يوميات أبريل 2011

الجمعة 1 إبريل (44)

الله أكبر لا هُبل

تارةً يسمونه كراً وفراً، وتارة انسحابا تكتيكيا، وتارة أخرى ترجعا إلى خط دفاع وراء البريقة… الخلاصة هي أن قوات الثوار في تراجع في اتجاه اجدابيا وبنغازي. طيران الحلفاء يسيطر على الأجواء من دون فعل. ما الذي يجري؟ النقاش في الغر-ب مستمر حول صواب أو خطأ تسليح الثوار بما يمكنهم من صد الكتائب… شكوكهم في ازدياد من تسرب عناصر من القاعدة أو تنظيمات إقليمية متطرفة أخرى إلى صفوف الثوار. يجب أن يضع المجلس حدّاً لكل مظهر أو عمل يمكن أن يعزز مثل هذه الشكوك لدى الغرب. إن المسؤولية كبرى ولا مجال للخطأ في مثل هذا الجانب في هذا الموقف الفاصل.

لا أنباء مفصلة ومؤكدة عن فرار عدد من كبار مسؤولي النظام إلى الخارج وطلبهم اللجوء. عددهم وصل إلى عشرة في بعض الأنباء الصحفية. سيكون تفجّر النظام من الداخل أقصر الطرق نحو الخاتمة وأقلها خسائر، وإن كنت لا أعتقد أن الرجل يمكن أن يتنازل عن مكانة الآلهة التي تقمصها ولا يملك فكاكاً منها. رحيله إلى العالم الآخر فقط ـ بيده أو بيد غيره ـ سيفتح الباب أمام خروج ليبيا من هذا النفق المظلم… نسأل الله أن يعجل بالفرج.

وتستمر معاناة مصراته وصمودها الملحمي. هجوم المرتزقة كان أكثر شراسة اليوم من الأيام السابقة. خبرٌ يقول أنهم قد أغلقوا شبكة الصرف الصحي للمدينة. أساليب مبتكرة لا تخطر ببال إبليس.

أعلن المجلس اليوم شروطه لوقف إطلاق النار، وهي تتضمن انسحاب الكتائب من المدن وما حولها.. جيد أن يبدأ المجلس التعامل مع الهيئات الدولية بهذا الأسلوب. كنت أتمنى أن يصر المجلس على مطالب حياتية مهمة لشعبنا ستلقى فيما أظن تقبلاً في الخارج. يجب أن تفتح المدن المحاصرة أمام قوافل المساعدات الإنسانية القادمة من الخارج، ويجب أن يعيد نظام القذافي الاتصالات الهاتفية للمناطق المحررة. إن ما يجري من قطعٍ كامل للاتصالات الداخلية والدولية للشرق بأكمله ولمصراته يعدّ نوعا من العقوبات الجماعية غير المقبولة في عالمنا اليوم.

بثت الجزيرة هذا المساء شريطا ظهر فيه الدكتور أحمد (؟) ملقىً على الأرض ودمه قد سال بغزارة. يطلب منه أحد مرتزقة القذافي من الليبيين أن يقول ‘عاش الفاتح’.. يرد أحمد قائلا ‘الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله’، فيقتله نذل جبان بإطلاق النار عليه ويغادر وزمرته المكان مسرعين ليرموا به في سيارة نصف نقل، ويُسمع صوت أحدهم يقول “قتلناه… واحد من الدكاترة”. من أين أتى هؤلاء الأوباش؟ ومن أي جنس من المخلوقات ينحدرون؟ ما أفزعني حقيقةً هو ما قد يكون جرى لذوي الدكتور أحمد عند رؤيتهم لهذا الشريط. رفض الدكتور أحمد أن ينطق باسم هُبل، وقال الله أكبر. طوبى له. رحم الله شهيدنا أحمد، وألهم ذويه وكل الذين عرفوه الصبر الجميل. هل يستطيع إنسان يملك قطرة من حياء أو ذرة خوف من الله، بعد كل هذا الذي يجري، أن يستمر في خدمة هذا الرعديد وأبنائه… ولا بدّ أن أستدرك هنا. إن مثل هذه الأفعال الدنيئة والموغلة في الإجرام والانحطاط قد حدثت من قبل… لقد شاهدنا الشنق علناً على شاشات تلفزيون القذافي نفسه، وليس على شاشة الجزيرة، في شهر رمضان من سنة 1984.. . لماذا نندهش من سلوكه الآن؟  واستمر القذافي في الحكم واستمرّ الخدم في خدمته حتى يومنا هذا. وإن مع العسر يسرا. الفرج بإذن الله قريب، أرواح الشهداء لن تذهب هدراً. قد يكون خُدامه مرعوبين، فقد رأوا من ‘الغولة’ ما لم نره نحن.

هناك من كان له نظر ثاقب وعقل راجح فرفض الاقتراب رغم العروض المبكرة. وأترحم هنا على روح الدكتور شعيب المنصوري من بين كثيرين.

السبت 2 إبريل (45)

ثلاجات الفنادق

أعاد الثوار ترتيب صفوفهم في هذين اليومين، ودفعوا إلى الجبهة الأمامية بكتيبة من الجنود المحترفين بدلا من الشباب الذين لا يملكون خبرة ولا تدريبا، دفعهم حماسهم وغيرتهم وإيمانهم فاندفعوا من دون تقديرٍ حِرَفي للمواقف والعواقب، فكانت النتائج مؤسفة في بعض الأحيان. يوم أمس وقع حادث مروّع على الطريق إلى البريقة، فقد قصفت طائرات التحالف مجموعة من الشباب الثوار… بسبب إطلاق للنار في الهواء من الشباب أنفسهم ابتهاجا بتقدمهم أو من مندسٍّ طبقا لرواية أخرى. ودخل الجيش الوطني مدينة البريقة.

تقابلت مع قادم من الجبل هذا الصباح. الجبل مشتعل من يفرن إلى الزنتان، وتحركات كبيرة للكتائب، بحجم لم يره الراوي من قبل متجهة إلى الجبل أو رابضة في سفحه الجنوبي… أشار في حديثة إلى أن النظام قد نجح في إشعال بعض الفتن  بين الناس واستمالة البعض.

كانت هناك مصادمات استعمل فيها السلاح بباب العزيزية الليلة الماضية حسب أخبار القنوات. ذلك ما تأكد اليوم، فقد كانت هناك مصادمات مسلحة خارج الأسوار شوهدت عمليات إزالة آثار دمائها هذا الصباح.

الجزيرة الإنجليزية وحدها أشارت هذا المساء إلى أن الجيش الوطني قد تم مده بأسلحة عن طريق مصر، وأن أفرادا من القوات الخاصة المصرية والأمريكية يقومون بتدريب الليبيين. الجزيرة أظهرت أجهزة اتصالات وتحديد مواقع جديدة قد تم تركيبها بمركبات الثوار. هذه من نوع التحركات الإيجابية، لعلها تعجل بالنهاية.

من المرجح أن الأنباء عن انشقاق المزيد من المسئولين بعد السيد كوسه غير صحيحة. أين هم؟ وقد سمعت في الوقت نفسه أن اثنين من تلك الأسماء قد اتصلا ببرنامج شاكير على الهواء ينفيان الخبر. الإخلاص للصحبة لا يسمح بالتخلى عن الرفيق وقت الشدة.. هكذا! النيكاراجوي المعين ممثلا للقذافي في الأمم المتحدة تخلى عن ‘صاحبه’ حسب الأنباء هذه الليلة.. نيكاراجوي.

من يصدق أن جثامين قتلاه التي لم تعد تستوعبها ثلاجات المستشفيات يجرى تبريدها في ثلاجات الفنادق؛ الفندق الكبير أحدها؟ لن يفهم تصرفات الشياطين تماما غير شيطانٍ من أمثالهم. استعانته بالسحرة والمنجمين معروفة ولا يشكك فيها أحد. بعض عناوين مكتبته في استراحته بالبيضاء تؤيد ذلك تماماً، وتعطيه منحى يهودياً يتعلق بالكابالا والباطنية اليهودية. هل لذلك علاقة بتأثيره على أتباعه أو بعضٍ منهم، وحقيقة انقيادهم الأعمى له ومن دون أي مناقشة؟

مررت مروراً أردته خاطفاً بقناة القنفود. وجدت بها مسيرة ‘تلاحم’ في الزاوية.. نعم في الزاوية.. قيل إنها خرجت لتأييد القائد يوم أمس. ذهبوا إلى الزاوية التي قلما يخلو فيها منزل من فقد عزيز أو قريب، ليرقصوا ويتغنوا بأمجاد القائد. كان المشهد بائساً في توقيته ومكانه وشعاراته. أمضيت بضع دقائق أتفحص الوجوه وأحاول أن أفهم الذي يجري. التخلف الثقافي (وكذلك الذهني لدى الكثيرين) والسقوط الأخلاقي فاق كل تصوّر لما يمكن أن ينحدر إليه بشر. 

جيريمي باكستر على البي بي سي استضاف الروائي هشام مطر مع آخرين، وموضوعه كان السيد موسى كوسا. والد هشام الذي كان موضوع روايته “في بلد الرجال” التي صعدت إلى القائمة المختصرة من الروايات المرشحة لجائزة بوكر منذ سنتين أو ثلاثة. تحدث هشام بمرارة واضحة ومفهومة. لم يكن في مزاج أن يسامح. لقد اختُطف والده وعًذب ولا يزال غائبا إلى يومنا هذا. وقع السيد جاب الله مطر في محنته هذه وقت كان السيد كوسه رئيسا للأمن الخارجي، وتم استجوابه من قبله. هشام يريد أن يخضع كوسا لمحاكمة صارمة وعادلة. أتعاطف مع منظوره الشخصي وأشاركه فيه من زاوية أن الوطن بحاجة إلى ألا يدع الجرائم البشعة التي ارتكبت في عهد القذافي تمرّ من دون حساب. لا بدّ لأي عهد جديد أن يُري الناس أن العدالة همُّه الأول، وأن لا مجال لأن يخرج أحد عن إطار القانون.

في جزء آخر من البرنامج تناول باكستر ما يجري تداوله عن احتمال تسرب القاعدة إلى صفوف الثوار، وعرض تقريرا عن الموضوع من درنة، المدينة التي ادعى القذافي أن إمارة إسلامية قد أقيمت فيها، والتي هي أيضا ’المدينة التي قدمت عددا من المجاهدين للقتال في العراق أكبر من العدد الذي قدمته أي مدينة أخرى في العالم، رغم أن سكانها لا يتجاوزون الثمانين ألفاً.‘ وفي هذه الثورة المباركة كانت درنة في طليعة المدن المحررة… لماذا؟ لم يكن الجواب شافيا، فالبطالة والإهمال وبؤس الظروف المعيشية لن تكون وحدها السبب في فرادة هذه المدينة وعطائها المتنوع والمتجدّد. الموضوع أكبر من يمر به مراسلٌ في عجالة. ذهب بي الخيال بعيدا في مشاهد المصلين في مسجد الصحابة وحيث قبور شهداء الثورة جوار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تفرست وجه شيخ بين المصلين وكأنني أعرفه. هل كان يحلم بأن يعيش هذا اليوم؟ ووجوه الأطفال حاملين أعلام الاستقلال مقبلين بالأمل. درنة هي هي، رغم اختفاء السواقي وتغوّل الأسمنت والبوميشي في أزقتها. تبقى درنة هي هي رغم رحيل الكثير من ’جناناتها‘ وإقفال سوق خضرتها وإقحام رأسي الفرسين في نافورتها بالبياصه الحمرا. درنة تبقى درنة بأهلها، وستعود لها بإذن الله نضرتها وجمالها. لا أنكر وجود قدر من النوستالجيا إلى زمن ولّى ولن يعود. شباب الثورة سيعيدون صياغة مجتمعهم ورسم صورٍ جديدة لمدنهم وأريافهم. ما هدم في طرابلس سيعيدون بناءه أصالةً وجمالاً وليس تقليداً لدبي أو غيرها، وسيعيدون مجدها عروساً لبحرها. سينفض أهل بنغازي رداء الفقر والإهمال عن شوارع مدينتهم، ويعيدون حيويتها النابضة ثقافة وسياسة. وسيعيد أهل مصراته بناء مدينتهم لتحتل مكانها مركزا للتجارة والصناعة والريادة. وبعزيمة الشباب التي نشاهد في كل يوم على مدى هذه الأسابيع المجيدة، سيلحق شبابنا بعالم اليوم وستكون كل مدنهم أجمل وأبهى من أي عهد مضى.

الأحد 3 إبريل (46)

يريد التفاوض على شروط.. بقائه!

لا جديد في أخبار هذا الصباح. المعارك جارية في مصراته وجبل نفوسه والبريقة.

في نشرة الظهيرة من الجزيرة تحدث من بنغازي شاب من ’اتحاد شباب الثورة؟‘ اسمه أنس الفيتوري. كان لأنس حضور وحديث منعش للأمل في مستقبل ليبيا. لقد تفوق أنس على كثير من المتناوبين على الحديث على القنوات ممن هم أكبر سناً وتجربة.  

اختار القذافي اليونان، أرسل إليها أحد معاونيه للتفاوض.. للترغيب بصفقات شخصية وغير شخصية.. للتحاور.. لإيجاد مخرج للأسرة..؟ كل شيء وارد. الثابت الوحيد هو أنه لا يمل المراوغة ولا يجد غضاضة في مجانبة الحقيقة والإتيان بكل الحيل ليصل إلى ما يريد.. صفات المنافق الثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا عاهد أخلف، وإذا خاصم فجر…, ولا يزال يجد من يمثله ويتحدث باسمه.

التحالف خفف من ضرباته إلى حد كبير، وارتفعت في المقابل وتيرة الاتصالات والمبعوثين إلى لندن واليونان وربما إلى غيرهما. توجد مؤشرات لرغبة الغرب في التوصل إلى حلٍّ ما. الرجل، غائصاً في أوهامه حتى أذنيه، لا تزال تراوده  أحلام العودة إلى حكم ليبيا أو توريثها لأحد أبنائه. العقل يقول إنه من المستحيل أن يعود إلى الشرق بأي شكل كان. والعقل يقول إنه سيكون مرفوضاً بشكل مطلق، هو وأولاده، في مصراته والزاوية، أكبر تجمعين سكانيين في الغرب خارج طرابلس، وفي جبل نفوسه. والمشهد في طرابلس، في تقديري، لا يختلف عن ذلك في شيء. وسيف ورث عن أبيه غطرسته وأوهاماً يراها مسلّمات يؤسس عليها ما يريده…. ليست تلك في نظرهم أحلاماً أو أوهاماً…. وليس الغرب من الجانب الآخر، تاريخياً، محل ثقة عندما يتعلق الأمر بمصير أمتنا، وليس العقل دائما هو الفيصل. نسأل الله سلامة الوطن برحيل القذافي وأسرته والمحافظة على وحدة البلاد… فكل شيء في مهب الريح. استمرار اسم القذافي على صفحات تاريخ ليبيا بعد الآن؟ … يا لطيف. 

الإثنين 4 إبريل (47)

وبكيت مصراته

غادرت منزلي مبكراً هذا الصباح فقد قيل لي أن أفضل وقت للاصطفاف في انتظار التزود بالبنزين هو السابعة صباحاً. وبالفعل لم يستغرق انتظاري بالمحطة غير نصف ساعة. أستطيع الحركة الآن .. في أضيق الحدود دائماً للمحافظة على البنزين. عدت إلى المنزل لكي أتابع الأخبار. تقارير صحفية نقلتها العربية تفيد بأن القذافي الأب قد وضع تحت الحجْر بسبب وضعه النفسي والعقلي، وأن الأمور في طرابلس قد انتقلت عملياً إلى سيف. إذن، المبعوثون إلى أوروبا ينطقون باسم المتربص لوراثة أبيه… صورة أن ليبيا مزرعة والمقيمون فيها بهائم لا تزال راسخةً في تفكير العائلة الحاكمة وأعوانها.

وانتقلت إلى الجزيرة مباشر بتقريرها ومقابلاتها مع المصابين بالباخرة التركية القادمة من مصراته بعد أن رست في ميناء بنغازي. لا زلت مصدوما مما رأيت وسمعت. شباب وشيوخ وأطفال ونساء رُوّعوا في مصراته، وضربوا بالمدافع والصواريخ والدبابات. تعرضوا للقنص من أعلى المباني.. قُطع عنهم الماء والكهرباء.. حوصروا ومنع عنهم التموين والدواء.. الدبابات ضربت مخازن التموين., قطعوا عنهم الاتصالات بالعالم خارج مدينتهم.. شاهدت المبتورة ذراعه وقد فقد عينا وتشوّه وجهه ولم يتجاوز عمره الإثني عشر سنة .. ربما. رأيت الرجال يستغيثون بالعالم لينقذ أهلهم من آلة التقتيل المستمر لأسابيع. وكذلك كان الحال ربما في اجدابيا والزاوية.  ما هذه البهيمية؟ وكيف نحن صامتون؟ ما معنى أن يشتكي سكان طرابلس من الغلاء أو نقص الوقود؟ أشعر بالخجل.

المجلس الوطني شبه غائب عن هذه الأحداث الجسام. لم أره ينطلق للهجوم، وهو بالكاد في وضع ردّ الفعل على ما يجري. قد أكون مخطئاً، ولكن هذا هو الذي أراه. يجب ألا تختزل هذه الثورة الشعبية العارمة إلى مواجهة مسلحة بين اجدابيا وسرت… يجب أن يستمر زخم التحرك الشعبي وأن تتسع رقعته، وذلك يحتاج إلى إعلام وتعبئة ووجوه قائدة تحرض وتبعث الأمل في جماهيرها واليأس والرعب في قلوب مرتزقة النظام من أجانب وليبيين. كيف يمكن أن يترك الشرق بأكمله مقطوعة اتصالاته بالعالم خارجه؟ أين التواصل الإعلامي الواعي والمخطط؟ أبناء ليبيا خارجها هم الذين قاموا بالقسط الأكبر والأهم والأقوى حجة وبياناً.. جزاهم الله خيراً. بنغازي غنية بمثقفيها وكفاءاتها.. هل اكتفى الشرق بأن تحرر من قبضة القذافي وطغمته؟ تلك مقدمة للتقسيم وإن لم يريدوه.

وأخيرا جاء اعتراف أوروبي ثان بعد وقت غير قصير من اعتراف فرنسا… وزير خارجية إيطاليا يقول أن لا مكان للقذافي في ليبيا المستقبل، وأن عليه وأسرته مغادرة البلاد. إيطاليا ستزود المجلس بالأسلحة والخبراء أيضاً.  تلك تصريحات وأفعال تعطي ثقة في أن الغرب لن يستطيع التعايش مع القذافي في السلطة، فموقف إيطاليا هذا يأتي بالتنسيق مع حلفائها فيما أتوقع. وتبرز المصالح واضحة في خبر أن وفدا من شركة إيني الإيطالية للنفط موجود في بنعازي.

ولا يزال القذافي يجد من ‘العقلاء’ من يقبل أن يتحدث باسمه.. لعنة الليبيين ستتابع هؤلاء إلى قبورهم. المقترح الذي يحاول مبعوثوه تسويقه يقضي حسب الروايات الصحفية بأن يسلم الحكم لسيف أو الساعدي. لا أعتقد أنهم يمزحون. وشر البلية ما يضحك.

أذاع القنفود مشاهد للقائد ’ملتحماً‘ بالجماهير في باب العزيزية كما قال. ما رأيته في الجزء الذي تابعته كان سيارة ازدحم حولها حشد من جمهوره. السيارة تتحرك وزجاجها معتم والحشد متراص حولها. لم أر أحدا داخل السيارة. ربما أراد أولاده أن  يروّحوا عنه في كربته … وقد يكون ما بالسيارة شخص أو شيء آخر، أو لا شيء!

الكتائب أضرمت النيران في حقلي المسلة والسرير اليوم… دخل النظام مرحلة اليأس من إمكانية البقاء، أو من استعادته للشرق المحرر في أدنى تقدير. سيعمل على حرق الأخضر واليابس في هذه البلاد عندما يوقن أنه راحل.. سيعمل على ألا يرحل وحده.

التصريحات الرسمية من الجزائر حول وجود نشاط للقاعدة في الشرق الليبي تبين خسة النظام الجزائري في تعامله مع القضية الليبية. لتركيا موقفها السلبي جداً من الثورة الليبية، فالأنباء تتوالى عن عرقلتها لعمليات ضرب الكتائب من خلال عضويتها في الحلف الأطلسي وعن حصارها لميناء بنغازي. ويظهر الخبث والنوايا السيئة في تصريحات أحمد أوغلو وزير الخارجية ومنظر حزب العدالة والتنمية التركي بأن بلاده بإمكانها التحدث مع بنغازي وطرابلس كليهما… كأنه يريد أن يقول إن ما يجري هو نزاع بين شرق البلاد وغربها. من قبله قال أردوغان إنه خلاف بين أشقاء… لا يا سادة .. هو شعبٌ بشرقه وغربه يصارع حاكما مستبدا يأبى إلا أن يستمر، هو وأبناؤه من بعده، في قهر شعبه…. عيب يا طيّب.

الثلاثاء 5 إبريل (48)

يتوسل ضاربيه

وظهر سيف على البي بي سي ليقول إن كوسا رجل مسن ومريض وقد ذهب إلى بريطانيا للعلاج. وقال إنه تحت ضغوط الحكومة البريطانية مقابل منحه الحصانة قد يدلي بأشياء مضحكة! من الصعب أن يجد الليبيون شيئاً مضحكاً أو مسلياً فيما يمكن أن يكشف عنه موسى كوسا من جرائم ارتكبها نظام القذافي وأبنائه في حق الليبيين.

إبراهيم موسى القذافي يعرض التفاوض مع الغرب من أجل إيجاد حل سياسي لـ ’الأزمة‘ الليبية. النظام يتوسل الغرب أن يجد له مخرجاً يُبقي القذافي أسرة في الحكم، وهو مستعد لإعطاء كل شيء في المقابل. تفاوضه يكون مع الغرب الذي يحتقره ويحاصره ويسعى لمحاكمته ويقصف قواته. تلك هي اللغة التي يفهمها القذافي. هو غير معني بالشعب الليبي، فيما عدا تطويعه للهتاف له وتمجيده. تشهد على ذلك تصريحات أولاده ورموزه إلى وسائل إعلام الغرب ومبعوثيه حاملين مقترحاته أيضا إلى الغرب. تستمع إلى نشرات الأخبار الموجهة إلى الليبيين بالعربية فلا تجد فيها شيئا من ذلك؛ ما تجده هو أخبار مسيرات الالتحام بالقائد وبرقيات التأييد له.

طال الزمن على هذا الصراع المرير لاقتلاع الطاغية وأولاده من الحكم. ويطول مع الصراع عذاب القذافي أيضا حين يرى شعبه ثائرا ضده ويرى كيف تحول من ’قائد أممي‘ إلى مسخرة أممية يبتعد العالم كله عن شبهة العلاقة بها بالرغم مما لا يزال عنده من أموال الليبيين. هناك استثناءات بطبيعة الحال؛ ظهر أحدها في صحافة العالم متمثلا في محمد دحلان وسيطا لتوريد السلاح من إسرائيل إلى القذافي عبر اليونان (والجزائر؟).. الخونة يشدون أزر بعضهم بعضا وقت الشدة. ذلك طبيعي.

ظهر عبد الفتاح يونس ليندّد بتلكؤ حلف الأطلسي في حماية المدنيين. كان ذلك عرضا موفقا ومناسباً، فهناك شيء ما يجري في الخفاء. الدرس الذي يجب ألا يغيب عنا هو أن الحل لا يمكن ان يكون بيد غير الليبيين رغم تقاطع المصالح مع آخرين في أوقات معينة. موقف تركيا مخز، وجميلا فعل ثوار بنغازي حين رفضوا استقبال باخرة قادمة بالمساعدات منها. والموقف المخزي حقيقة هو موقف الدول العربية وفي مقدمتها مصر.. الجارة الكبرى. قطر استثناء مميز بطبيعة الحال.

الأجواء المخيمة على طرابلس أصبحت مخيفة جدا، وبازدياد… المسلحون يجوبون الشوارع.. نقاط الأمن.. الأنباء عن تحركات الكتائب في محيط المدينة.. الأنباء القادمة من مصراته والجبل الغربي. مسلحون يوقفون سيارة ويطلبون من سائقها أن يفتح الراديو دون أن يغير المحطة التي كان يستمع إليها… ينهالون عليه بالشتائم شاهرين سلاحهم عندما يجدون أنها إذاعة مصراته… شجار في أحد المصارف بسبب عدم توفر السيولة اللازمة لصرف مرتبات الزبائن ينقلب إلى اتهام مدير الفرع بأنه من ‘الجرذان’ فيتدخل رجال الأمن، ويترك صاحبي المصرف من دون أن يعرف النهاية.

بضعة سيارات من الكتائب تداهم عددا من المنازل في إحدى المناطق السكنية.. كسروا الأبواب وفتشوا وروعوا النساء والأطفال. السبب؟ كان قد وصلهم بلاغ بأن أحد أفراد الأسرة لديه صورة علم الاستقلال مخزّنة على هاتفه النقال!

يداهمون المنازل والمكاتب الخاصة ليستولوا منها على الحواسيب الشخصية.

سيارات من الكتائب جابت شوارع المنطقتي بعد المغرب… السيارات معروفة بعلامة اللونين الأصفر والأزرق… بعضها من دون لوحة أرقام.

تنتقل إلى تلفزيون القنفود فتجد الرقص والطرب من رجال ونساء توفر لهم ’ما لذّ وطاب‘ من مشروب ومشموم. العالم هناك عالم آخر لا يمت إلى الواقع الذي تعيشه البلاد بصلة. والقائد وأولاده يقيمون هناك.. ربما، بين مدنيين، لعل وجودهم معهم يمنع القصف أو النهاية المحتومة.

الأربعاء 6 إبريل (49)

باجبو مثالاً

الأوضاع الميدانية شرقا وغربا تراوح مكانها اليوم.

هو من الشرق مقيم في طرابلس منذ مدة. مرّ وزوجته ليقول إنه وأسرته سيغادرون طرابلس إلى تونس. سيترك محتويات منزله بشقته بعد أن ركّب لها باباً من الحديد. هناك من المتنفذين من نصحه وآخرين بأن يتركوا طرابلس فالوضع فيها لن يكون آمنا لـ ’الشراقه‘ والحدود مع تونس عرضة للإغلاق .. سمعت بآخرين من الشرق يعتزمون الرحيل من المدينة. معظم جيران صاحبي هذا من أجانب ومن أهل الشرق غادروا المدينة.

لماذا يفضل البعض لو أن الحالة الراهنة قبل 17 فبراير قد استمرت من دون ’تعكير لأمن البلاد’؟ ليس السبب في تقديري حباً للقذافي ورغبة في استمرار حكمه وأولاده لأنه حكم رشيد. هؤلاء خليط من المستفيدين والمغفلين فيما أتصور. فئة المستفيدين ـ ومنهم مغفلون ـ يعرفون أنهم سيفقدون دعامات ارتزاقهم، والبعض من هذه الفئة ربما يخافون الحساب. أما فئة المغفلين فهم يفضلون الدعة والسكون وإن مع الذلة والظلم وضيق العيش. والفئتان من هؤلاء وأولئك لا يعطون وزنا كبيرا لقيم الكرامة والعدل والمساواة وسيادة القانون، وغيرها من قيم سامية لها ثمن يتعاظم عندما يكون المراد هو افتكاك الحرية من نظام قمعي دموي مجنون كالذي نرزح تحته منذ عقود. المستفيدون والمغفلون، في حقيقة الأمر، يحملون على الثوار أنهم أفسدوا ما كانوا عليه من نعيم الارتزاق أو راحة اللامبالاة وإن تحت الذل والقهر.

طوابير البنزين خفت منذ يومين.

سمعنا أصوات قصف لمواقع في محيط طرابلس في حدود الساعة التاسعة.. قليلا ما سمعنا أصوات قصف جوي في الأيام القليلة الماضية.

استمرار بطش القذافي محير جدا. لا أتصور أي شيء يمكن أن يحققه غير خروجه ‘الآمن’ مع أفراد عائلته من ليبيا، الأمر الذي يمكن أن يحصل عليه من دون مزيد من إراقة الدماء، أم إنه يطمع أن يستمر هو أو أحد أبنائه في الحكم؟ سيكون ذلك من باب الجنون والانفصام التام عن الواقع ليس من طرفه هو فقط بل أيضاً من طرف أسرته والأعوان المحيطين به. أليس في دائرته رجل رشيد؟ أم أن الراشدين قد انفضوا من حوله منذ زمن؟ من المستحيل أن يكون راشد واحد قد ظل في خدمته بعد كل ما حدث.

منذ يومين هاجمت قوات الأمم المتحدة بدعم أساسي من فرنسا مقر إقامة باجبو في أبيدجان ساحل العاج. حدث ذلك بموجب أحكام قرار من مجلس الأمن تقرر حماية المدنيين بكافة الوسائل، على منوال القرار 1973 الخاص بليبيا. القذافي لا يختلف عن باجبو وقد تكون في انتظاره غارة مماثلة لن يختفي من حياة الليبيين بغيرها.

غابت عني أخبار العالم طيلة الأسابيع الماضية. استغرقَنا المشهد الليبي بشكل كامل بحيث لم يترك مجالا لمتابعة شيء آخر. .. مستجدات الثورة التونسية والثورة المصرية وأحداث ثورة اليمن وإخماد ثورة البحرين وانتفاضة سوريا وزلزال وسونامي اليابان وما أديا إليه… وفلسطين بعد أوراق الجزيرة الكاشفة للمستور. لا شك أن عباس كان سعيدا إلى حد ما بنكبات بن على ومبارك والقذافي وصالح… فقد غطت على المستور المكشوف. مشاكل وأحداث القطر الضيقة تدفع نحو عزل المواطن عن كل شأن آخر خارجه. وفي المستوى الأدنى من التحليل سيصح القول بأن انشغال المواطن بمشاكله الحياتية اليومية من أمن ولقمة عيش وكساء وسكن وعلاج ستعزله عن مشاكل وطنه من غياب العدل وحرية التعبير والفساد والاستغلال واستبداد الحاكم وتسلط بطانته. أذكر مسؤولا قال لي ذات مرة أن النظام قائم على دعامتين من الفساد وإشغال المواطن باللهث وراء احتياجاته الحياتية.

الخميس 7 إبريل (50)

يوم الشنق

ويعود السابع من إبريل حاملا معه ذكريات سنوات طويلة كنا نرتعد خوفاً من مجهولها. تختار اللجان عددا من الطلبة كل عام ليتم شنقهم في ساحات الجامعات أمام الطلبة وأعضاء هيئات التدريس. أذكر سيدة ألمانية مقيمة في طرابلس تتكلم العربية بطلاقة ولها اهتمامات بالشعر العربي تحكي بفزع كيف أنها كانت جالسة أمام إحدى الكليات  وقد شاهدت حشدا من الطلبة عن بعد دون أن تكترث بما كان يجري. أُبلغت بعد ذلك أنهم كانوا يشنقون أحد الطلبة. السيدة لم تكن تتصور شيئاً مثل ذلك في جامعة. ويتزامن الشنق العلني في الجامعات مع احتفالات تمجد ذلك اليوم وتلك الأفعال. ما أشبه تلك الأيام بهذه الأسابيع الطوال التي يتزامن فيها القتل والتدمير في مدن ليبيا شرقا وغرباً مع الغناء والرقص والاحتفالات بـ ‘الانتصارات’. ماذا يعني الانتصار في هذه الحالة؟ أظنه يعني قتل الليبيين وإذلالهم وقهرهم بكل الوسائل بحبال المشانق في الجامعات وبالمدافع والدبابات في بنغازي والزاوية ومصراته والجبل الغربي وأينما رفع ليبي رأسه، وبكاتمات الصوت في شوارع أوروبا.. وبالتعذيب والترهيب في الزنزانات وعلى شاشات التلفزيون وفي الأقبية حيث لا يخطر على بال أحد. ولا زلنا نجد لهذا النظام مناصرين ومبررين من مستفيدين ومغفلين حتى بعد انقشاع آخر طبقة ساترة لطبيعته وحقيقته.

ضربت قوات الأطلسي قوات الثوار على مشارف البريقة بالصواريخ. قتل عدد من الثوار ودمرت آليات من بينها ثلات دبابات (يحلفوا براسهم) وسيارة إسعاف.. خطئاً يقولون.. قد يكون وقد لا يكون. وانسحب الثوار مسرعين للدفاع عن اجدابيا مرة أخرى. إن شيئا ما يجري تحضيره في الخفاء، والصفقات يجري التفاوض بشأنها في عواصم العالم. أما الليبيون فليس مصيرهم أهم من مصالح الغرب والشرق ـ تركيا والجزائر أبرز أمثلتها ـ المتعددة والمتضاربة أو من الاعتبارات السياسية الداخلية في كل من هذه البلدان. يجري ابتزاز للمجلس، أي ابتزاز الليبيين وهم في حال ضعف شديد. الأمريكيون لا يكفيهم أن يطمئنوا لعدم وجود هام للقاعدة والتطرف في صفوف الثوار، فهم يريدون التزاما بمواصلة الانخراط فيما يسمى بحربهم على الإرهاب بنفس المساحة والحماس اللذين طبعا تعاون القذافي في الحقبة التالية لتسليمه برنامج أسلحته. ولا شك أن هناك شروطا أخرى في مجالات ما يسمى بالسلام في الشرق الأوسط والنفط والاقتصاد وغيرها… كم ليبياً سيموت في هذه الأثناء؟ لا يهم كثيراً.

وسمعنا الطائرات فوق طرابلس ودوي ضربات لم نعرف أين كانت.

الغرب لا يرضى أن يجلس على الكراسي غيرُ ’الأصدقاء‘. العودة إلى أين وصلت ثورتا تونس ومصر، قد تلقي ضوءاً على كيفية تعامل الغرب مع ثورة ليبيا وغيرها من ثورات العرب المتتالية. الغرب يفضل ‘الأصدقاء’ المجرَّبين بطبيعة الحال، ولو كان للغرب الخيار ما كان زين العابدين ومبارك قد رحلا. أفضل الحلول بالنسبة له في ظروف هذه الثورات هو التضحية برأس النظام والإبقاء على ما يمكن الإبقاء عليه من النظام نفسه. جيء بالمبزع رئيسا للدولة في تونس وبقي الغنوشي رئيسا للحكومة وحكومته بعد رحيل زين العابدين حتى بدأت تلك الحكومة تتآكل تحت ضغط الشارع والاتحاد التونسي للشغل على وجه الخصوص، وفي النهاية سقطت مع رأسها. عندها استعيد قايد السبسي من اعتكافه الطويل. وفي مصر أتى مجلس عسكري برئاسة طنطاوي وعضوية جنرلات دانوا بالولاء لقائدهم الأعلى مبارك حتى اضطروا لتنحيته تحت ضغط الشارع وبمباركة من الوصي الأعلى على النظام، وهو الذي دربهم وسلحهم. ولا تزال الثورتان لم تحققا أهدافهما بإسقاط النظام كلية. القوى الغربية الفاعلة تفضل الوجوه التي تعرفها إلى أن تطمئن إلى وجوه جديدة لا تزال في طور الإعداد والاختبار والتطويع. هل الغرب في طور إضعاف الثورة الليبية إلى الدرجة التي تقبل فيها بنصف انتصار؟

وتكلم أردوغان ليرد على اتهامات الليبيين له بعرقلة حمايتهم من كتائب القذافي وبأنه يقدم مصالحه المادية على انعتاق الليبيين من قبضة الاستبداد. كان كلاما رأى فيه البعض تطورا في الموقف التركي، ولكنه يظل كلاما وحسب. أعلن أردوغان خطوطا عريضة للحل لم تشمل رحيل القذافي وأسرته… الذي هو الشرط والأساس لأي حل.

الجمعة 8 إبريل (51)

وراء الأقنعة

عندما يتخلى قوي بلا أخلاق عن قناع الزيف يظهر على الشكل الذي شاهدنا فيه نائب قائد حملة حلف الأطلسي في أجواء ليبيا، الأدميرال هاردينج. خرج علينا هذا الصباح رافضا بكل وقاحة وصلف أن يعتذر عما قال إنه كان خطئاً من قواته عندما قصفت الثوار على طريق البريقه مما أدى إلى استشهاد عدد منهم. نتذكر أنهم اعتذروا عندما قصفوا سفارة الصين في الصرب سنة 1992. ولكنها الصين في تلك الحالة، وما نحن غير مجموعة من البشر الضعفاء نتوسل العالم أن يأتي ليكف عنا يد القتل الجماعي، وصدّق البعض منا أنهم أتوا فعلا من باب القيم والدوافع الإنسانية لا غير. كان هناك مدخل إنساني بلا شك، ومعه ما معه… ويبقى السؤال: هل كان خطئاً؟

سمعت من القادمين من الجبل الغربي عن الخيام والآليات، بما فيها الدبابات، بأعداد هائلة عند سفح الجبل الغربي، تغذي الحملات على مدن الجبل ومتربصة شراً بطرابلس متى تحركت. وليس في المنطقة كلها تجمعات سكانية أو نشاطات مدنية. سيسهل على سكان الجبل إذا ما تم تحييد هذه المعدات والذخائر أن ينتزعوا حريتهم نهائيا من كتيبة سحبان المتمركزة في غريان بشكل أساسي، وسيتيسر التواصل بين الجبل من ناحية وطرابلس والزاوية من ناحية أخرى. لماذا لا تُقصف؟ سؤال من بين أسئلة كثيرة محيرة.

لقد خسر الغرب كثيرا بخروج سيف بخطابه في بداية الأحداث وما ظهر علنا من دوره في التحريض وقيادة العمليات الدامية وتدمير المدن وتهجير السكان… في الجرائم الجارية ضد الليبيين على يد الكتائب. لقد خسر الغرب شخصا قد أعده إعدادا ممتازا لاستلام الحكم في ليبيا من أبيه. مصالحهم ستكون في أيد أمينة، وستستمر ليبيا تحت قيادته في لعب الأدوار الخبيثة والتخريبية في المنطقة العربية بما يخدم تلك المصالح بما فيها مصالح إسرائيل. وخلقت له شركات العلاقات الغربية صورة لامعة في الغرب وصورة مقبولة إلى حد كبير داخل ليبيا على أساس أنه سيوفر المخرج الوحيد المتاح من قبضة أبيه. ولم يكن لديهم  ‘لاعب احتياط’. هل يحاول الأتراك الآن تسويق سيف لليبيين مرة أخرى؟ يجب أن يعرف الأتراك ومن وراءهم أن سيف قد حرق أوراقه وأن وقته قد فات. وأننا كليبيين نحمد الله أن قامت ثورة 17 فبراير لتُسقط القناع عن وجهٍ كريه.. ولكنهم سيحاولون إن كان ذلك طريقهم الوحيد لحماية مصالحهم.

ليس صحيحا أن الوقت في صالح النظام، فهذا ما أسمعه يتردد من كثيرين في وسائل الإعلام. في المناطق التي يسيطر عليها القذافي ظروف ومتغيرات تجعل المرء يتساءل كم من الوقت سيستمر في التظاهر بأن كل شيء على ما يرام مقيماً الحفلات في باب العزيزية كل ليلة.. وإلى متى سيطول احتمال الناس. هناك نقص حاد في السيولة النقدية مما اضطر السلطات إلى وضع حد أعلى للمبالغ المسموح بسحبها من المصارف في كل شهر. أسعار المواد الغذائية في تصاعد مستمر. هناك نقص في البنزين، ومن قبلها في غاز الطهي، وظهرت للبنزين سوق سوداء. قطعت الاتصالات والسفر من وإلى الشرق وإلى مصراته. الزاوية محاصرة. مدن الجبل الغربي واقعة تحت حصار وقصف يومي، والسفر بينها وبين طرابلس يتم بمشقة كبيرة عبر نقاط التفتيش العديدة. السفر إلى الخارج يتم بصعوبة بالغة عبر منفذ راس اجدير فقط. سفر الأجانب أدى إلى خلخلة كبرى في النشاطات الاقتصادية. الشركات الأجنبية غادرت البلاد.  قطاع النفط متوقف. قطاع البناء متوقف. مصانع كثيرة متوقفة. قطاع الخدمات أصيب بضرر شديد، فالفنادق والمطاعم والمحلات التجارية وغيرها تعتمد اعتمادا كبيرا على العمالة الأجنبية وعلى الزبائن الأجانب. المطار مغلق والإنترنت مقطوعة. الأسماك فقط سعيدة بما يجري، فالصيد البحري هو أيضا متوقف. كل ذلك أدى إلى انقطاع مصادر الرزق عن نسبة كبيرة جدا من الناس. سيأتي وقت قريب جدا يحدث فيه انفجار من نوع ما. علينا الصبر والثبات، وسيسقط النظام في وقت أظنه غيرَ بعيد.

سمعت من إذاعة مصراته وقناة ليبيا الحرة عن عناصر مغرر بهم ضمن كتائب القذافي. وأعرف ذلك من واقع جيران يحكون عن ذهاب ابن فلان إلى اجدابيا مثلا … لتحريرها.. نعم لتحريرها. الكثير من هؤلاء واقعون تحت تأثير غسيل أدمغة يجعلهم يعتقدون أنهم ذاهبون لتحرير أجزاء من الوطن من الإنجليز والأمريكان والقاعدة (خلطة عجيبة)، هذا بالإضافة إلى الوعود بالمال والسيارة والمنزل.

السبت 9 إبريل (52)

اجدابيا.. مرة أخرى

بالأمس كنا نتطلع، وإن بغير تفاؤل كبير، إلى أخبار دخول البريقة، أما اليوم فقد أتت الأخبار بدخول الكتائب مدينة اجدابيا. أيام عصيبة تتناوب مع أخرى من التفاؤل والأمل. لست متشائما حقيقةً، ولكن الثمن الذي ندفعه من الدماء الزكية في ارتفاع مستمر.

واضح أن الرجل وأولاده لن يسلموا هذا الكنز الذي اسمه ليبيا تحت أي ظرف وأي شروط. إن ليبيا ملكهم والليبيون عبيدهم، ولن يرضيهم شيء أقل من ذلك. ليبيا بالنسبة لهم كنز من حيث مواردها الطبيعية الضخمة، وهي كذلك من حيث ممارستهم التسلط والغطرسة تعويضاً، ربما، عن أصل أبعد ما يكون عن علية القوم تاريخاً أو علماً أو مكانة اجتماعية.

مررت اليوم بمحطة حافلات النقل العام الرئيسية في منطقة الظهرة. غطاها سواد دخان نيرانٍ أُشعلت بها ليلة الخميس الماضية، ظهرت بداخلها حافلتان محترقتان.

ظهر القذافي في التلفزيون الليبي في زيارة قام بها إلى مدرسة ابتدائية في زناته. لم ينطق بكلمة. بدأ الظهور منذ بداية الثورة عالي النبرة مهدداً الليبيين متوعداً إياهم، مستخدما في خطاباته مفردات الشتم والبذاءة. سمعناه بعد ذلك يتكلم وقد اختفت صورته. واليوم شاهدنا صورته من دون أن نسمع صوته. ربما نسمع في المرة القادمة أن صوته وصورته، كليهما، قد انقطعا.

سعدت اليوم بالظهور بالجزيرة لأول مرة اليوم لشاب يدعى نزار كعوان تم تقديمه كعضو في ائتلاف ثورة 17 فبراير بمدينة طرابلس. يجب أن يتأكد حضور طرابلس بشكل واضح وفاعل في صلب الثورة. بدأنا نسمع أخبارا عن أعمال يقوم بها شباب طرابلس ليلا، منها هجومات على نقاط تفتيش وانتزاع أسلحة منها، والكتابة على الجدران ورفع علم الاستقلال.. شوهد أكثر من مرة على مركز شرطة سوق الجمعة. طرابلس محاصرة، الآلاف من شبابها رهن السجون، والخوف مخيم على ساكنيها جراء الحضور المسلح للكتائب ولشباب مدنيين أعطوا السلاح وتم شراء ولائهم بالمال والسيارات والوعود بالمنازل وغيرها من المنافع. القناصة على الأسطح، والمسلحون تمّ زرعهم في مقرات داخل الأحياء السكنية، مثل الموقع المعروف بمطعم الآثار بحي الأندلس. المسلحون لا يقبلون انتظار دور في محطة بنزين أو وقوفا عند إشارة مرور حمراء، ويشهرون سلاحهم متى شاؤوا أو شاءت ’السكرة‘. ولا زال أقصر الطرق وأقلها تكلفة هو أن يأتي الانفجار من داخل الأسرة نفسها ودائرة أعوانها وخُدّامها من مغفلين ومنتفعين أو المرعوبين لا فرق.

أحد المشاركين ـ أمريكي ـ في برنامج حواري بقناة الحرة هذا المساء رأى أن الولايات المتحدة لا تعرف ما يكفي عن المجلس الانتقالي وعن نوع الحكم الذي ينوي أن يقيمه بعد القذافي لكي تتخذ موقفا بشأن الاعتراف به. المجلس أصدر ورقة تتضمن رؤيته لليبيا ما بعد القذافي قدمها إلى الحكومات الأجنبية طالبا الاعتراف به في ضوئها، وسمعنا أنها لقيت قبولا حسنا عند البعض من تلك الحكومات. أليس الأهم من ذلك أن نتعرف نحن الليبيين على تلك الرؤية؟ ما هي أدوات الانتقال من جماهيرية القذافي إلى ليبيا الحرة الجديدة وآليات ذلك الانتقال وبرنامجه الزمني؟ كيف سيقوم الجسم الجديد بتسيير مؤسسات الدولة الإدارية والعسكرية والأمنية في ظل الولاءات الحالية، القائمة على القبلية والفساد والنفعية من ناحية، وعلى القمع والإرهاب وغياب القانون من ناحية أخرى؟ كيف سيتعامل مع رجال النظام؟ نحن أوْلى بأن نعرف. وليس كافيا بكل تأكيد أن يجري العمل وتقدّم قوافل الشهداء من أجل إسقاط النظام وحسب. ماذا بعده؟ المطلب الأول طبيعته سلبية. الثاني مطلب إيجابي إذا ما تضمن رؤية وبرنامجاً واضحين وآليات مناسبة للتنفيذ. ولا يكفي أن تكون هناك رؤية وبرنامج وآليات… يجب أن يعرف الليبيون.    

الأحد 10 إبريل (53)

الصراع ينتقل إلى موائد غير الليبيين

ثوار ليبيا ومن ورائهم الشعب الليبي بشرقه وغربه، إذا ما استثنينا خلّص النظام من مغفلين ومنتفعين ومرعوبين، هم الآن تحت مطرقة ‘وسطاء الخير’ وسندان معارك غير متكافئة. المجلس الوطني يجري تطويعه لقبول صفقة ما تصل بالبعض منهم الوقاحة إلى حد الضغط لقبول استمرار القذافي أو أحد أولاده الملطخة أياديهم جميعا بدماء آلاف الليبيين قتلوهم في أسابيع معدودة. ما يجري في الميدان من تمكين للكتائب من أن تتقدم قد يكون جزءا من مخطط رأس الحربة فيه أفارقة امتلأت بطونهم وخزائنهم من أموال الليبيين وأتراك يسعون إلى المحافظة على عقود النهب المباشر التي أبرموها مع القذافي (مؤشر البورصة التركية انخفض 11% خلال الثلاثة أسابيع الأولى من ثورة فبراير!)، والغرب حساباته مركبة وأبعد مدى، أما العرب فلكلٍّ منهم شأن يغنيه.. أنظمة مهزومة فارّة من جماهيرها لا يدري أي منها كيف ستكون خاتمته المحتومة. اليوم يصل الأفارقة الكرام، ويوم الثلاثاء يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بممثلين عن المجلس الوطني، ويوم الأربعاء ينعقد اجتماع مجموعة الاتصال في الدوحة، ويوم الخميس اجتماع للجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والاتحاد الأوروبي يرأسه أمين عام الأمم المتحدة.  هل سيتم التوافق على خطة ما لمستقبل ليبيا في هذا الاجتماع الأخير.

تغير أداء الحلف فيما يبدو، فقد قام بضربات قوية لقوات الكتائب في اجدابيا ومصراته… تدمير 25 دبابة كما يقولون إضافةً إلى 17 دبابة يوم أمس. تغير موازين القوى في اجدابيا، وبعد معارك ضارية كما توصف تمت استعادة المدينة بالكامل.. أخيراً. لا أظن القذافي سيحاول احتلال اجدابيا مرة أخرى. الجبل الغربي مستمر في بسالته وصموده.

الأفارقة اجتمعوا بالقذافي يتوسطون لإيجاد حل بين الطرفين.. أي طرفين؟ هي ثورة شعب يريد خلع حاكمه، كيف تجوز الوساطة؟ ليس هناك حل وسط بين أن يبقى أو يرحل. ليس هناك نصف رحيل. القذافي يقول علنا أنه ليس رئيسا ولا حاكما تحت أي مسمى. الأفارقة يتفاوضون معه من غير أن تكون له ولا لأيٍّ من أولاده أي صفة رسمية. هل يتفاوضون مع صاحب المزرعة؟ لنتركه يحاول كسب الوقت. لن يكون الوقت في صالحه. غليان طرابلس في تصاعد واللحظة الحرجة آتية.

الإثنين 11 إبريل (54)

بالكاناتيرا

وصل وفد الاتحاد الإفريقي إلى بنغازي بعد أن ’حصل على موافقة القذافي‘ على مبادرة الاتحاد يوم أمس. قوبل الوفد برفض شعبي في الشارع ورفض رسمي من المجلس. الرفض الذي أعلنه السيد عبد الجليل في مؤتمر صحفي استند إلى أن المبادرة تعود إلى 10 مارس حين تم طرحها أول مرة.. تجاوزها الزمن، وإلى أنها لا تتضمن رحيل القذافي وأولاده. كان أداء السيد عبد الجليل جيدا.. واثقا ويوحي بالثقة.

ملحمة مصراته مستمرة.. رمت الكتائب بحممها اليوم على مصنع الحديد والصلب.

أنباء تدور في المدينة مفادها أن الشباب يقومون بعمليات ليلية ضد نقاط الأمن. شوهدت كتابات مضادة للنظام بشارع بن عاشور. لم أشاهدها، ولكن يروى أن الشباب يطلقون بالونات مرسوم عليها علم الاستقلال.

القوات الخاصة الفرنسية ألقت القبض على جبابجو رئيس ساحل العاج… الرجل لا يريد أن يرحل. ظهر على شاشات التلفزيون في كاناتيرا. الكاناتيرا واجد على أمثاله.

الإنترنت مقطوعة منذ حوالي شهر ونصف الآن. الإنترنت تعني العمل أو التوقف عنه فقد أصبحت أداة لا يستغني عنها أي نشاط اقتصادي. والإنترنت وسيلة اتصال وثقافة وتعليم وإعلام وترفيه وتواصل وقناةٌ لتقديم الخدمات الحكومية. هكذا تقرر أن تُغلق.. بكل سهولة. ولا أتوقع عودتها قبل الرحيل. في الأوقات العادية كانت مثل هذه الأمور تخضع لمزاج القائد واحتياجاته. عندما تصدر أوامر، شفهية طبعاً، على سبيل المثال، بعدم التحويل وفتح الاعتمادات المصرفية لدولة ما أو قطع الاتصالات معها، كان الأمر يستمر إلى أن يتذكر هو أو يحتاج، لأن أحداً لا يجرؤ على السؤال حتى بعد زوال السبب.

عالمنا العربي لم يعرف كيف يتعامل مع أدوات العصر بعد، بل إنه لا يعرف كيف يتصرف إزاءها. عندما بدأ تسويق الحواسيب أول مرة في ليبيا كان على المشتري أن يحصل على ‘موافقة أمنية’. الأنظمة تخاف الجديد وتتخذ منه موقفا عدائيا تلقائيا، إلى أن يجتاح الجديد كل ممانعة أمامه ويفرض نفسه. حصل الشيء نفسه مع استقبال القنوات الفضائية، حتى أنه جرت محاولة لجمع أطباقها من فوق الأسطح.. بيت بيت، دار دار، زنقة زنقه! ولم تنجح المحاولة. الكهرباء والراديو والهاتف والطباعة كانت أسعد حظاً، فقد دخلت البلاد أيام الطليان. العامل المشترك في الحرب على هذه المنتجات هو حجب الحقيقة ومنع الاتصال بين الناس ما يعرقل تكوّن رأي عام متنور وتوجهاتٍ جمعيةٍ إزاء قضايا وطنية، ونشوء الجمعيات والتنظيمات. وهنا تكمن مشكلة الأنظمة الحاكمة في منطقتنا، فهي تخاف ظهور الحقيقة ولا تستطيع التعايش مع جماعات واعية قادرة على الالتفاف حول فكرة أو الانضمام في تنظيم يروّج لقيمةٍ أو مدرسة فنية أو علمية أو لنشاط اجتماعي أو يناضل بوسائل مفتوحة وبالحجة والشرح في سبيل قضية اجتماعية أو طنية أو قومية. باختصار، مشكلة النظام هي مع الحقيقة، وعندما تنكشف الحقيقة نراه يهاجم وسائل نشرها.. ‘العدو’ الذي أثار الشعوب العربية في عصرنا هذا من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى اليمن وسوريا هو الفضائيات والإنترنت. من دونهما كان حجب الحقيقة وترويج الأكاذيب أيسر. كان قذافي ليبيا سعيدا مطمئنا في السبعينيات والثمانينيات.. لا وجود لشيء اسمه الإنترنت ولا وجود لغير قناته التلفزيونية ـ مع استثاءات غير مؤثرة في فصل الصيف ـ يبث عن طريقها كل ما يشاء من أكاذيب وترهات ومشاهد الشنق والغوغاء يرعبون المواطنين ويعدونهم بالويل والثبور إذا لم ينضبطوا في صفوف الطاعة. واستمر تأثير ذلك الزمن الرديء إلى يومنا هذا، فقد ساهم بدرجة كبيرة في تشكيل علاقة المواطن بحاكمه وكاتم أنفاسه، وفي تسطيح الفكر وخنق كل صوت حر. القائد يسعى إلى تشكيل شعب بأكمله على صورته؛ أليس إلهاً؟ يُلغى الجميع فكراً وإرادةً وأحلاماً. القذافي لا يصدق ما يجري اليوم.. إنه في حالة إنكار، وستستمر حالته هذه إلى أن يلقى نهايته في كاناتيرا أو من دونها. الحقيقة عدوه منذ اليوم الأول. ولكن الشمس تبزغ من جديد وإن ظن البعض بأنها لن تشرق أبداً…. ومرحبا بالشمس.

الثلاثاء 12 إبريل (55)

تقسيم؟

وتكلم أخيراً السيد موسى كوسا. حذر في تصريح للبي بي سي من التقسيم ومن تحول ليبيا إلى صومال آخر مطالباً بالحوار!. ليس في هذا التصريح رائحة محاولةٍ للتكفير أو التفسير أو التبرير. أخبار المساء نقلت أنه سيذهب إلى الدوحة حيث اجتماع مجموعة الاتصال يوم غد؟! هل انشقَّ عن النظام؟ الأيام وحدها ستكشف الحقيقة.

تصريحات من وزيري بريطانيا وفرنسا تدفع باتجاه تصعيد العمليات ضد قوات القذافي.

شاهدت بضع دقائق من مقابلة على القنفود مع السيد صالح إبراهيم. قال إنهم يريدون أن تُترك ‘العصابات’ تسيطر على حقول النفط ومنابع النهر الصناعي. في رأيه أن الأمر يهم الليبيين في زوارة وغدامس وغات في أقصى الغرب فهناك مصدر رزقهم وحتى شربهم. تساءل هل يريدون أن يكون مصيرهم كمصير الغجر. جُمَله كانت مبنية لمجهول غير خافٍ. وما يعنيه كلامه هو أن تقسيم ليبيا سيكون مقبولا بالنسبة للنظام طالما استطاع السيطرة على حقول وموانئ النفط والكفرة والسرير وتازربو طبعاً. ليست الوطنية ولا المبادئ ولا الأخلاق التي تحكم تصرفات هذه الفئة المسيطرة منذ أربعين عاماً.  

الكتائب تقصف اجدابيا مجددا… اجدابيا مرة اخرى؟ لا أفهم. مجاهدو مصراته يحرزون تقدما في صد الكتائب إلى خارج مدينتهم. الجبل الغربي صامد.

غدا سيعقد الاجتماع الأول للجنة الاتصال الخاصة بليبيا في الدوحة. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية وتركيا جميعهم حاضرون. منهم العاجز ممثلا في الجامعة العربية والأجير ممثلا في الاتحاد الإفريقي والخاسر متى رحل القذافي ممثلا بتركيا والطامعون المنقسمون أحزابا وإن انضموا تحت عنوان عريض هو الغرب. يُنظر إلى ليبيا كغنيمة وينظر إليها كذلك على اعتبار أنها مكمنٌ لخطر محتمل إذا ما فلتت الأمور من عقالها وانحدرت البلاد إلى حرب أهلية تفضي إلى انهيار هياكل الدولة .. تخوّف العالم، أوروبا على وجه الخصوص، من الانهيار أو الصوملة وما سيؤدي إليه من بروز تنظيمات معادية للغرب قد تكون ورقة الضغط الوحيدة في أيدي أصحاب القضية. لا العرب يرون ما سيؤول إليه الوضع مؤثراً على منظومة أمن قومي غير موجودة أساساً، ولا مدّعو الدفاع عن الحريات والقيم الإنسانية السامية في الغرب ستمنعهم تلك الاعتبارات من استعمال كل الوسائل لتحقيق مصالحهم في ليبيا الجديدة، وإن تمّ تقسيمها، وإن تحت أسرة القذافي نفسها.

أرى التقسيم وارداً… جداً.  

الأربعاء 13 إبريل (56)

الدوحة

الحدث البارز اليوم هو اجتماع مجموعة الاتصال بالدوحة. خرج المؤتمر ببيان اعتبره الليبيون إيجابيا. هو كذلك بالنظر إلى اختلاف زوايا نظر الأطراف الممثلين فيه؛ من قطر وفرنسا وبريطانيا في طرف وتركيا وألمانيا والاتحاد الإفريقي في الطرف الآخر. لغة البيان إذن كانت لغة توافقية، والبيان في هذا الإطار إيجابي جدا.

تحولت هذا المساء إلى القنفود لأرى كيف يُنقل خبر المؤتمر، فوجدت نفسي أمام جرعة من أخبار الالتحامات بالقائد.. انتظرت فكان خبر قصف الحلف الصليبي للمدن وضحاياه من المدنيين.. وانتظرت فكان الخبر ‘البايت’ لمكالمة المحمودي مع بان كي مون. هي بالفعل ليست بدولة ولا مؤسساتها مؤسسات… هو نجع خال إلا من عصابة ومسلحيها والمستفيدين منها.

سمعنا مساءً دوي انفجارات قوية.. سيتضح غدا أين كانت.

يظهر أن الشباب مستمرون في عمليات ليلية متفرقة تستهدف النقاط الأمنية والاستيلاء منها على السلاح. هناك شعور عام بالترقب لما قد يحدث يوم الجمعة.

الموالون للنظام في حالة انكماش. لم يعودوا يخرجون في الأحياء التي يقطنونها كلما ظهر قائدهم مطلقين النار في الهواء ابتهاجاً. ولم يعودوا يستعملون سياراتهم الفارهة. كأنهم يريدون أن يختفوا وسط عامة الناس.

غياب ترهونه وبني وليد والعزيزية عن الأحداث بحاجة إلى تفسير… وسيكون بحاجة إلى تبرير، إن لم يكن سببا في فتنة قادمة.

الخميس 14 إبريل (57)

هدوء؟

عادت أزمة البنزين لتفرض نفسها بقوة بالمحطات لليوم الثالث على التوالي.

توالت الانفجارات بعد ظهيرة اليوم، ابتداء من حوالي الثالثة. كانت الأقوى حتى الآن، لا أدري إن كان ذلك بسبب الانفجارات نفسها أو أقربها من المدينة. يبدو أنها كانت مركزة أقصى شرق المدينة.

كانت الشوارع بعد ذلك مقفرة، وغالبية المحلات أقفلت أبوابها. تواجد سيارات الأمن في مختلف الأحياء السكنية كان أكبر من المعتاد. غداً الجمعة حيث يُتوقع أن يكون هنا خروج جماهيري كبير.

النظام في سباق مع الزمن. إنه يريد أن ينهي “تمرد” مصراته قبل ما يجري التلويح به من تدخل دولي لإنقاذ السكان. لذلك كثف النظام من قصفه التدميري المجنون، وكان ضحايا هذا اليوم بالعشرات، بعضهم كان في طابور أمام مخبز. وكثف من قصفه للميناء. إنه يريد تعطيله أمام أي سفن إغاثة أو إنزال من أي نوع. ولكن مصراته صامدة مستمرة في كتابة صفحات من البطولة والجهاد لن تزيدها نيران القصف إلا بريقاً ومجداً.

أستمع إلى إذاعتي بنغازي ومصراته عندما أكون بالسيارة. يسوؤني ما أسمعه في بعض الأحيان من مفردات يصف بها البعض، خاصة من بنغازي، القذافي وأولاده وأعوانه، لا تختلف عن مفردات النظام نفسه. الثورة لا تعني الهدم وحسب، بل تعني البناء أيضا. والجديد الذي نبني يجب أن يكون مختلفا في منطلقاته وتوجهاته ـ وهو كذلك ـ وأيضا في أدواته ومفرداته. ليت إخوتنا في إذاعة بنغازي ومعهم الذين يتحدثون للقنوات الأجنبية ينتبهون.

خرج القذافي في الشارع في سيارة فتح سقفها ليظهر منها والسيارة مسرعة رافعا كلتا يديه في الهواء. مرة أخرى هو يريد أن يرى الجميع أنه لا يزال موجودا، وكأنه هو نفسه لا يصدق…. وخرجت عائشة لتقول إن أباها لن يتنحى وأن من لا يحبه لايستحق الحياة. هكذا قررت عيشة…. وقبلها بأيام ظهر أخوها سيف ليقول إن تنحي أبيه فكرة سخيفة! عائلة تعمل جاهدة لكي لا تفقد مزرعتها وعبيدها.

ما ظهر من اجتماع المنظات الدولية والإقليمية في القاهرة واجتماع الحلف في برلين كان مائعاً، خاصة ما خرج من القاهرة. هذه التكتلات تضم من التباينات والمنافسة بين المنتمين لها ما يؤدي إلى الضعف أو العجز. والأمر لا يمكن أن يكون إلا كذلك في حالة تكتلات العجزة مثل الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي.. الإفريقيون؟ علاقتهم بالقضية الليبية أساساً علاقة ارتزاق تربطهم بشخص ملك الملوك! هم على موائد المباحثات هو… ويجب أن يتنحوا كما يجب أن يتنحى.

الجمعة 15 إبريل (58)

هدفهم المعلن رحيل القذافي

تجدد اليوم قصف مصراته.. ولا أخبار عن تدخل جوي حاسم من الحلفاء. إنه مصر على دخول مصراته حتى مينائها لكي يحكم حصارها ويوغل فيها تنكيلا وتقتيلا وتدميرا.

نشر رئيسا الولايات المتحدة وفرنسا ورئيس حكومة بريطانيا رسالة مفتوحة تعهدوا فيها باستمرار الأعمال العسكرية حتى رحيل القذافي. هم هنا يميزون مواقف بلدانهم عن بقية حلفاء الأطلسي، ويقولون إن هدف الحملة هو الإطاحة بالقذافي وتغيير النظام.. هذه قراءتي على الأقل. القصف الجوي لن يؤدي إلى تحقيق الهدف المطلوب كما يقولون، والثوار لن يتم تزويدهم بالسلاح الذي يحتاجونه. كيف إذن سيتحقق الهدف؟ سؤال مفتوح على كل الاحتمالات… وضع مائع طويل.. حرب شوارع.. عراق جديد؟ الطريق الأقصر والأقل تكلفة لليبيا والليبيين سيكون انفجار النظام من داخله… هل في انتظاره واقعية؟

اليوم الجمعة يوم موعود بالمظاهرات الكبرى في كافة أنحاء البلاد بعد صلاة الجمعة. هل ستخنقها القبضة الأمنية التي بدت واضحة في كل الطرقات والتقاطعات في طرابلس منذ بعد الظهر يوم أمس؟

استمعت من إذاعة بنغازي إلى تسجيل لندوة تكلم فيها المتحدثون عما تم إنجازه وما يجري الإعداد له في الأراضي المحررة. أسعدني الخطاب بمضمونه وطريقة عرضه وأسلوب تعاطيه مع الجمهور. البون شاسع بينه وبين ما اعتادته المدرجات في عهد الظلام من تهريج وتشنج وتمجيد لقائد أوحد، من دون شيء ذي معنى. فالجمهور كان دائماً مسلّمة من المسلمات، أليف طيّع، يصفق لكل ما يسمعه. ليس مطلوبا أن يعي المتلقي ما يسمع وممنوع أن يكون له رأي مخالف. لقد سعدت بسماع الدكتور عبد الله شامية على وجه الخصوص، بعد سنوات من لقائي به آخر مرة، وكذلك الدكتور امراجع وكلماته الموفقة والمناسبة جدا عن جيل وجيل وحثه الشباب أن يأخذوا بزمام أمرهم مستعيدا كلمات للدكتور فاروق الباز بالخصوص. استماعي لهذا الجزء من الندوة، وللأستاذ المسماري والدكتور علي سعيد، زادني تفاؤلا وثقة في أن الثورة، برجالها هؤلاء وتوجهاتها هذه، هي ثورة واعدة بالخير الكثير لشعب عانى الكثير. ليبيا لم تكن يوما فقيرة في رجالها وكفاءاتها وعقول أبنائها. ليبيا انطفأت تحت وطأة الاستبداد والسفه، وسيتقد نورها من جديد… إن شاء الله.

مرة أخرى شاهدت هذا المساء مقطع الفيديو من البيضا السورية.. ذلك المشهد لرجال الأمن يركلون ويدوسون على أجساد المتظاهرين المقيدة أياديهم خلف ظهورهم والمنكفئين على بطونهم، ويُسمع صوت يأمر بالدوس ويسميهم كلابا… مشهد تقشعر منه الأبدان. هكذا يعامل حكام العرب شعوبهم… هذا حاكم شاب ورث حكم ‘الجمهورية’ عن أبيه.. أتى بوعود الإصلاح.. وهكذا يتعامل مع شعبه. كنا سنشاهد نفس الفيلم في ليبيا… ابن واعد يرتقي كرسي الحكم وإذا به نسخة من أبيه. ولكن القناع عندنا سقط قبل رفع الستار. 

في أخبار المساء أن الثوار قد دخلوا البريقة… أرجو أن يكون فتحا ثابتا هذه المرة.

السبت 16 إبريل (59)

نسيم

الكتائب تواصل قصف مصراته بالمدفعية والراجمات من دون هوادة. هيومن رايتس ووتش تتهم الكتائب باستعمال القنابل العنقودية في ضرب مصراته. الكتائب تدمر مصانع النسيم للألبان. نسيم هي العلامة الأهم والأجود والأنجح في البلاد للألبان والياغورت والمثلجات. لا تفسير عقلاني لهذا القصف الأهوج.. هذا العبث. هو العداء لكل نجاح إضافة إلى العداء للحقيقة.  قصف المصانع وإلقاء القنابل العنقودية… الجنون يتصاعد.

أزيز طائرات وأصوات مضادات فوق طرابلس حوالي الثامنة والنصف مساء.

الثوار يتراجعون عن البريقة مرة أخرى.

طوابير محطات البنزين تزداد ازدحاما. سيعجز الذين يذهبون إلى أعمالهم عن الاستمرار فيها، وستغلق المدارس.. سيصعب مد المحلات بالسلع وتسويق الإنتاج الزراعي.. ورؤية الأقارب. طرابلس مدينة كبيرة لا يمكن أن تعيش من دون حركة السيارات.

أقارب سكان  الجبل الغربي بطرابلس فخورون بصمود أهلهم في هذا الجبل الأشم. ولم لا؟ الفريق الآخر من الليبيين سيمشون مطأطئي الرؤوس بين الناس يوم يداهمهم الفجر.

إذاعة القنفود أصبحت من المعتقدين في السحر والشعوذة.. على دين سيدها (مكتبة استراحة القذافي في البيضاء وما فيها من عناوين كان من الواجب التعريف بها بشكل واسع في الإعلام). هراء عن دجاجة باضت ‘دحية خضرا’، والدليل هو الدحية نفسها في سهرة منسهرات القنفود، وعن سلطان الجان وكيف سينطلق قريبا نحو قوات الأطلسي… موضوع تندر لدى الناس.

الدم الذي تم سفكه حتى الآن في الزاوية واجدابيا والجبل ومصراته وغيرها من أنحاء البلاد لم يرو الظمأ بعد. كل هذا القصف المستمر بالمدافع والصواريخ لمصراته والجبل الغربي ليس كافيا. أتصور أنه في انتظار الظفر بالجائزة الكبرى من دماء لم يجر لها مثيل حتى الآن… في طرابلس.. وأدعو الله ألا يقدّر ذلك.

الأحد 17 إبريل (60)

إبليس والجنة

الازدحام على محطات البنزين أشد من أي وقت مضى. مررت بأربع محطات، كانت طوابيرها المزدوجة طويلة طويلة، والمحطات الأربعة مقفلة في انتظار وصول شحنات البنزين.

عدت إلى منزلي متأخرا بعض الشيء هذا اليوم.. الساعة 8.30 مساء أي بعد المغرب بحوالي الساعة. كانت حركة المرور خفيفة جدا والسيارات مسرعة كأنها في سباق.

في السيارة أستمع إلى شيء من الإذاعة الليبية.. مكالمات هاتفية من ‘مواطنين’… والله الأمور عادية ما تسمعوش للقنوات المغرضة… والمدارس كلها فاتحة… احنا منتصرين ونحبوا القايد.. وبس… أشعر أحيانا أن الإذاعة الليبية تخاطب جمهورا في الصين أو البرازيل. وخرج أحدهم بقصيدة شعبية غاية في البذاءة والابتذال موضوعها هجوم على قطر وأميرها. لم يعد هناك خوف على إذاعة النظام من مزيد التدحرج والسقوط… لقد وصلت القاع.. كذب وشعوذة وبذاءة.

تصريحات بعض ساسة الغرب والمحللين تفيد بأن حل الأزمة الليبية قد يستغرق وقتا طويلا… حتى ديسمبر ربما يقول أحدهم… فال الله ولا فاله. لا أرى أن الوضع الرازح تحت سيطرة النظام قادر على الصمود حتى ذلك الحين وإن ثبت في ميدان العمليات العسكرية. الوضع المعيشي للناس سيتفاقم بسرعة مع مرور الوقت وسينعكس معبرا عن نفسه بصوت مسموع ومن ثم بأفعال ستتصاعد رافضة لما يجري. الليبيون من موظفي الشركات الأجنبية انضموا إلى العاطلين عن العمل منذ الشهر الماضي. هناك تضييق على السحب من المصارف. السحب ممكن بما لا يزيد عن 300 دينار في المرة الواحدة وبما لا يزيد عن ألف دينار في الشهر.. أي أنه يلزمك أن تقضي الجزء الأكبر من الصباح أربعة أيام في الشهر الواحد لكي تسحب ألف دينار من حسابك.. هذا إذا كان لديك حساب بذلك المبلغ وكان لدى المصرف سيولة نقدية. والأسعار في ازدياد، والدينار انخفضت قيمة صرفه. المطار مقفل ولا تحويلات بالعملة الأجنبية للأفراد ولا وجهة لخروجهم غير تونس… إلى حين.

يروج المقربون لفكرة أن يبقى القائد رمزا لا غير، وأن يستلم سيف لمدة خمس سنوات، قال أحدهم، يشرف خلالها على الانتقال إلى نظام جديد. أولا: لأي شيء يبقى القائد رمزا؟ ثانيا: ماذا يستلم سيف وممن؟ ليست له صفة رسمية ولا لأبيه. معمر القذافي يريد تنصيب ابنه حاكما لليبيا مع بقائه يحرك الخيوط تحت اسم رمز بدلا من قائد. ما الذي يجعل ابن معمر مؤهلا لحكم ليبيا أكثر من ابن الحاج مفتاح أو عبدالله أو مسعود؟ ولماذا افتراض أن الليبيين يريدون أن يحكمهم فرد أحد بعد الآن؟ والليبيون يعرفون القذافي وأبناءه معرفة جيدة الآن. كيف يمكن لذي عقل أن يتوقع أهل الشرق كله ومصراته والزاوية والزنتان وتاجوراء وسوق الجمعه وفشلوم ويفرن وزواره وغيرها أن يطمئنوا إلى أن المشانق لن تنصب والأسلحة من كافة الأنواع ستدوّي داخل شوارعهم وبيوتهم ومصانعهم ومزارعهم. النظام بمؤسسه وأولاده وأحفاده وأعوانه حرق جسوره حرقا تاما مع الليبيين، ومن تحرر من الليبيين سيفضل الموت على العودة تحت أحذيتهم مرة أخرى… أحلام إبليس بالجنة.

الإثنين 18 إبريل (61)

ملحمة مصراته مستمرة

كانت جبهة اجدابيا البريقه هادئة اليوم. القصف على مصراته مستمر دون هوادة، والثوار يحققون تقدما فيما يبدو من الأخبار. قال سيف في إحدى مقابلاته الصحفية إنه لا يجري قصف للمدنيين! ما يجري طبقا لتوصيفه هو ضرب لإرهابيين على غرار ما جرى في مخيم نهر البارد قي لبنان. ومن الذي يقول إن ما جرى من قتل وتدمير في نهر البارد كان عملا أخلاقيا أو إنسانيا؟ كان بإمكان سيف أن يشبه مايحدث في مصراته بما حدث في جنين أو الفلوجة أيضا فجميعها متشابهة في الجريمة. هناك فارق مع ذلك بين مصراته من ناحية وبين جنين أو الفلوجة من ناحية أخرى. لم يرتكب الإسرائيليون جريمتهم في جنين ضد إسرائيليين ولا الأمريكويون ارتكبوا جريمتهم في الفلوجة ضد أمريكيين، أما في حالة مصراته فالجريمة يرتكبها على مدى ما يقرب الشهرين الآن ‘ليبيون’ ضد ليبيين عزل.

قام النظام بشنق الليبيين سنة 1984 وفي سنوات أخرى تلتها في الساحات العامة والجامعات، وفي سنة 1984 بالذات كانت مشاهد الشنق تبث على تلفزيون الحكومة. الهدف كان واضحا، وهو ترهيب الليبيين من ذات المصير إن هم رفعوا رؤوسهم. كان الغرض من الفعل الانتقام  والغرض من اختيار الساحات والبث على التلفزيون أن يأخذ الليبيون العبرة. النظام يتخذ من مصراته مثلا آخر في أحداث ثورتنا الجارية. إنه يقول لطرابلس تحديدا أن مصيرها سيكون مصير مصراته إن قامت وهبت ضده. أحكمكم وأولادي أو أقتلكم… بالدبابات والصواريخ والقنابل العنقودية وقطع الماء والكهرباء وإغلاق الصرف الصحي، وباقي القائمة التي يعرفها الليبيون جيدا الآن.

إذا لم يوقف التحالف الحملة القائمة ضد مصراته، وأثبت عجزه عن القيام بعمل حاسم تجاهها، فإنه يكون قد أعطى الضوء الأخضر لجريمة اكبر بكثير ستكون طرابلس مسرحها. 

صحيفة روسية شبهت مصراته بستالنجراد. ملحمة مصراته أعظم وأنبل، فالمدافعون ليسوا جيشا؛ هم سكان المدينة المدنيون من طلبة وعمال ومزارعين وتجار ومهنيين وموظفين. مصراته لم يكن لديها جيش يدافع عنها. شعب مصراته هب للدفاع عن حرية ذاق طعمها يوم هزم الخوف، دفاعا عن العقل ضد الجنون، وعن المعروف ضد المنكر، وعن الرشد ضد السفه، وعن الأخلاق ضد الانحطاط، وعن العلم ضد الجهل.

الثلاثاء 19 إبريل (62)

ترقب

الجبل الغربي مشتعل، والشهداء حسب التقارير فاق عددهم المائة. ثوار مصراته يحققون تقدما في شارع طرابلس وفي غيره من مناطق المدينة. مقطع فيديو يصوّر هزيمة الكتائب في إحدى المدارس الذي عرضته الجزيرة الليلة الماضية كان حديث الناس اليوم، ومقطع معركة مركز البريد هذه الليلة سيكون حديث الناس يوم الغد. جبهة البريقة تبدو ساكنة.

الأنباء هذا اليوم تفيد بان هناك إعدادا لإرسال فرق إغاثة مصحوبة بقوة من الاتحاد الأوروبي تفتح ممرا للإغاثة في مصراته. مهمة القوة لن تكون قتالية؛ هي لحماية فرق الإغاثة؟ بريطانيا وأمريكا تبعث بمستشارين للجيش الوطني في المناطق المحررة. ما عسى هذه التحركات تحمل للأيام المقبلة.. وعلى المدى البعيد؟ الجانب الوطني الليبي في موقع ضعف.

حكومة القذافي قبلت دخول مساعدات إغاثة. الإذاعة التونسية سعيدة بالخبر حيث أن برنامج الغذاء العالمي قد خصص 30 مليون دولار لشراء احتياجات غذائية من تونس وإرسالها من هناك إلى ليبيا. الإذاعة تنقل خبر بدء وصول هذه الإعانات، بما فيها الدقيق، إلى طرابلس نفسها. هل هذا دليل على بدء نضوب الموارد المالية المتبقية لديه، أم أنه رضوخ للضغوط الدولية؟ أظن العقوبات الدولية قد بدأت تؤتي ثمارها. ليبيا القذافي تمدّ يدها لقبول مساعدات إغاثة!!!

ويستمر وقع الحياة في طرابلس بطيئا… حالة من الترقب والشعور بشيء من الإحباط. لقد تحرك جانبا ذلك الزخم من التفاؤل بقرب الخلاص الذي كان الناس يرونه على بعد أيام قليلة. وبالرغم من ذلك، تقول لمحدثك إن الأمر قد يستغرق أشهرا طويلة فترى الصدمة والنفي باديين على الوجوه… مش ممكن.. مستحيل.. يقولون… فال الله ولا فالك. نريد أن نطمئن أنفسنا بأننا على الطريق، ولم يبق إلا القليل. الإحباط على جانب النظام، في تصوري، أكبر بكثير ويشتد مع مجريات الأحداث كل يوم. المؤثرات في هذا الاتجاه عديدة: 1) تدهور الظروف المعيشية من حيث توفر المواد التموينية والوقود، وارتفاع الأسعار، وازدياد البطالة، ونقص السيولة النقدية. 2) بث صور مأساة مصراته والجبل على الفضائيات بشكل  لم يكن متوفرا فيما سبق. 3)  تزايد الأخبار عن موتى الكتائب من مجنديها الليبيين. 4) انكشاف كذب وزيف أبواق النظام لدى المنخدعين به أنفسهم… لهذا أرجح قرب النهاية مرورا بتصدع النظام أو تفجره من الداخل… أمل؟ نعيش على الأمل كل صباح.

أمامي واقفا في سيارته عند إشارة مرور طال انتظار تغيرها إلى الأخضر… صورتان للقذافي تغطيان زجاج سيارته الخلفي بأكمله وخرقة خضراء مربوطة بهوائي الراديو. ما الذي يريد مثل هذا الشخص أن يقوله؟ وأي نوع من المخلوقات يمكن أن يكون؟ بدايةً، هو يريد أن يخيف الآخر.. ربما يكون مفتقدا لمكانة واحترام بين الناس لم يدر طريقا إليهما.. ولجهله  وسوء سلوكه في غيابٍ أكيد لحسن التربية في البيت والمدرسة… نرى أمثاله يتسكعون في الشوارع شاهرين أسلحة من صور القذافي والخرق الخضراء والهتافات الجوفاء التي أصبحت تستثير التقزز وحتى التقيؤ، وربما السلاح الناري أيضاً. هؤلاء يفرضون أنفسهم على الناس في الشارع بفظاظة وفجاجة. أن يفرض أحدهم نفسه بمثل هذا السلوك وأن يلفت انتباه الآخرين إليه يبعث فيه زهوا بنفسه عجز عن تحقيقه علما وخلقا. وقد انطلقوا في شوارع طرابلس بأعداد مخيفة هذه الفترة. ولكنهم سيختفون بالجملة ودفعة واحدة حين تحين الساعة، تماما كما اختفت السيارات الفارهة من هامر ومازيراتي وبي إم وجاجوار وغيرها من الشارع الرئيسي بحي الأندلس. أين ذهبت وأين ذهبوا؟

الأربعاء 20 إبريل (63)

الكرة تتدحرج

رئيس المجلس الوطني استُقبل اليوم في الإليزيه. في المقابل عرض القنفود مشاهد للقائد يستقبل الشيخ الزناتي في خيمته!

مقابلة لوزير خارجية النظام مع البي بي سي الليلة الماضية. منذ بضعة أيام وصف سيف الحديث عن تنحي والده بأنه شيء سخيف. البي بي سي تقول الآن إن وزير خارجية النظام لمح إلى مناقشة كل شيء بما في ذلك مصير القذافي. هذه أول إشارة إلى أن الكرة بدأت تتدحرج، وستنتهي حتما حيث التخلص منه وأسرته… سيأتي المزيد من التحرك في هذا الاتجاه مع تفاقم الوضع الداخلي للنظام. الملاحظة الثانية هي أن موسى إبراهيم، الناطق باسم القذافي، كان أثناء المقابلة جالسا على رأس الطاولة بين أمين الاتصال الخارجي ومراسل البي بي سي. هل المراقبة شديدة وفجة إلى هذه الدرجة؟ ووضع النظام متفاقم بالفعل، والدليل استغاثته اليوم بطلب رفع ‘الحصار البحري’ عن السلع والمواد غير العسكرية، خاصا بالذكر المحروقات التي منع أسطول التحالف نقلها من وإلى الموانئ الخاضعة لسيطرة النظام. لقد منع أسطول التحالف كما سمعت صباح هذا اليوم حمولة من وقود الديزل من التوجه من الزاوية إلى الخمس حيث توجد محطة توليد كهرباء رئيسية. توليد الطاقة الكهربائية وتموين الكتائب بالمؤن والسلاح والذخائر سيكون متعذرا عما قريب… واتصالاته تتلقى ضربات جوية متتالية… كم من الزمن سيستطيع المقاومة حتى صدور شهادة الوفاة أو الخروج بالكاناتيرا؟

مقابلة من الجانب الآخر أجرتها البي بي سي نفسها كانت مع المواطن بو حامد. إنه واحد من قلة قليلة من سكان اجدابيا الذين صمدوا وأبوا أن ينزحوا عنها تحت أقسى ظروف القصف والإجرام من طرف الكتائب. كان الرجل قد أمضى 21 عاما في سجن بوسليم، وقال إنه لن يترك مدينته تحت أي ظرف، وأن الليبيين مستعدون للتضحية بكل شيء مقابل حريتهم. رأيت في بو حامد مثالا لمقاومة الكثير من الليبيين ونضالهم على مدى أربعة عقود ضد الاستبداد والظلم والسفه… كما كان للنظام خدامه المخلصون الطيعون حتى آخر ساعة. 

الثوار في مصراته يحرزون تقدما، وفي الجبل ثابتون. ما هو مبرر إرسال قوة مسلحة أوروبية لحماية ممر للإغاثة في مصراته؟ واضح أن مصراته ينقصها السلاح لا الرجال… هناك بعض التحركات في طرابلس، قد تتصاعد.

النقاط الأمنية في طرابلس تتكون الآن من عناصر نسائية مسلحة. هناك تذمر شديد وحكايات عن احتكاكات ومواجهات كلامية. طوابير البنزين تزداد طولا كل يوم. أحدهم قال لي إنه انتظر دوره من الساعة التاسعة مساء أمس إلى السادسة من صباح اليوم.

ثوريات وثوريون كبار خلعوا رداء الشنق والتعذيب وتوجهوا إلى المدارس مرشدين طلبتها وطالباتها محذرين من الاستماع إلى الإشاعات والقنوات المغرضة… هؤلاء يعرفون أن لا مكان لهم في ليبيا الجديدة. سيلاحقهم ماضيهم ويقذف بهم إلى حيث يستحقون.. قد يكسبون وسيدهم دقائق من الوقت الضائع، لا أكثر.

ليبيا بالنسبة للقذافي مشروع تجاري عائلي a family business  بدأه بالاستيلاء على وطن. قضى عمره وثروة الليبيين معه في تأسيسه وتأمينه لأولاده من بعده.. تشمل أصول مشروعه 1.8 مليون كيلومتر مربع من الأرض في موقع جغرافي ممتاز من العالم، و1800 كيلومتر من شواطئ البحر المتوسط وأكثر من مليوني برميل من النفط في اليوم. مرجعيته في التأسيس لمشروعه هذا وتوطيد أركانه لم تستند إلى أخلاق أو انتماء وطني أو ناموس من الدين أو العرف… غايته بررت له كل الوسائل.. دائما.. واللي تغلب بيه العب بيه، كما يقال… قتل وسرق وحرق وعذّب وخرّب وشنق.. نشر الفساد والجهل والفوضى الممنهجة لخدمة مشروعه.. أنشأ عصابات من ليبيين وغرباء وسلحهم وأطلقهم يعثون في الأرض فسادا… مرة أخرى إلى المدى الذي يخدم أغراض مشروعه ويؤمن بقاءه. والآن عندما رأى نفسه قاب قوسين أو أدنى من قطف ثمار المشروع بتسليمه إلى أحد أبنائه، يفاجأ ‘بالمستخدمين’ في المشروع ينتفضون لاساترجاع وطنهم من سراقه. لذلك أتفهم غضبه وأتفهم الأسلحة التي يستعملها ضد ‘شعبه’؛ فمرجعية أفعاله هي ذات المرجعية لم تتغير منذ بدأ تأسيس مشروعه… مسكين… المشروع يبّي يريح.

 الخميس 21 إبريل (64)

السلطان حَسْ

تناقص حركة السيارات في شوارع طرابلس ملحوظة جدا هذه الأيام.. إنه النقص في البنزين. في بعض مناطق البلاد لا يوجد بنزين أساسا.

أسمع إطلاقات نارية في منطقة سكني الآن.. لم نعد نعيرها اهتماما كبيرا كما في السابق.

ثوار جبل نفوسه يهزمون الكتائب ويطردونها من منطقة وبوابة وازن الحدودية مع تونس. أكثر من مائة من الكتائب يفرون عبر الحدود إلى تونس، ويتم أسر آخرين.

شاهدت مقابلة مع مفتاح بوكر على قناة ليبيا الحرة اليوم تخللتها المقابلة تعليقات من عمر الكدي. نفى السيد مفتاح أن يكون في مصر في مهمة تتعلق بتجنيد مرتزقة من الصحراء الغربية المصرية… أتفهم النفي. ولكنني لم أفهم وصفه بالمنشق عن النظام. لم يكن في حديثه ما يشير إلى انشقاقه عن نظام كان أحد أعمدة لجانه في بنغازي في سنوات كالحة السواد. الكدي قال إنه ربما أراد أن يمسك بالعصا من وسطها، أو ربما أراد أن يلعب دور وساطة ما. العديد من خُلص النظام يحاولون النأي بأنفسهم عن سفينة تغرق.. وقد لا تغرق، فهم أول المصدقين لبروباجندا الحل النهائي والقائد العظيم الباقي أبدا.. أستغفر الله. يرتعدون خوفا لمجرد التفكير في احتمال زوال الطاغية… خوفا منه وخوفا على أنفسهم من بعده.

على شاشة التلفزيون الآن خبر أن أوباما أذن باستعمال طائرات من دون طيار في ليبيا. هذه، فيما أعرف موجهة عن بعد ودقيقة في ضرب أهدافها.. بها يضربون أهدافا في أماكن مزدحمة بدقة كبيرة، سيارات بعينها أو افرادا… هذا سيكون تغيرا نوعيا كبيرا أو حتى حاسما ما يعتمد على الأهداف المختارة… المهم ألا ينزل جنود إلى البر الليبي… ولا زلت أفضله بالكاناتيرا!

طرائف القنفود وشقيقاته ليست حكرا على الليبيين يتندرون بها. الجزيرة بثت تقريرا هذا المساء تضمن عينات من البرامج التي يتحف بها المسؤولون بهذه القنوات مشاهديهم الليبيين. لعل أطرفها كان ذلك المشهد الذي رفع فيه شاكير يديه وأغمض عينيه مخاطبا سلطان الجن، السلطان حَسْ، لكي ينزل غضبه على حلف الأطلسي… دليل لمن لا يزال بحاجة إلى دليل على تخلف النظام وقائده وأعوانه. نظام يستعين بالسحرة والمشعوذين والسلطان حس في إدارة أمن البلاد… أمنه الشخصي في الواقع.

المشهد الثاني الذي لن يمحي من الذاكرة بسهولة كان مقطع فيديو أعيد بثه الليلة الماضية نقلا عن اليوتيوب. أسرى من الثوار جمعهم عدد من جنود الكتائب في فناء مسيج، قيّدوا أيديهم وراء ظهورهم، أمروهم مع الضرب والركل والشتم أن يهتفوا “الله، معمر، ليبيا، وبس”. وهتف الأسرى، واستمر الضرب واستمر معه الهتاف، وانتهى الفيديو قبل انتهاء الحفل المرعب والمخزي الذي أقامه أشباه بشر لا يملكون ذرة من رجولة أو شرف أو خو ف من شديد العقاب… أشباه الرجال هؤلاء هم أنفسهم الذي يخرجون في كل مناسبة يرقصون و‘يشتّوا’ لقائدهم… الذي ربما يكون هو نفسه السلطان حس الذي يتوسل إليه شاكير في سهرات القنفود.

تخلف وسحر وشعوذة وإرهاب وسادية وأمراض حكمت البلاد وتمكنت من أهلها ومقدراتهم على مدى 42 عاما. مهزلة عشناها ما يقرب من نصف قرن… لا أجد تفسيرا.

الجمعة 22 إبريل (65)

كذب وانفصام عن الواقع

الجمعة يوم ترقب لما قد يحدث. هي كذلك منذ أشهر بطول الوطن العربي وعرضه. طرابلس تترقب أحداثا جساما يوم انفجار عظيم. والطاغية وزبانيته متربصون بها شلالات من الدم تماما كما وعد الإبن وتماما كما غنى الأب في الثمانينيات من شرفة باب العزيزية: “نحنا شرّابين الدم…” شرّابو الدم متحفزون لعرس كبير لعلهم يروون ظمأهم من دماء الأبرياء أو غير الأبرياء .. لا يهم. دماء دماء… ذلك فقط ما يشفي غليل الطاغية.

القنفود وشقيقاتها: نحن أمام غزو صليبي.. صور القتلى في مصراته هي لقتلى ذلك العدوان… والمقاتلون الليبيون في مصراته؟ هم رجال القاعدة.. الأسرى من شباب الثورة يخرجون معترفين بأنهم يتعاطون الحبوب تارة وأنه قد زج بهم من طرف المتطرفين من القاعدة.. درنة أصبحت إمارة إسلامية مستقلة يحكمها رجل يدعى عبد الحكيم الحصادي.. في بنغازي يذبحون كل من يهتف لمعمر القذافي.. مقابلة مع سائق في سيارته في طرابلس يقول إن البنزين متوفر في حين طوابير السيارات أمام المحطات تُعد بالمئات. وتعاد الأسطوانة المشروخة ليل نهار مع أخبار مسيرات ‘الالتحام’… كذب ليس له آخر وليس في جبين مردديه قطرة من حياء. هذا يذكرني بالمرحوم بإذن الله الدكتور شعيب المنصوري في آخر لقاء لي معه. مشكلتنا معه، يقول شعيب، يمثلها مشهد غير بعيد عن شخصيته وعن واقعنا المعاش. يدخل القائد مكتبك ويسألك: “ما هذه؟” فتجيب بأنها طاولة اجتماعات. ينهرك غاضباً: “هذه ليست طاولة اجتماعات. إنها كرسي”، فتسرع جالسا على ‘الكرسي’. وقد يعود ليسألك عن نفس الطاولة ما هي، ستقول إنها كرسي، وإذا بها في هذه المرة قلم. وعليك أن تجد مخرجا، فحقيقة الأشياء كلها من عنده… هكذا يرى الأشياء أو هكذا يريد أن يراها، وهكذا ستكون لدى الجميع بالتهديد أو بالتكرار أو بالترغيب.

جون ماكين عضو الكونجرس الأمريكي البارز زار بنغازي اليوم، واستقبل استقبالا حافلا، وإن لم يكن فيه حماس أو دفء شعبي كبير. غزو الولايات المتحدة للعراق وتدميرها له سيظل يلاحقها في هذه المنطقة من العالم لزمن طويل. الرجل أبدى تأييدا كبيرا للثورة وضرورة دعمها بالاعتراف بمجلسها الوطني وتوفير متطلباتها بما في ذلك السلاح. نفى وجود القاعدة بين مقاتليها. وصف الثوالا بالأبطال.

السبت 23 إبريل (66)

غارات على باب العزيزية

استيقظت من النوم عند الساعة الرابعة صباحا، ووصلت إحدى محطات البنزين عند الساعة 4.45. الطوابير التي وجدتها في تلك الساعة المبكرة لا تصدّق. سألت واحدا من الذين يقفون على مدخل المحطة عن الوقت الذي قضاه في الطابور حتى يصل إلى تلك النقطة، فأجاب بانه كان في الانتظار منذ الساعة 11.00 قبل ظهر أمس. قفلت راجعا إلى البيت من دون أن أنتظر. سألت عن البنزين في السوق السوداء قيل لي إنها تباع بمبلغ 60 دينار لجالون العشرين لترا.. سعرها الرسمي 15 قرشا للتر الواحد. وهي لا تتوفر بسهولة حتى بذلك السعر. مررت ظهرا ببعض المحطات فوجدت ازدحاما شديدا من الجمهور داخل المحطات وهرج واشتباكات في إحداها مع وجود شرطة. وضع البنزين أصبح لا يطاق… من الصعب أن يذهب أحد إلى عمله أو إلى المدرسة بأولاده.

إحدى أعضاء هيئة التدريس بالجامعة أخبرتني بأن الجو كان متوترا بكلية الاقتصاد، فقد وجدوا علم الاستقلال مرفوعا عليها… هنك شعارات بالمدارس أيضا.

أزيز الطائرات فوق طرابلس بدأ حوالي الساعة 8.30 مساء واستمر متقطعا إلى الساعة 11.00… ودوي الانفجارات. كان هناك إطلاق نار كثيف ومتواصل لمدة ساعتين على الأقل. القصف شمل باب العزيزية الليلة الماضية. النظام أذاع أن مصطفى عبد الجليل قد تم اغتياله!

أعلن اكعيم انسحاب الكتائب من مصراته حيث أنها ’لم تتمكن من القيام بمهامها في القضاء على المتمردين بضربات دقيقة “جراحية” نظرا لتخل طيران الحلف. سيترك أمر مصراته للقبائل المحيطة بها الآن‘ الحقيقة أن الكتائب هزمت في مصراته. والحقيقة كذلك هي أنه يريد إشعال فتنة قبلية، وهو من الغباء بحيث يصرح بذلك علنا. نظام يسعى للفتنة بين مكونات شعبه… هل هو جدير بالبقاء؟ هل زعيمه يستحق السسماح له بأن يترك ويرحل من دون حساب؟

الأحد 24 إبريل (67)

وايكو

لم أغادر منزلي اليوم، أحد الأسباب كان المحافظة على البنزين لما يلزم فقط. أخوان تبادلا الوقوف بسيارة والدهما في الطوابير المنتظرة لدورها أمام محطة للبنزين أتما مهمتهما الساعة العاشرة من صباح اليوم… الانضمام إلى الطوابير كان في الساعة السادسة من صباح الخميس.. ثلاثة أيام وأربع ساعات من البهدلة والملل والنعاس والمشاكل والشجار والاعتداء من البعض على المضخات لتخريبها وانتظار لسيارة نقل تعبئ خزانات المحطة. أكثر من ثلاثة أيام رقم قياسي فيما أعتقد. بالنسبة لي تحصلت على جالون 20 لتر بمبلغ 60 دينار. سمعت لاحقا أنه وصل إلى مائة دينار. 

لم أعرف أين كان القصف أو إطلاق النار الكثيف الليلة الماضية. النظام عمم رسالة نصية على الهواتف النقالة يطلب فيها من ‘أفراد الشعب المسلح عدم إطلاق النار في الهواء’، وكأنه يريد أن يقول أن الإطلاق الذي دوى صوته في أنحاء المدينة الليلة الماضية كان احتفالا…  بشيء ما نحن لا نعرفه.

كان هناك صوت طائرات في السماء حوالي 3.30 بعد ظهر اليوم.. تحليق مبكر اليوم.

النظام يجهز لمصراته كارثة أكبر مما مرّت به إلى الآن. تم دحر الكتائب من وسط المدينة، فإذا به يكثف من قصفه للمدينة بالصواريخ والمدفعية عن بعد. وهو في نفس الوقت يريد أن يقول إنها القبائل.. وليست كتائبه.

الغرب أخطأ الحساب وهو على مشارف ورطة. كانت الحسابات ترتكز إلى أن الحملة الجوية والتحرك الشعبي كفيلان بإسقاط النظام. ذلك لم يحدث. رفع الغرب سقف أهدافه فلم يعد بإمكانه أن يقبل بأقل من رحيل القذافي ونظامه نهائيا عن المشهد الليبي، ولا يستطيع في الوقت نفسه قبول إطالة أمد الحملة كثيرا لدواعٍ سياسية داخلية وللاختلافات الواضحة بين الحلفاء أنفسهم. لن يستطيع الغرب بعد الآن التعايش مع القذافي في السلطة مهددا للمصالح والأمن الغربيين بكافة أسلحته المعهودة من نفط ومال وإرهاب وغياب كامل لأي رادع من خلق أو مبدأ أو مصلحة وطنية لبلاده نفسها. لذلك نرى الولايات المتحدة تعيد الحيوية لدورها في الحملة الجارية بإدخال الطائرات من دون طيار وربما غيرها من الأسلحة والعمليات والميل إلى تعزيز قوة المعارضة الليبية المسلحة، بل بدأ الحديث صراحة عن ‘قطع رأس النظام’. الوضع مرشح للتصعيد من الطرفين، فالقذافي لم يعد أمامه الكثير ليخسره… هو يعرف أنه أمام نهايته. كيف هي النهاية وكم سيطول الانتظار؟

مبررا لاستعماله القوة النارية لقمع ثورة شعبه، ضرب القذافي أمثلة بلدان أخرى قامت بأعمال مماثلة: ميدان تياننمن في الصين والشيشان وأتباع ديفيد كورش في وايكو تكساس. المثل المناسب في رأيي هو وايكو تكساس، ولكن بالمقلوب. قد يجد القذافي ومريدوه أن نهايتهم ستكون هي نهاية ديفيد كورش ومريديه والفاعل في الحالتين واحد. الشبه لا يكمن في نهاية محتملة شبيهة بل يتعداه إلى شخصيتي كورش والقذافي .. شخصيتان مريضتان. الأول ادعى النبوة وأرضخ لسيطرته المطلقة بضع مئات من المريدين كانوا يسبّحون له ويفعلون كل ما يريد… حرفيا كل ما يريد.. واغتصب منهم من اغتصب. الثاني يرى في نفسه مرتبة تعلو على النبوة وخلق لنفسه مريدين وأتباعا ارتكبوا من الجرائم كل ما طلبه منهم.. أخضعهم لإرادته وكانوا لا يستطعون فكاكا من أسْر ماله وإرهابه وابتزازه… وجرائمهم. باب العزيزية رديف وايكو تكساس؟

نعيش حياة يومية من الفزع والحزن جراء مناظر قتل الأبرياء وتدمير المدن… حياة تختلط فيها مشاعر الفخر مع الأمل والإحباط والألم… جرعة قذافية عالية التركيز نتجرعها على مدى أكثر من شهرين، اجتمعت فيها جميع مكونات السلوك القذافي على مدى الإثنين وأربعين عاما الماضية من قتل وتدمير وشراء ذمم وكذب وفتن وغش وخديعة.

الإثنين 25 إبريل (68)

الحوار الرخيص

حوالي الساعة الواحدة من الليلة الماضية (صباح اليوم) سمعنا أزيز الطائرات فوق المدينة. أظنني سمعت صوت طائرة من دون طيار أيضا، وهو الصوت الذي يوصف عند الذين يعرفونه جيدا في لبنان وفلسطين بالزنين، وكان صوت انفجارات ثلاثة أو أربعة. أحد تلك الانفجارات كان الأعنف الذي سمعته منذ بدا القصف الجوي. حولت إلى القنفود وإذا به قد اختفى هو وشقيقاته. الإذاعة (الراديو) اختفت كذلك، باستثناء واحدة على الموجة القصيرة جدا. مذيع ومذيعة يهنئون المواطنين بـ ‘بشائر الانتصار’ ويدعونهم للخروج في الشوارع بسياراتهم مضيئين مصابيحها ومشغلين منبهاتها، ويدعون النساء ليسمعن العالم زغاريدهن… لقد هلت علامات الانتصار… ما الذي حدث؟ لا تفهم منهم شيئا، ولا أظنهم يفهمون. القنوات الأجنبية بدأت تذيع ‘أخبارا عاجلة’ تفيد قصف باب العزيزية. بعد حوالي نصف الساعة عاد القنفود إلى التهريج المباح في جماهيريته…. إذن هو مركز الاتصالات بباب العزيزية الذي ضرب، إذ أن إرسال كافة البرامج الإذاعية من الاستوديوهات إلى محطات الإرسال الأرضي أو الفضائي يتم عن طريق هذا المركز بباب العزيزية. عودة الإرسال بعد نصف ساعة فقط يشير إلى تشغيل دوائر الاتصال من الاستوديوهات إلى محطات الإرسال مباشرة، من دون المرور بمركز الاتصالات بباب العزيزية.

أمين الاتصال الخارجي سافر إلى أديس أبابا. معلومات عن سعي محموم لتوسيط شخصيات للحوار مع المعارضة. الناطق باسم القذافي يدعو التحالف لوقف الغارات والبدء في الحوار. إنه يتوسل أن يحاوره أحد. الناطق يقول ‘الحوار أفضل من القتال… الحوار رخيص’ نعم، الحوار مع القذافي هو كذلك.. إنه رخيص، لأنه كان دائما مع طرف لا صدق ولا عهد له. في هذه المرة صدق الناطق باسم القذافي… الحوار معه رخيص.

إيطاليا تقرر الانضمام إلى الدول المساهمة في الضربات الجوية، وليس فرض الحظر الجوي فقط.

الأخبار من الجبل أكثر من مطمئنة هذا اليوم. لقد دحر الثوار هجوما كبيرا للكتائب على نالوت، وضرب التحالف رتلا من الأليات يبلغ عددها 200 كان متوجها إليها. جبهة البريقة لا تزال هادئةز

طوابير محطات البنزين تزداد ازدحاما يوما بعد يوم. وهناك الآن طوابير مستقلة للنساء. سمعنا باشتباكات عديدة، وقيل إن هناك حالات موت بلغت ثلاثة في طرابلس. البنزين غير متوفرة في السوق السوداء حتى بمائة دينار للجالون. بعض المصالح الحكومية بدأت تصرف البنزين للوظائف الحساسة بها بما يعادل 5 دينار في الأسبوع حتى يتمكنوا من الحضور لمكاتبهم…. باقي الموظفين والطلبة؟

إذاعات بنغازي والبيضاء يجب أن تتقيد بأسلوب مقبول للتعامل مع ما يدور في بعض مناطق غرب البلاد (أو لا يدور).. يجب عدم إثارة حساسيات نود أن نراها قد اختفت إلى غير رجعة. ليس من حق أحد أن يعطي الدروس في الوطنية أو الجهاد لأحد… “… عليكم أنفسكم”. يجب ألا يتم فتح الإذاعة في برامج الاتصالات الحية عبر الهواتف من ترشيد.. الأمر يحتاج إلى الحكمة… الليبيون بغير حاجة إلى فتنة يثيرها أحدهم، بمنتهى حسن النوايا في الغالب، في هذا الوقت. أجد إذاعة مصراته هي الأفضل من بين إذاعات الثورة… ولا يمكن أن أنسى الموضوعية والاحترام والرشد الذي يميز القناة الفضائية “ليبيا”.

الثلاثاء 26 إبريل (69)

سقوط الرأس وبقاء النظام

ويستمر حديث المدينة حول النقص الشديد في البنزين، وعن الشجار والمصادمات بالمحطات… وعن القتلى.

ضغوط كبيرة تمارس على موظفي الدولة للخروج في مسيرات يوم غد. الأوامر تقضي بالتوجه في حافلات وليس بسيارات خاصة، وكل من يتخلف عن الحضور سيُفصل!

سبعة من رجال الأمن قفزوا فوق سور منزل صاحبي وطرقوا الباب الداخلي في منتصف الليل. طلبوا إرشادهم إلى حيث توجد كومبيوتر الإبن (مهندس حاسوب). شغلوا الحاسوب وفتشوا الملفات. لم يجدوا شيئا يثير شهيتهم وتركوا.

قصف الكتائب الهمجي لمصراته انتقاما لاندحارها من وسط المدينة مستمر. العنصر الجديد اليوم كان محاولة الهجوم على ميناء قصر حمد عن طريق ضفادع بشرية يقول الثوار أنهم قضوا عليها… عيب يا… لا أستطيع حتى أن أقول خاف ربك.. لأن الرب الوحيد الذي تعرفه موجود على الأرض.

الجديد اليوم كان ضرب الكابل البحري شرق وغرب سرت، وتمّ كذلك ضرب منظومة الألياف البصرية في منطقة الخمس. بعد ضرب محطتي المايكوويف شرق سرت وغربها منذ بضعة أيام يتضح أن الهدف هو عزل اتصالات الكتائب بقيادتها تماما في جبهة اجدابيا سرت…. إن كانت لا تزال باقية. أتصور أن خطوط الإمداد مقطوعة أو في طريقها إلى القطع… وننتظر تقدم الثوار إلى سرت.

تبقى قناة الجزيرة الدولية هي الأفضل في نقل الأحداث من ليبيا. لها مراسلون مميزون في بنغازي ومصراته وفي طرابلس إلى أن رفض النظام تجديد إقامتها وإذا بأنيتا ماكنوت تظهر في نالوت المحررة. تقاريرها مميزة وفريدة.. الصور من سوق خضروات مصراته وبداخله سبعة من دبابات النظام أعطبها الثوار… وقصة عادل الحاسي الذي خرج وحيدا في اليوم الموعود، يوم 17 فبراير، أمام المحكمة في بنغازي يهتف بسقوط النظام، وإذا بالسيدة مريم علي سالم تمنع الأمن من القبض عليه. بودي أن أقابل الإثنين قريبا إن شاء الله. لهذه الثورة قصصها التي تكتب مجتمعةً تاريخ أيام مجيدة.. وعصيبة نعم.. قصص من الشجاعة والتضحية.. من ألم فقد الأعزاء وعذاب الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ.. قصص ستروي إلى أي مدى يمكن أن يصير الإنسان وحشا قبيحا عاريا من كل قيمة سامية أو فطرة سوية… لقد حول نظام العبث والسفه والفساد جزءا لا يستهان به من شعبنا إلى درجات من الانحطاط لم يكن الكثيرون ليهبطوا إليها لولا تزيين القذافي لها وتحريضه عليها… بعضهم تورط وقد نسف جسور العودة، والبعض الآخر لا يزال في غيه.. يبرطع… إلى حين. 

هناك شيء ما يجري التحضير له. اجتماع لوزيري دفاع الولايات المتحدة وبريطانيا مع رئيسي الأركان في البلدين يشير إلى شيء ما كبير. من ناحية أخرى نرى وزير خارجية القذافي في أديس، وتنقل الأخبار وجود ‘اثنين من السفراء المنشقين’ لمناقشته… ماذا هناك يمكن أن يُبحث؟ يجب عدم إعطائه أي بصيص أمل في إمكان استمراره أو أحد أولاده فاعلا في الشأن الليبي بأي صفة كانت.. إدارة مؤقتة.. مرحلة انتقالية.. حكومة مختلطة… حل يمني أو تونسي أو مصري.. يجب ألا نفتح الباب أمام مراوغة القذافي وخداعه أو إعطائه ولو بصيصا من أمل أو فرصة لالتقاط أنفاسه…

أحمد قذاف الدم ومفتاح بوكر أنكرا للإعلام ضلوعهما في محاولة لتجنيد مرتزقة من الصحراء الغربية المصرية. ما صدر من الإثنين كان غير مقنع ولا مطمئِن. والاستثمارات الليبية في مصر التي تتجاوز تقديراتها العشرة مليارات من الدولارات لا تزال طليقة تحت إمرة قذاف الدم وابن عمه. أين الحكومة المصرية من قرار مجلس الأمن بتجميد الأصول الليبية؟ أين مصر من حبيبتها… الشرعية الدولية؟ موقف مصر مشين ومعيب وقصير نظر. إن مصلحة مصر أوسع وأبعد مدى من استثمارات القذافي، وأمن مصر مرهون بعلاقتها مع عمقها القومي والجغرافي في ليبيا. أخشى أن تكون نفس مصالح ومنافع نافذين في مصر، وإن تغيرت أسماء بعضهم وعناوين المصارف بعد يناير، هي العامل المقرر لسياسة مصر تجاه الثورة في ليبيا. التخوف موجود في مصر نفسها، وعلى نطاق واسع، من أن سقوط الرأس لم يعن سقوط النظام.

مخاض الثورة العسير في ليبيا، مقارنة بثورتي تونس ومصر، مرده في جانب من جوانبه إلى أن نجاحه سيعنى ثورة على النظام من جذوره… وبكل منطلقاته وتوجهاته ومؤسساته وثقافته ورموزه ومفرداته…. لذلك هو عسير وهو باهظ الثمن. عدد شهداء ثورة مصر كان أقل من ألف بين شعب تعداده 85 مليونا، وفي ليبيا فاق العشرة آلاف بين شعب تعداده ستة ملايين.. والعدّ مستمر.

الأربعاء 27 إبريل (70)

بعد اللمة.. مؤتمر قبائل

زرت صديقا هذا اليوم فوجدت أمام منزل جاره شابا بالملابس العسكرية (كتيبة ما) برتبة نقيب يقف وقفة المزهو بنفسه.. بنظارته السوداء وسيارة اللاند كروزر والسلاح. لدى هؤلاء رخصة لعمل أي شيء من دون خوف من حساب. باستطاعتهم تصوير أي جريمة دفاعا عن القائد، ضد عميل أو جرذ أو… لن يناقشهم أحد، بل قد تكون المكافأة نصيبهم…

سكان طرابلس من (الشراقه) متخوفون مما يدور من أنباء حول أشخاص يعتدون على منازل (الشراقه) تحديدا يرعبونهم ويسرقون الثمين من مقتنايتهم.

يصل طول طابور السيارات بمحطات البنزين إلى كيلومتر بالتمام والكمال.. وذلك من صفين يصبحان، عندما ينضم طابور النساء، ثلاثة صفوف. أما عند الاقتراب من المحطة فستجد بحرا من السيارات وقد نزل منها سائقوها بين الصياح والشجار وتدخل رجال الأمن بأسلحتهم. لا أدري كيف يصل سكان شارع بن عاشور إلى منازلهم.. الشارع مغلق عمليا بسب الازدحام على المحطات الموجودة به من طرفيه.

الكتائب تستمر في قصف مصراته وتركز الضرب على ميناء قصر حمد. قوات التحالف تقول أنها ضربت طابورا من السيارات المدنية وبينها دبابة كانت تتقدم نحو الميناء.

في المقابل القنفود يهنئ ‘أهلنا في مصراته على صمودهم في وجه العدوان الأطلسي على منشئاتنا الحيوية في مصراته وفي وجه القلة من الإرهابيين فيها… وفد شيوخ قبائل شرق طرابلس تم استقباله في مصراته هذا اليوم والأمور فيها على ما يرام’. النظام برمته، قائده وأولاده ومستخدموه وأبواقه غير قادرين على قول كلمة صدق واحدة… جبلوا على الكذب… لا يلامون… ولا يصدَّقون في شيء.

وصل طرابلس وفد الأمم المتحدة المكلف بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا. جلس معهم جانب النظام برئاسة بوخزام ليقدم لهم ملف خروقات حقوق الإنسان من طرف الإرهابيين وقوات التحالف! لا شك في أنهم سيقدمون لهم جرحى نتيجة ضربات التحالف وأعمال الإرهابيين، وسيقدمون لهم إرهابيين يدلون لهم باعترافات عن انتمائهم للقاعدة وغيرها… وقاحة يندر مثيلها أن يتحدث نظام القذافي عن انتهاكات غيره لحقوق الإنسان وأمام العالم جبال من انتهاكاته هو في الزاوية ومصراته والجبل الغربي واجدابيا وبنغازي وغيرها.

حوالي منتصف الليل كان هناك تحليق كثيف في سماء طرابلس تلته حوالي أربعة انفجارات.

الخميس 28 إبريل (71)

المناخ القادم

عند النزول إلى المدينة بالسيارة أصبح من الضروري وضع خط سير يكون الأقصر بين الأماكن التي يريد الوزاحد منا أن يمر بها، وأن يتحاشى الشوارع التي تضم محطات بنزين.. وهي قليلة. الازدحام أصبح لا يطاق خاصة عند الاقتراب من المحطات نفسها… واخبار القتلى تتزايد.

كان هناك تحليق متقطع فوق المدينة طوال اليوم. أما بعد الساعة 11 بقليل فقد كان هناك دوي انفجار هائل. خرجت فوق سطح المنزل فإذا بالجيران فوق أسطح منازلهم… يقولون أن الهدف ربما كان مقر الأمن الخارجي في الطريق إلى تاجوراء. قلت لجاري إنها كانت ضربة قوية هذه الليلة… رد قائلا: “باهية”.

المعارك محتدمة هذا اليوم للسيطرة على منفذ وازن على الحدود مع تونس. الأخبار تقول إن الكتائب قد استعادت السيطرة من أيدي الثوار.. وأخبار المساء تفيد أن الثوار قد يكونون استعادوا السيطرة مرة أخرى. القصف مستمر على جبهة مصراته بمنطقة زاوية المحجوب. واستمرت جبهة اجدابيا البريقة على هدوئها.

الولايات المتحدة تقرر السماح بالتعامل مع المجلس الوطني فيما يخص تسويق النفط الليبي… ولا يزال الاعتراف بالمجلس محتجبا؟

لم ألتق به منذ خروجه من مجلس التطوير الاقتصادي… وشاهدت محمود جبريل هذه الليلة على شاشة ليبيا في تسجيل لمؤتمر صحفي عقده بالكويت. شاهدته هذه الليلة مرتاحا relaxed كما لم أره في آخر بضع لقاءات لي معه قبل الأحداث الجارية. كنت في آخر مرة استقبلني فيها بمكتبه قد طلبت منه المشاركة بالكلمة الرئيسية في مؤتمر علمي كان أقدر المختصين الليبيين على مخاطبته. كان جوابه آية كريمة: “إني نذرت للرحمن صوماً، فلن أكلم بعد اليوم إنسيا”. قالا إنه لن يستمر في موقعه وقد وضع حدا أقصى لتركه ينتهي بعد بضعة أشهر (أغسطس 2010). كان متوترا. عاد إلى ليبيا لكي يكون أحد أعمدة الإصلاح الاقتصادي الموعود في إطار إصلاح شامل آن أوانه. وبمرور الوقت كنا نراه غير مقتنع بأن بالإمكان فعل شيء ذي قيمة، ولا فائدة ترجى مما هو جارٍ. في إحدى الجلسات، شبّه الإصلاح الذي يجري تناوله بأعمال يقوم بها ركاب قطار لإصلاح نافذة أو غيرها في الوقت الذي لا يعلم فيه أحد إلى أين يكون سائق ذلك القطار متجها بهم. الإنسان يعطي أفضل ما عنده عندما يكون منسجما مع موقعه ومحيطه ومرجعياته إن كانت أخلاقية أو وطنية أو دينية. رأيت محمود جبريل في حال انسجام. ليبيا ستكون غير ليبيا التي نعرف لو تحقق ذلك الانسجام بين منطلقات ومرجعيات الناس وإطار الدولة التي تجمعهم… وذلك التغيير الذي يصبو إليه الليبيون قادم إن شاء الله… ما لم يختطف.   

الجمعة 29 إبريل (72)

رتابة وشبه جمود

إذاعة بنغازي لزمن ربما طال لأكثر من ساعتين كانت تذيع مكالمات هاتفية مباشرة من مواطنين… مواطنات في معظمهن. هناك الكثير مما قالته المتحدثات كان يجب ألا يذاع، لما له من ردود فعل سلبية لدى بعض الناس.. بل مما هو ليس مقبولا من كل الناس. لا يجوز مثلا أن يقال أن حيا بأكمله ساكنوه “صياع” يعملون للنظام. إذاعة مثل هذا الكلام في هذه الأوقات الحرجة تؤلب شرائح من المجتمع ضد الثورة والثوار أو ضد شرق البلاد بأسره بحكم أن الإذاعة هي إذاعة بنغازي.. وقد أصل إلى وصفه بالهدام… مثل هذا البرنامج يجب أن يوقف إذا لم تكن له ضوابط. إعلام الثورة بحاجة إلى المزيد من الجهد الواعي والممنهج. المساهمة الكبرى في إعلام الثورة كانت بلا شك تلك التي قدمها الليبيون في الخارج مثل شمام ودوغه وبسيكري والقماطي. انفتاحهم على الغرب كان عاملا هاما في تكوينهم ومنطقهم وأسلوب الحوار لديهم. وأضيف إلى الإيجابيات قناة ليبيا الفضائية الجديدة وإذاعة مصراته رغم ضعف إمكانياتها وصعوبة العمل فيها. ويجد إعلام القذافي صدى له عند كثير من البسطاء والسذج، وذلك ما أعتبره نجاحا إعلاميا كبيرا، إذا ما تذكرنا أنه يدافع عن باطل وعن نظام ليست له حجة من واقع أو مبدأ أو تاريخ صدق.

استعاد ثوار جبل نفوسه الأشاوس منفذ وازن على الحدود مع تونس بعد معارك شرسة لجأ فيها جنود من الكتائب إلى تونس. تونس أعادت الجنود إلى ليبيا واكتفت بالاحتجاج لدى حكومة القذافي.

موقف قطر من الثورة الليبية موقف مميز وفريد. لذلك يجب استثناؤه من أي نقاش لمواقف الدول العربية. هنا نجد دولة الإمارات ثم الكويت والأردن… ثم لا أحد. أما الاعتراف فلم تعترف بالمجلس غير قطر. مصر امتنعت حتى عن تنفيذ قرار مجلس الأمن بتجميد أموال ليبيا التي لا تزال بملياراتها العشرة وأكثر. حتى موقف إعلامهم موقف متذبذب مشبوه. قناة العربية الليلة الماضية، مثلا، أذاعت خبر وقوع انفجارات في بنغازي. هذا الخبر لم تنقله أي قناة غير العربية. ستكون ثورة 17 فبراير مصدر قلق للأنظمة العربية إذا ما قيض لها النجاح التام بتحقيق أهدافها المعلنة، ولم تنته بأكثر من الإطاحة بالقذافي نفسه. ثورتا تونس ومصر في مرحلة إجهاض، والنظامان اللذان يجري تشكّلهما لن يفيا بتحقيق أهداف الثوار الحقيقية في البلدين. السطو على الثورات ليس شيئا غريبا.

القنفود سعيد بإذاعة خبر أن ميناء مصراته قد تم إغلاقه، وأن أي إعانات لسكان المدينة يجب أن تمر عبر الطرق البرية. في الأخبار أن مجموعة ضفادع بشرية قد حاولت تلغيم الميناء. قوات التحالف أفشلت العملية وأسرت ثلاثة من أفرادها.

تطورات الوضع تطبعها رتابة وشبه جمود. النظام يعتبر كل يوم يمر من دون انحسار ملموس لسلطته على العباد مكسبا تترجمه أبواقه إلى نجاحات وانتصارات على القوى الصليبية الغازية… وهو ما ينطلي بالفعل على الكثيرين. الثورة بحاجة إلى خلق قناعة راسخة لدى الليبيين بأن نظام القذافي مقبل على انهيار لا سبيل للهرب منه، وذلك بالعمل في ميادين التظاهر والاحتجاج وفي ميادين المواجهات العسكرية، وفي ميدان المواجهة الإعلامية.           

السبت 30 إبريل (73)

أقدس من الإمبراطور

نشرة أخبار صباح اليوم تفيد أن قصف الليلة الماضية استهدف مبنى الإذاعة على طريق الشط. وأن القذافي أذاع كلمة في ساعات الصباح الأولى من اليوم. علمت فيما بعد أن المبنى المستهدف كان مبنى وكالة الأنباء المجاور للإذاعة. أعتقد أن ساعة ضرب مركز أعصاب شبكات الاتصالات الوطنية والدولية في شارع الزاوية أصبحت قريبة. هناك تنتهي جميع منظومات الاتصالات البحرية والفضائية والسنتيمترية والكوابل الأرضية. تلك ستكون ضربة قاصمة.

أما كلمة القذافي التي سمعتها بعد الظهر فقد كانت مطمئنة إلى حد بعيد… مسكين. قال ما معناه:‘اقنعوا أبناءكم بالعودة عما هم فيه وأنا سأعطيهم المال والقروض والسيارات’! ومن ناحية أخرى وجدنا الرجل يستجدي ـ بطريقته ـ وقفا لضربات التحالف ولأن يتكرم أحد بالتفاوض معه.. يريد فرصة للمراوغة. حججه و‘عنطزته’ كانت مثيرة للضحك. ‘أنا أقدس من إمبراطور اليابان’.. ‘الشعب الليبي يرد الحرية والمجد’ … في كلمة سابقة قال ‘أنا المجد’… لا أعتقد أن الرجل يكذب، وهو ليس في حالة إنكار لشيء… هو واهم منفصل عن الواقع… delusional. إنه مريض بجنون العظمة وغيره من الأمراض التي أدت مجتمعة إلى هذه التركيبة الإجرامية والمضحكة في آن واحد. ندعو الله أن يعجل بتخليص الليبيين من شروره.

هو من سوق الجمعة. كان يتحدث عن الأعداد الكبيرة من شباب المنطقة الذين تم اعتقالهم. أطلق سراح أحدهم منذ يومين نتيجة تعرف أحد المسؤولين عليه. قال إنه من الصعب إمعان النظر في جسم الرجل من آثار التعذيب الذي تعرض له. سبب اعتقاله؟ رسائل نصية وجدوها بهاتفه النقال… إنهم يتفحصون الرسائل النصية المسجلة لديهم في الأسابيع الأولى من الثورة، فالرسائل النصية معطلة منذ مدة الآن. يطلب المسلحون في النقاط الأمنية المنتشرة بالمدينة الهاتف النقال ليتفحصوا الرسائل والمقاطع الصوتية والمرئية المسجلة عليها، و‘الممنوعات’ تودي بصاحبها إلى التهلكة.

اطّلعت على دعوة إلى حفل زفاف في قاعة كذا هذا الأسبوع… الساعة الرابعة مساء!

شاهدت مرة أخرى هذه الليلة مشهدا لقتلى المظاهرات في سوريا وقد رموا العشرات منهم فوق بعضهم البعض في مبرد خضروات. ذكرني بخبر انتشر منذ فترة بأن جثامين القتلى يودعون بمبردات مطاعم الفنادق بطرابلس، ومنها الفندق الكبير، بعد أن غصت ثلاجة الموتى بالمستشفى.

الطائرات لم تتوقف عن التحليق منذ المغرب هذا اليوم. كان هناك انفجاران قويان سمعا حوالي الثامنة.  والتحليق مستمر إلى الآن.. الساعة 11.45… لا شك أنه مضطرب جدا… مش عارف وين تكون… للعذاب أشكال.

الكثير من العائلات ينتظرن انتهاء الامتحانات، وبعده سيتوجهن إلى تونس. من المتوقع أن يشتد ازدحام المسافرين إلى تونس حينئذ. والتعليم لم تعلن عن مواعيد الامتحانات بعد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *