمره، مخلدا نفسه في تاريخ روما… مجنون العظمة الأول. محظوظة روما، فحكم كاليجولا لم يستمر لأكثر من أربع سنوات.

أعلن مصطفى عبد الجليل على الجزيرة استقالته، واصفا خطاب القذافي هذا المساء برقصة المذبوح. وظهر عبد الفتاح يونس أمين الأمن العام ليعلن استقالته هو الآخر، مكذبا ما جاء في الخطاب ـ محرضاَ للعبيدات ـ من أنه قد ضرب في بنغازي بالرصاص…

وفي ساعة متأخرة ظهر أمين مؤتمر الشعب العام متحدثا عن ‘الشراذمة’ الذين وظفتهم مخابرات الغرب وإسرائيل … ولم ينس أن يشير إلى حبوب الهلوسة. أعلن عن حزمة قوانين إصلاحية ودستور وانعقاد للمؤتمرات… المناطق التي وقعت تحت سيطرة المخربين سيتم تخليصها قريبا…. اعتقدت حتى هذه الليلة أن الرجل أعقل مما رأيت… أم هو الرعب؟

الأربعاء 23 فبراير (8)

أخبار المرتزقة تتواتر

واليوم أيضا كانت البداية هادئة.. حيث أقيم. ذهبت عند الساعة 11 إلى المكتب ولم أجد أحدا. كانت الشوارع طول طريقي إلى المكتب خالية من الشرطة. طوال تجوالي لمدة ساعتين لم أشاهد غير زوجين من شرطة المرور. كان المطر غزيرا والرياح عالية. عدد صغير جدا من المحلات كان مفتوحاً، والازدحام كان شديداً جداً على المخابز. كانت هناك رسائل نصية معممة تدعو المواطنين ‘في القطاعين العام والخاص’ للتوجه إلى أعمالهم اليوم بشكل عادي. ليس هناك ما يفيد أن هناك استجابة. ذكّرني ذلك بإعلان السلطات في مصر لحالة حظر التجول أثناء أيام ثورة 25 يناير وتغيير ساعاته من يوم ليوم. كان واضحا من الصور الحية المنقولة من مصر تجاهل المصريين لها تماماً.

مصدر الأخبار الرئيسي كالمعتاد كان محطات التلفزيون.

الصور التي شاهدناها عما حدث في الشرق كانت مروّعة.. صور الموتى من رجال وأطفال، وصراخ النساء روّعهن القتلة يجوبون الشوارع. التخوف هنا من استعمال المرتزقة الإفريقيين الذي تفيد بعض الأخبار المحلية والعالمية بتواصل هبوطهم في طرابلس (مطار معيتيقه). لطيف.

الأخبار في طرابلس تفيد بتمركز قناصة على الأسطح، وتواجد دبابات وجنود (ومرتزقة؟) في مداخل المدينة منعا لدخولها من كل الاتجاهات… صدامات في الزاوية وصبراته. المعنويات ارتفعت بدرجة كبيرة حينما شاهدنا علم الاستقلال يُرفع في الزاوية، ثم عند سماع خبر تحرير معظم مدن الجبل الغربي.

أخيراً ظهر السيد أوباما ليتحدث عن ليبيا.. نفس الكلام المعلب عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان … أحد التحليلات (الجارديان) يقول أن هناك احتمالا لاستعمال ما للقوة… ربما لفرض منطقة محظورة الطيران.

أحدهم نصحنا بعدم الخروج صباح الخميس… ربما يكون هناك شيء ما.

وننتظر ظهور الراجل اللي ورا عمر سليمان.

الخميس 24 فبراير (9)

جماهير الزاوية ومصراته تسيطر، ويبقى الصوت من دون الصورة

خرجت إلى المكتب لفترة قصيرة. كانت هناك حركة سيارات لا بأس بها. الغالبية العظمى للمحلات التجارية بقيت مغلقة… الازدحام شديد على المخابز ومحطات الوقود القليلة المفتوحة. … عمال يطلون مبنى قاعة الشعب الذي أضرمت النيران في جزء منه منذ بضعة أيام… الشوارع نظيفة، إلا أن آثار حريق السيارات على أسفلت الطرق كانت بطبيعة الحال موجودة. في السيارة سمعت جزءاً من كلام وجهه سيف عبر الإذاعة ـ ربما الليلة الماضية ـ قال فيه إن المئات من المراسلين الصحفيين من أنحاء العالم سيصلون غداً للتحقق بأنفسهم، ومعهم الدبلوماسيون، من عدم وجود قصف بالطائرات للمدن، وأنهم سيتوجهون إلى حيث يشاؤون. … سؤالان: طبقا لمقابلة قعيم وكيل الاتصال الخارجي كان يُفترض أن أولئك المراسلين قد وصلوا بالفعل يوم أمس… هل سيصلون غدا؟ … السؤال الثاني هو كيف سيذهب بهم السيد سيف إلى مدن مثل بنغازي و البيضاء ودرنة واجدابيا وغيرها في الشرق؟

كلمة السيد مصطفى عبد الجليل في الحاضرين اليوم بقاعة مجلس النواب السابق في البيضاء كانت موفقة… الرجل يوحي بالثقة والاحترام… واستمر فيض الاستقالات وانضمام ضباط إلى الثورة.

يبدو أن الجماهير تسيطر الآن على مصراته ومطارها وعلى الزاوية إلى جانب من الجبل الغربي… الدائرة تضيق.

بثت الإذاعة كلمة لـ “القائد” عبر الهاتف!!!! شك الكثيرون في أن الصوت كان صوته.. الإشاعات التي ظهرت مساء عن موته قد تكون وراء ذلك.. أولاده يريدون أن يبذلوا محاولة أخيرة لاستمرارهم في الحكم من بعد أبيهم؟ الكلمة بائسة.. خلت من لغة التهديد التي صبغت كلمته السابقة… خاطب سكان الزاوية بالذات ناصحاً إياهم أن ينقذوا أولادهم من القاعدة التي ضحكت عليهم باستعمال حبوب الهلوسة… وهل تعتقدون أن أمريكا ستسكت على وجود القاعدة في بلادكم؟.. أنظروا ماذا فعلت في العراق وأفغانستان.. أنقذوا بلادكم… أعطيتكم السلطة منذ سنة 77، أنا الآن سلطتي أدبية.. حاسبوا لجانكم الشعبية التي اخترتموها.. افعلوا ما تريدون.. ذلك شأنكم. هو مثله مثل الملكة إليزابيث هل من أحد يحاسبها على أخطاء الحكومات على مدى الـ 57 سنة منذ اعتلائها العرش؟!

التلفزيون الليبي: عاجل: “مصدر مسئول بالاتصال الخارجي يؤكد أن كافة الدول باتت مقتنعة بأن ما يجري في ليبيا وراءه القاعدة”!. الليلة الماضية عزف السيد موسى كوسا على نفس الوتر… القاعدة وبن لادن وإمارة درنة الإسلامية وأميرها الذي كان من جماعة بن لادن… 1500 من درنة توجهوا إلى العراق وتدربوا فيه ثم أتى منهم من لم يسجنوا بالعراق لإنشاء موقع للقاعدة في ليبيا، للهجوم على أوروبا. قال إننا ساعدنا الغرب وأمريكا على رأسه في حربه على الإرهاب وأمددناه بالمعلومات، وكنا نظن أنهم سيقفون إلى جانبنا. يحتل سهرةَ التلفزيون الليبي بطولها وعرضها هذه الليلة السيد شاكير.. همه الليبيون المعارضون في الخارج… ‘كشْفهم’ وإبراز ‘الوثائق’ عن عمالتهم. هذه بضاعته منذ عاد إلى ليبيا، وهذا ما تبقّى لدى القنفود يملأ به فراغ ليله الطويل.

“أمير درنة” عبد الحكيم الحصادي ظهر على الجزيرة يكذّب.

أعتقد أن الله عز وجل قد تفضل علينا بكشف الستار عن حقيقة سيف وحرق أوراقه نهائيا بالكلمة التي وجهها لليبيين يوم الأحد. أظهرت كلمة سيف أنه نسخة من أبيه، وأن ما كان يصدر عنه من أقوال وما قام به من أعمال ما كانت لوجود اختلاف في التوجهات، ولكنها واجهة لخطة رسمت فيها الأدوار لاحتواء آثار تغييرات كبرى في الواقع السياسي العالمي والتطورات التكنولوجية الكبرى وبالذات الإرسال التلفزيوني الفضائي وشبكة الإنترنت. ولكن الكثيرين غُرّر بهم وانخرطوا في تيار سيف وريثا لأبيه، وإن من باب أنه أفضل من استمرار أبيه. والخطأ هنا كان في المفاضلة بين خيارين لا ثالث لهما. وفي جميع الأحوال، ظهر جليا من كلمة سيف يوم الأحد 20 فبراير أنهما في الحقيقة لا يختلفان…. أتصور أنه لو خرج تلك الليلة ليقول أن عهد أبيه قد انتهى، وأنه سيقود مرحلة انتقالية تؤدي إلى إنشاء دولة ديموقراطية حديثة، لأقنع الكثيرين بأنه صادق وأن ذلك الطريق أفضل مما ينتظر البلاد من سفك المزيد من الدماء ومخاطر لا يعلم مداها إلا الله. إلآ أنه لم يفعل، بل بالعكس تماماً أماط اللثام عن وجه في قبح وجه أبيه… والحمد لله.

يبدو أن أمريكا تدرس جديا التدخل بعمل عسكري ما. ما يؤخر ذلك هو ما تبقى من رعاياها في ليبيا.. آخرهم ربما يكون قد خرج من ليبيا خلال يوم أو يومين. لو كانت ليبيا في أهمية الصومال الاستراتيجية والاقتصادية لتركوها تتصومل أو تنقسم، لكن استمرار إنتاج النفط في ليبيا وموقعها يمنعان ذلك.

اليوم الخميس… سمعنا ‘كلمة العقيد’ الثالثة.. كلمة التهديد وجنون العظمة وكلمة المطر وكلمة الهاتف ‘المزوّرة’ هذه الليلة…  وغداً الجمعة…. على خطى بن علي ومبارك؟ الله أعلم… وما ذلك على الله بعزيز.

الجمعة 25 فبراير (10)

جمعة دامية

الكل في انتظار انتهاء صلاة الجمعة. بعض الأئمة اختار أن يُهمل الخطبة الموزعة من هيئة الأوقاف المنددة بالمخربين والإرهابيين مدمني ‘حبوب الهلوسة’. وهكذا كان الأمر مع إمام المسجد الذي صليت فبه. أئمة آخرون تمت مقاطعتهم حينما شرعوا في إلقاء خطب الأوقاف الموزعة عليهم وأُنزلوا من على المنابر.

عدت من المسجد لأشاهد على الجزيرة الحشود الغفيرة في بنغازي ودرنة حاملة رايات الاستقلال، وأسمع صوتها الهادر مناديا بسقوط النظام ومؤكدا على وحدة البلاد. مناظر ما كنت أحلم أن أراها. وكانت هناك أيضا حشود ميدان التحرير بالقاهرة المحتجة على محاولات العسكر سرقة ثورتها، وكانت من بين أعلامها أعلام ليبيا الاستقلال وتونس. رأيت إبراهيم جبريل على الجزيرة الإنجليزية متأثرا بما رآه من أهل مدينته درنة التي لم تطأها قدماه منذ ثلاثة عقود.. رأينا مدننا تتحرر، وما كنا نرى ذلك مقبلا أو ممكنا على مدى أعمارنا. ولكنهم شباب بثوا الحياة في قلوب وهن نبضها بفعل ما رأته من دمار وخيبة آمال … نعم، وإذلال. هم شباب أبدلوا هوان أمتهم زهوا وفخارا.   

تقاطرت الأخبار عن مواجهات في فشلوم وزاوية الدهماني وميدان الجزائر وبن عاشور وتاجوراء وشارع الجمهورية والسياحية. سقط عدد من الشهداء وتم تفريق المتظاهرين ومنعهم من التوجه إلى ميدان الشهداء. .. التواجد العسكري على الطريق من الزاوية المحررة ومن تاجوراء كان كثيفا. عدد القتلى بمنطقة الهاني غير معلوم.

خرج القذافي من أعلى سطح السراي الحمراء ليخاطب حشدا متواضعاً من مناصريه في ميدان الشهداء.. كلام غير مترابط تضمن تهديدا بتوزيع السلاح على القبائل وتحويل ليبيا إلى ‘نار حمراء’ ، واختتم بدعوته الشباب للغناء والرقص والسهر. واستجاب القنفود فورا ببث أغاني الدربوكة والزمارة! أًعلن مرارا عن قرب بث حديث لسيف ولكن ذلك لم يتم. وكالات الأنباء تقول أنه صرح بإمكان التفاوض مع ‘المتمردين’ والوصول إلى حل قبل يوم الغد. واضح أن الحديث كان موجها إلى الخارج.

وكانت قنبلة مجلس الأمن التي ألقاها ممثل ليبيا في الأمم المتحدة عبد الرحمن شلقم صديق القذافي المقرب. سفّه عبد الرحمن أقوال القذافي بشأن الحبوب والانتماء لبن لادن… قال إن القذافي يخير الليبيين بين أن يحكمهم هو وأولاده أو القتل… شبهه بهتلر.. وطالب الأمم المتحدة، التي تأسست دولة ليبيا المستقلة بقرار منها، بإنقاذها.

التصريحات الغربية والأمريكية خصوصا تنبئ باحتمال متزايد لاستعمال القوة. أتمنى أن يسقط النظام قبل تدخل من أحد من خارج الليبيين… تضحيات الليبيين الكبرى تقترب من قطف الثمرة النهائية. إنها قاب قوسين أو أدنى.

وعدت إلى التلفزيون الليبي. عجيب .. إنه السيد شاكير نفسه ولليلة الثالثة على التوالي… يصوّب بضاعته نفسَها هذه الليلة في اتجاه عبد الرحمن شلقم! وهذا يذكرني بشيء آخر غير إفلاس التلفزيون الليبي. أين هم فلاسفة وفطاحل ومنظّرو النظام الذين اعتدنا ظهورهم على الشاشات مدافعين عن النظام مبررين ومفسرين؟ لقد غابوا تماما. هل يرونها قريبة؟

أراها قريبة … قريبة جدا.. هي ساعات أو يوم أو يومان… إن شاء الله.

السبت 26 فبراير (11)

احتمالات

أطلّ هذا اليوم الجديد وانتهى من دون تصاعد في المواجهات المباشرة في شوارع طرابلس. تناقل الناس مواجهات الجمعة.. شهداء وجرحى ومعتقلون… وتصفيات فيما نُقل… وجمعٌ وإخفاء للجثث. المحال التجارية في معظمها (90% منها؟) مقفلة. السيارات عند مدخل المدينة الغربي (نهاية السريع) كان يتم توقيفها وتفتيشها من قبل مسلحين بملابس مدنية. يبدو أن المدينة بالفعل محاصرة.. يقال بوجود أرتال من الدبابات والأسلحة الثقيلة في مواقع تهيؤها لمقابلة أي حشود آتية من الشرق أو الغرب أو الجنوب.

الأخبار التي يجري تداولها في وسائل الإعلام تفيد بإمكان استعمال الغرب للقوة… لأي غرض، وبأي وسيلة؟ لا ندري. مصالح الليبيين ومصالح الغرب كما عرفناها ليست واحدة. هل ستلتقي المصالح في حالتنا ولو لساعات أو أيام؟ أشك في ذلك كثيرا. لا يزال أفضل سيناريوهات النهاية هو المرتكز على أدوات وطنية.

وكان لا بدّ لي من المرور على قنفودنا لعل هناك جديد… ولم تكن هناك مفاجأة. إنه نفس النجم وبضاعته القديمة للّيلة الرابعة.. تركيزه في الجزء القصير الذي تحملت متابعته كان سليمان دوغة… مع إشارة إلى ملفات عديدة أشار إلى أنه سيستعرضها مساء الغد… لليلة الخامسة… أفلس القنفود.

الأحد  27 فبراير (12)

تلمود وباطنية يهودية

يوم آخر غير مثير (سبحان الله.. غير مثير).. حركة المرور بالشوارع أقل بكثير عن الحركة قبل الأحداث الأخيرة… المكاتب لا تزال مقفلة عملياً.. وكذلك المدارس. خدمة شبكة المدار عادت اليوم إلى شيء يشبه الخدمة المعتادة بعد أن كانت شبه منقطعة لثلاثة أيام. تعودنا على مشاهدة الطوابير الطويلة أمام المخابز ومحطات الوقود، وإن كانت الطوابير على المحطات أقصر في هذا اليوم. ازدحام شديد بأسواق المواد الغذائية، مع ارتفاع في الأسعار. كان واضحا اليوم خلو الكثير من الأرفف. السلع الغذائية بدأت تختفي؟

ازدحام جديد أضيف اليوم. ما شاهدته أمام المصارف لم يكن طوابير بل تجمعات كبيرة غير منظمة مع تواجد لرجال شرطة (؟) مسلحين أمام المصارف. فقد تم الإعلان الليلة الماضية عن توزيع مبلغ 500 دينار لكل أسرة مقابل تقديم كتيّب العائلة في أي مصرف. هل كان ذلك متاحا في المناطق المحررة أيضاً؟ لا أدري. منطق الرشوة ليس بجديد. النظام يدفع مقابل المشاركة في مظاهرة تأييد وفي فرق الارتزاق ولمجرد العودة عن موقف كما حدث من عروض لأهالي الزنتان لكي يتراجعوا عن خروجهم عن السلطة القائمة… والنظام يدفع هذه الأيام للجميع مقابل الصمت في أقل تقدير. هناك افتراض بأنه لا معنى ولا وزن لمبادئ أو أخلاق أو مصلحة وطنية، كأن ما يحرك الناس هو المنافع المادية، ولدى النظام منها الكثير. والهدف دائما واحد: أحكمكم أنا وأولادي أو أقتلكم (شلقم في مجلس الأمن).

تقابلت اليوم مع أشخاص كان واضحاً تعاطفهم مع سيف. كانوا غير راضين عن الكلمة التهديدية التي وجّهها لليبيين. يأسفون لأنها ربما تكون قد كلفته ثمنا باهظا.. ربما أودت بفرص استلامه الحكم.. لقد كان إصلاحيا، إلا أن أباه لم يسمح لبرنامجه بالمرور! وبرروا بالقول أنه لا يستطيع الخروج من تحت العباءة. خروجه عن الطاعة يمكن أن يكلفه حياته. مما سمعت، لا أرى أن هناك حلا .. الرجل لن يختفي، ولن يتردد في القيام بأي عمل قد يبدو لغيره جنونيا. المهم عنده استمرار سلطته على رقاب الليبيين الذين يجب أن يحبوه، فهو المجد و…. والمهم بطولاته وتاريخه كما يراهما هو وبأي ثمن.. 

رأينا على الجزيرة عينة من الكتب تحتويها مكتبته في قبو استراحته بالبيضاء… التلمود والباطنية اليهودية وأرواح الأشرار و… عجيب أننا لا زلنا نعجب.

وتوجهت آلة الدعاية بالصحفيين الأجانب غربا لتريهم كيف أن مدينة الزاوية تحب القائد وتدين له بالولاء… وكان أن فاجأهم شباب الزاوية باستيلائهم على ناصية الأمر في مدينتهم والخروج بها عن الطاعة، رافعين أعلام الاستقلال ومعلنين انضمامهم إلى المجلس الوطني… المعركة الكبرى ستكون في طرابلس.. أراها دموية … وقى الله المدينة وأهلها جنون طاغية مقبل على نهايته، سيكون مصرا على جرّ الجميع إلى كارثة كبرى يختم بها تاريخه…. اللهم احفظ البلاد من هذا الشر العظيم.

الإثنين 28 فبراير (13)

تحركات دولية

بدأنا نعتاد المناخ الجديد. مجرد القول بأن لا جديد يعني نوعا من الاعتياد. حركة المرور أخف مما كانت عليه قبل الأحداث، وإغلاق للمدارس ومعظم المحلات والمكاتب الحكومية.. لم يتغير من ذلك شيء. طوابير المصارف من أجل الـ 500 دينار لليوم الثاني على التوالي وطوابير الخبز هي هي.

واضح أن مصراته والزاوية قد خرجتا عن قبضة باب العزيزية، ومن المؤكد أن طرابلس محاطة بأرتال كبيرة من الدبابات وغيرها من الآليات. السيارات الداخلة إلى المدينة يتم إيقافها من قبل مسلحين. ذلك ظاهر للعيان في مدخل السياحية من اتجاه جنزور وعلى الطريق من تاجوراء.

تناقلت الأنباء خبر إقالة عبد الله السنوسي… إقالته؟ موته؟ … ليس هذا هو الشرخ الوحيد في الدائرة الضيقة للحكم بكل تأكيد.. هل ستكون نهايتهم على أيديهم؟ مثل تلك النهاية ستكون الأقصر والأقل كلفة.

في الأخبار هذه الليلة أن بوزيد دورده وصل إلى بنغازي مبعوثا من النظام. ماذا هناك يمكن أن يتفاوض عليه مع الثوار؟ أرجو ألا يقعوا في فخ. لقد تخلص الشرق من سوئه، والمطلوب رحيله وأبنائه عن كافة أرجاء الوطن. أما بالنسبة للقذافي نفسه، فهو لا يزال يعيش في أوهامه. إنه منفصم تماما عن الواقع… يقول في مقابلة مع إي بي سي الأمريكية هذه الليلة أن الليبيين يحبونه ومستعدون للموت دفاعا عنه… My beoble (?) love me.. They die for me.. ما هذا الهذيان؟

وبدأ الغرب في تجميد أرصدة ليبيا.. الليبيين. قيمة ما جمدته أمريكا اليوم هو 30 مليار دولار. متى سيتم الإفراج عنها وعن غيرها؟ لقد بدأوا يعدون لمرحلة ما بعد القذافي بتهيئة أدوات الضغط والابتزاز.


[1] كانا اثنين أحدهما إبني المهندس تميم. كان للحظ دورٌ في الإفراج عنهما من المباحث مساء ذلك اليوم. يقول تميم:

“التحقت بالاعتصام بساحة مجمع المحاكم بشارع السيدي صباح يوم 20 فبراير. أحد أفراد الدعم المركزي طلب مني الابتعاد، منعت من دخول ساحة المحكمة. الهتافات تهز المكان. أوقفني شخص أسمر البشرة، سألني: من أين أنت؟ أجبته أنني من درنة فكان لذلك وقع كلمة السر. جذبني من كتفي نحو ساحة المحكمة وهو يبحث عن ضابط يبدو أنه المسؤول، وهناك قال لي اذهب الي بيتك. لم أكن مطمئناً خرجت وحاولت أن أسرع الخطى. وسمعت وقع خطواتٍ خلفي واذا بخمسة أشخاص من الدعم كمّموا فمي ودفعوا بي في سيارتهم الزرقاء. أخذوا هاتفي النقال والآيْ بود والمحفظة، وجدت أمامي شابأً كان اقتيد إلى هناك قبل وصولي. سمعنا من السبّ والشتائم الكثير.

مع انتهاء اعتصام المحكمة عاد بعض الجنود وأخذوا في سبنا وسب ” الشراقة” بعد قليل أصابهم الهلع. بعضهم خلع الملابس العسكرية وذهب مسرعاً، نُقلنا الى سيارة أخرى لنقل الجنود كان بها 23 جندياً، 12 من ذوي البشرة السمراء وستة أو سبعة من المنطقة الشرقية. قال أحدهم أننا متجهون نحو مبنى الدعم في صلاح الدين. لم تتحرك بنا السيارة. أُحضر أحد عشر من المتظاهرين في باب بن غشير بعضهم كان ينزف دماً، حوالي الساعة الرابعة تم نقلنا الى سيارة خاصة بالسجناء تحركت باتجاه معسكر الدعم. هناك شاهدت جثة في الساحة الداخلية. رفض المسؤولون استقبالنا وأخذونا إلى مبنى البحث الجنائي في خلة الفرجان. هناك التقينا بشخص من غريان سألته ما به قال أنهم قبضوا عليه وهو يحاول إطفاء النار في صورة القائد! عندها تملّكني الخوف. بعد قليل جاؤوا يسألون عنه وقالوا أن حالته مختلفة لأنه أحرق صورة القائد.

تم تسجيل البيانات لدى أحد المحققين واحتفظوا بما كان معي من مقتنيات بما فيها جهاز آى بود يحمل بعضا من قصائد للأجدابي! عدنا إلى ‘الشيللا”، وبعد قليل زاد الهرج ورأينا سجناء من مصراتة يقتادون الى “شيللا” أخرى. بعد قليل حوالي الساعة التاسعة مساءً أخبرنا الرائد أننا سيطلق سراحنا على أن نعود اليهم بوم الأربعاء لاستكمال التحقيق.

أخبرني في اليوم التالي نقيب في البحث الجنائي أن استقالة ضابط كبير بالمباحث كانت وراء الربكة التي حصلت حيث لاذ بالفرار ضباط يحملون رتباً عالية، وجاءتهم أوامر بحرق جميع أوراق الأمن الخارجي في تاجوراء بعد سماعهم عن توجه ثوار الزاوية نحو طرابلس.

تعليق واحد على: يوميات فبراير 2011

  1. حاتم الأطرش كتب:

    عمي نور الدين السلام عليكم
    9 أكتوبر 2012 أول مرة أقراء فيها مدونتكم و بدأت من البداية فبراير 2011
    لم أستطع التوقف
    كل سطر أقرأه يوقض في ذكريات و مشاعر لم أعتقد يوماً أنها سكنت و لكن القراءة أثبتت العكس
    للنظر لتلك الأحداث بعيون مشاهدها في حينها وقع مختلف. مختلف تماماً
    أعجبني كل ما فيها. صدق شمول توقعات
    كلمة الساعدي ها ها ها
    العالم من حولنا قذر. ليبيا بالنسبة للغرب ليست سوى بحيرة نفط”
    ،”
    لهاذا السبب بالضبط تم إيقاف إنتاج النفط. ليعلموا أن وكيلهم على حكم ليبيا إنتهت صلاحيته
    ” إما سقوط النظام وإما انفصال برقة ”
    هذا يعني أن كلمة برقة ليست صنيعة ثلة من مدمني السلطة كما يدعي البعض
    أدمعت عيناي عندما قرأت
    وسق المعسكر …. سقطت الكتيبة…
    مقابلة طريفة مع اقعيم
    استمرت بعد ذلك القراءة و توقفت عن تسجيل ملاحظاتي
    بارك الله فيك و في هذه المدونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *