يوميات مايو 2011

الأحد 1 مايو (74)

أعجوبتان في يومين متتاليين

مررت كالعادة على قنوات التلفزيون المعتادة قبل أن أتوجه إلى النوم، وإذا بخبر مفاده أن أحد أبناء القذافي قد قتل في غارة الليلة الماضية ومعه ثلاثة من أحفاد معمر. ثلاثة من أحفاد معمر دفعة واحدة، وكانوا في بيت عمهم أو خالهم الأعزب وبحضور أب الأسرة وأمها. القذافي الأب نجا بأعجوبة. ماذا كانوا يفعلون؟ سهرة؟ عيد ميلاد أحد الأحفاد؟ في هذا الوقت؟ والرجل يعرف أنه مستهدف؟ معالم الفبركة واضحة.. والكذب خلقهم الذي يستطيعون منه فكاكاً… سيف العرب قتل؟ ربما.. ولكن ليس أكثر من ذلك.

يوم أمس ادّعوا نجاة أخرى بأعجوبة حين قصفت الإذاعة أثناء توجيهه كلمة منها. الكلمة كانت مسجلة بكل تأكيد، وهو لا يتوجه إلى استوديو الإذاعة لتسجيل كلماته. ولكنه مرّر كذبته، فقد كانت الإذاعات تكرر نفس الخبر نقلا عن القنفود الليبي بدون تدقيق أو لفت انتباه إلى احتمال عدم دقة الخبر. وكذلك كان الحال بالنسبة لنجاته من الغارة على منزل ابنه… بأعجوبة أخرى.

بلاد في حالة حرب، أراضيها مقطعة الأوصال، يجري دكّ مواقعها الحيوية يوميا، رأس نظامها مطلوب، ‘يُقتل أحد أبناء رئيسها وثلاثة من أحفاده’ في غارة جوية. الطبيعي أن يعم الغضب مدنها وأن يخرج الشعب ملتفا حول زعيمه منددا بالعدوان ومتحديا له. ظننت أن فيما سأجد بالشارع هذا اليوم استفتاءً عفويا حول شعبية الزعيم، بل وشرعية وجوده على رأس الدولة. مررت بشوارع المدينة فلم أجد شيئا من ذلك القبيل. الحياة والحركة على الطبيعة التي ألفناها منذ فترة. مبني السفارة الإيطالية يغطيه سواد دخان حريق أضرمته ’الجماهير الغاضبة‘ فيه وفي مباني سفارات غربية أخرى بليْل.. ولا شيء غير ذلك. أي تقريب لنسبة الولاء كما يتضح من مثل هذا ’الاستفتاء‘ ستكون أقرب إلى الصفر من أي رقم آخر. سكان بنغازي خرجوا محتفلين. وددت أنهم لم يخرجوا. كلمة مصطفى عبد الجليل كانت متزنة ومحترمة.

غياب خبر ما يكون في أهمية حدوثه أحيانا، ولكنه لا يجذب نفس الدرجة من الاهتمام. القذافي طلب من روسيا أن تدعو إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي لبحث تجاوزات التحالف في تنفيذ القرار 1973. ولم يحدث شيء. القذافي طلب أيضا اجتماع قمة طارئا للاتحاد الإفريقي لبحث الأزمة الليبية. ومرة أخرى لم يحدث شيء. وكانت هناك توقعات بموجة من تنديد معسكر الأصدقاء بغارة الليلة الماضية التي استهدفت ’القذافي وأسرته’. ولم نسمع بغير روسيا وتشافيز يندد بمحاولة اغتيال ‘صديقه’. الرجل بدأ يفقد أصدقاءه… لأنهم بدؤوا يفقدون الأمل في بقائه.

هو فنان ومعماري[1]. زرته اليوم في مسكنه المتواضع. كفاءة عالية في ميدانه، محترم لم يتملق ولم يتسلق إلى حيث كان بإمكانه أن يصل. أطلعني على مجموعة كبيرة من الرسوم المائية يعكس فيها مشاهداته عن الحياة في المدينة هذه الأيام. كأني به يكتب يومياته. استعدت صورة زميل مهنة من زملائه، مستواه العلمي متدنٍّ جدا، ولكنه ‘ما قصّر’ أبدا طيلة دراسته بالجامعة وفي إحياء 7 إبريل كل عام وحضور الملتقيات إياها وغير ذلك من النشاطات الملازمة لعضوية اللجان وفرص الوثوب إلى المناصب ‘النافعة’. وهكذا كان.

القلق يزداد مما قد يكون مقبلا من أحداث في طرابلس، وخاصة فيما يتعلق بـ ‘الشراقة’. تم لفت نظري إلى حملة تحريض مكشوفة على إحدى القنوات يديرها كل ليلة نفس ذلك المذيع الذي خرج على الناس مرة مشهراً بندقية؟ كثيرون تركوا المدينة. أعرف عددا منهم. هل نرحل بجميع أفراد الأسرة إلى تونس قبل أن يجيء يوم تُقفل فيه الحدود؟ وماذا عن المنازل والمقتنيات؟ إضافة إلى أنه لا يمكن لأحد تقدير كم من الزمن سيستغرق هذا المخاض. تفكيري في الرحيل الآن جدي، وما سيترتب على أي قرار سيكون كبيرا. أميل إلى تشجيع الأبناء على الرحيل أولا… لا أدري. نظام دموي إجرامي سيفعل في أيامه الأخيرة أي شيء.

الإثنين 2 مايو (75)

موت وموت

خبر الصباح الأول والثاني والعاشر لهذا اليوم ومنذ ساعات الصباح الأولى كان مقتل أسامة بن لادن. المحطة الوحيدة التي لم تهتم بالخبر بنفس القدر كانت القنفود. في ليبيا كان هناك ‘مقتل’ شخص أو أشخاص آخرين وتشييع جنازتهم اليوم… سيف العرب والأحفاد. الجنازة كانت فوضوية وصغيرة لمثل هذا الحدث… والقذافي نفسه لم يكن هناك.

ابن لادن كانت له فلسفة ورؤية قد نختلف معها اختلافا حادا، ولكن منطلقاتها وأهدافها تبقى في نطاق عقيدة مجتمعه؛ لم يخرج عنها. لذلك يبقى، رغم كل الاختلافات معه، جديرا بالاحترام. القذافي في المقابل صاحب أجندة شخصية لا تستند إلى خلق أو مبدأ أو هدف يُقصد به الخير لمجتمعه. قام بعملية سطو كبرى، ثم وظف الشعارات والعواطف ولم يتردد في قتل شعبه فرادى وجماعات إلى أن أصبحت سلطته مطلقة وشرع في تأسيس دولة الأسرة القذافية في ليبيا. الأول قد يكون أخطأ السبيل، أما الثاني فقد أجرم يقينا ولا يستحق احتراما ولا استرحاما.

الولايات المتحدة تعلن أن الأمر من الرئيس كان بالقتل. بالقتل؟ صراحةً؟ خرجت حشود من الناس في نيويورك وغيرها من المدن الأمريكية محتفلة بالانتصار… بانتصار القوة العظمى على شخص فرد من دون دولة أو جيش؟ كان احتفالا بالموت في وقت كان بالإمكان القبض عليه ومحاكمته. العامة من الناس هم العامة من الناس أينما كانوا. بالأمس احتفل ليبيون بموت ابن القذافي… إن كان قد مات.

تركيا أعلنت عن غلق سفارتها بطرابلس. أرى أن في ذلك مغزى، وله معنى سيظهر فيما بعد. تركيا بدأت تنأى بنفسها عن نظام القذافي، وهي ربما ستكون من المشاركين في عمل عسكري ما سيغضب القذافي.

سمعنا أصوات الطائرات في الصباح وفي المساء. لم نسمع أصوات انفجارات. يظهر أن الضربات على الكتائب في محيط مصراته كانت شديدة اليوم، حتى أن قصفها للميناء توقف. الطائرات قامت بقصف الكتائب في محيط الزنتان أيضا.

القنفود يعيد مقطعا يمتد لبضعة ثوان للمذيع غسان بن جدو يقول فيه إنه ترك الجزيرة لأنها أصبحت تمارس دورا تحريضيا. ليس في رواية القنفود سياق أو صورة متكاملة عن أسباب وظروف ترك بن جدو للجزيرة. لو كان الأمر كذلك ما كان القنفود قنفودا. كان القنفود وضيفه اليومي سعيدا جدا بهذه اللقطة، وهو في أمس الحاجة لأي شيء يساعده في مهمته الصعبة والتي يمارسها محرضا بحيَل لا يعرف غيرها.. كذب ودجل ومشاهد من السحر والشعوذة. أما بن جدو فهو مذيع مميز ومحترم، وموقفه الأخير من الجزيرة لا بد وأن يقابل بالاحترام… بالفعل هو على حق فالجزيرة تلعب دورا تحريضيا. ولكن ما هو الترويج والتزيين والتوعية التي سنتفق على أنها مهام يقوم بها الإعلام بكل أشكاله وفي كل مكان. ستختلف وسائل الإعلام في أهدافها وفي وسائلها والسلوكيات التي تلتزم بها، ولكن مهامها في النهاية هي التوعية والترويج لفكرلأفكار أو مصالح معينة. للجزيرة رؤية ورسالة ولأصحابها أهدافهم ومصالحهم. ذلك كله لا شك فيه ولا عيب. فما الجديد؟ الجزيرة لم تكن محايدة في تغطيتها لغزو العراق ورسائل أحمد منصور من الفلوجة خير دليل، ولم تكن محايدة في تغطيتها لغزو إسرائيل للبنان وغسان بن جدو نفسه خير شاهد. الجزيرة لم تواكب الثورة التونسية مواكبة فاعلة إلا بعد أن تصاعد زخمها واتضح ما قد يكون عليه دورها كشرارة قد توقد ثورة عربية كبرى. وواكبت الجزيرة الثورات العربية في مصر وليبيا واليمن وسوريا بنفس الوتيرة العالية.. وإن يؤخذ عليها تقصير واضح تجاه ثورة البحرين، فقد كانت للمصالح الغلبة للأسف. نعم الجزيرة كانت مشاركا في صنع كل تلك الأحداث. وأرى أنه من غير المرغوب فيه ولا من الممكن أن تكون وسيلة إعلام ما محايدة بلا طعم ولا لون. للجزيرة لون وطعم عروبيان، وللجزيرة دور بارز في تغيرات كبرى جارية في الوطن العربي تنهي ـ نأمل ـ عقودا طويلة من الاستبداد والقهر والذل… ومن التخلف وسخرية العالم من أمة تأبى أن تفتك زمام أمورها من جلاديها. دين الجزيرة بتحريضها هذا كبير جدا.

بدأت الشركات والمؤسسات بتقليص عدد أيام العمل لموظفيها باستثناء أعداد محدودة منهم من ستة أيام في الأسبوع  إلى ثلاثة. شركات الاتصالات مثال على ذلك. السبب يعود إلى النقص الحاد في البنزين… قريبا ستتوقف العجلة تماما… وستكون الشوارع مقفرة من السيارات. وعدني صديق منذ يومين بجالون بنزين بسعر قد يصل إلى 80 دينارا. سألته من أين تكون ‘واسطته’، فقال من الكتائب… يجاهدون على جبهات عدة! حدود السجن عمليا إلى الآن هي حدود المدينة. وغدا ستتقلص هذه الحدود إلى المدى الذي يستطيع أن يمشيه شخص على رجليه إذا لم تكن عنده دراجة هوائية. والدراجات ارتفع سعرها هي كذلك.

حدود سجن طرابلس ليست في الواقع بمساحة المدينة. إنها لا تكاد تتجاوز القفص الصدري. إنه جو خانق ليس فقط من جانب التعبير، فذلك ما تدربنا عليه وتعودناه وسئمناه على مدى أربعين عاما. في طرابلس يعيش الفرد في خوف من أن يوقفك أحدهم في الشارع ليفتش المقاطع الصوتية والمرئية والرسائل المخزنة على هاتفك النقال، أو قد يفاجئك أحدهم ليجد راديو السيارة مضبوطا على إذاعة مصراته أو بنغازي. لا تكاد تستطيع التحدث مع غريب خشية رد فعله إن كنت ‘شرقاوي’. تخشى المشبوهين من جيرانك أن يبيعوك بفرية مقابل دراهم. قد يُطلب منك عمل ما مثل أن تتوجه إلى منطقة ما ضمن وفد مصالحة أو إلى جبهة من جبهات المعارك لتواجه أهلك. قد يطلبون من منك ضمن كافة زملائك من الموظفين أن تستقل حافلة تذهب بك إلى ملتقى أو مسيرة أو… يعيش الناس تحت هاجس أن يأتي زوار بعد منتصف الليل إما بحثا عن شخص لاقتياده إلى جهة ولزمن غير معلومين أو بحثا عن غنيمةٍ من مقتنيات الأسرة. كل هذا حدث ويحدث. ويبقى إيماننا بقدر الله وبأن ما فيه هو الخير مثبتا لنا بالصبر والتفاؤل بما هو آت.  

الثلاثاء 3 مايو (77)

تركيا ومن بعدها

بعد إيطاليا جاء دور تركيا لتغيّر موقفها من صديقها، القذافي. تكلم أردوغان اليوم ليقول للقذافي إن عليه أن يرحل فورا فقد ولى زمن تفرد الأشخاص بحكم الدول… أخيرا يا سيد أردوغان… ولكن أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا. تتوالى أمام دول العالم علامات قرب النهاية، لذلك هم يتخلون عن القذافي ويتحولون إلى المقبل من الأيام. مصر أرسلت مبعوثا إلى طرابلس وآخر إلى بنغازي ومسؤول العلاقات الخارجية بالمجلس الوطني في القاهرة. هل هناك تحرك قادم من الشرق؟ هل ستحذو ألمانيا حذو تركيا وإيطاليا من قبلها؟

قصف الكتائب لمدن الجبل الغربي ومصراته متواصل. والمهلة التي أعطاها النظام لثوار مصراته لإلقاء السلاح تنتهي اليوم.. أشك في أن ذلك يعني شيئا.

معلق في إحدى شقيقات القنفود، أستاذ دكتور شخص ما، الليلة الماضية يطالب بحماية الحقوق الأساسية للإنسان في توفير الغذاء والدواء له.. مضيفا الوقود! قال إن قرار مجلس الأمن الدولي لا يتضمن حصارا بحريا الأمر الذي يمنع توفير هذه الأساسيات. قال إنه يخاطب الدولة الليبية مثلما يخاطب المجتمع الدولي مطالبا بعدم منع الغذاء والدواء والوقود عنهم… والوقود. واضح أن هذه هي مشكلته الآن… ويبحث عن حل.. يبحث عمن هو مستعد للحديث معه.

سمعنا أصوات انفجارات صاحبت تحليقا جويا في سماء المدينة قبيل المغرب… واستمر التحليق متقطعا إلى ما بعد الثالثة والنصف… التحليق حتى من دون قصف من شأنه التأثير على أعصاب المرتجفين تحت الأرض.

هناك خبر بحدوث انفجار سيارة مفخخة قرب مقر المجلس الوطني في بنغازي. تلك هي وسائله، وله من التبّع من يرون في نهايته نهاية لهم… كل الذين أجرموا بالقتل والتعذيب والاعتداء على الحرمات.. هم الغرقى فما خوفهم من البلل؟ الإجرام دأبه ودأبهم.

غابت قناة ليبيا لديّ بسبب تحرك طبق الالتقاط وضعف إشارة الالتقاط. قضيت جزءا من اليوم في تركيب طبق التقاط أكبر. غابت عنا قناة ليبيا وأخبار ليبيا يوم أمس فوق احتكار وفاة أسامة بن لادن المساحة بشكل شبه كامل طول اليوم. فني التركيب تحدث عن توتر في سوق الجمعة. من ضمن ما يفعله الشباب هو تلوين القطط والدجاج بألوان علم الاستقلال وإطلاقها في الشارع!

قصص القتل والاغتصاب والسلب أينما يدخل رجال الكتائب تثير أسئلة؟ ليس كافيا أن يقول أحد أن هؤلاء يعملون تحت أوامر. أين روادع الدين والأخلاق؟ هذه هي التي تحكم سلوك الفرد إلى جانب القانون… إن وجد من يفعّله. ما نراه أمام أعيننا في حقيقة الأمر دليل على غياب الالتزام الديني والأخلاقي لدى المنتسبين لهذه الكتائب. وهنا يلح سؤال ينبغي أن يُطرح، وهو “ما مدى تمثيل هؤلاء المجرمين لثقافة وسلوك جيلهم؟’.  

الأربعاء 4 مايو (78)

مصراته المفتاح

سمعت أن سيف قد تكلم في وقت متأخر من الليلة الماضية. لم يكن لديه جديد. أهم ما هناك أنه كشف كذب ادعاء النظام بأن القذافي وصفية قد نجيا بأعجوبة من القصف الذي أدى إلى وفاة سيف العرب. فقد قال سيف أنه هو من أبلغ والديه بوفاة أخيه، وهذا لا يستقيم مع وجودهما معه في نفس البيت عند وقوع الغارة.

المنتظرون لأدوارهم في محطات البنزين بدؤوا يتجمعون ويكونون علاقات ويشاركون في الطهي (مبكبكة طبعا) في الحدائق والشوارع حيث توجد المحطات. سعر الجالون وصل إلى 150 دينارا. هناك الكثير من الشجار، حتى أن الأمن استعمل قنبلة أو أكثر مسيلة للدموع في إحدى محطات حي الأندلس. يحمدوا ربهم إنها ما كانتش قنبلة انشطارية!

تم تأجيل مواعيد امتحانات كافة مراحل التعليم، رغم النقص الحاد في البنزين. النظام بحاجة إلى من باستطاعته جمعهم في مسيرات ’الالتحام بالقائد‘. لا أجد سببا غير ذلك.

هناك أخبار تفيد بأنه قد منع من هم بين الثامنة عشر والأربعين من العمر من المغادرة عبر راس اجدير. السبب كما يقال هو حملة تجنيد إجباري سيشرع فيها النظام قريبا.

دخل عدد من مسلحي الكتائب إلى بيتها بعد الثانية صباحا، وكانوا سكارى. فتشوا ثم أخذوا كل ما استطاعوا أن يعودوا به من مقتنيات المرأة بما في ذلك سبعة آلاف دينار وتفريغ خزنة الملابس والذهاب بكل ما كان بها. وتعتبر هذه السيدة نفسها محظوظة أن مجوهراتها لم تكن بالمنزل.

بالتزامن مع إغلاق السفارة التركية في طرابلس، رحّلت تركيا مواطنيها من طرابلس بهدوء. ذلك ما حدث مع العاملين بفندق ريكسوس.. رحلوا جميعهم، وقبل الوقت المبلغ إلى السلطات الليبية بساعات رغبة في تفادي أي إجراء قد تقوم به السلطات لعرقلة الرحيل واستعمالهم كرهائن… ربما. ولم يخرج أردوغان بموقفه الجديد ومطالبته للقذافي بالتنحي فورا إلا بعد ذلك. الرجل مكشوف لأصدقائه مثلما هو مكشوف لأعدائه كشخص لا عهد له ولا ثقة فيه… يستطيع ان يقول أي شيء وإن كان حقيقة، ولن يصدقه أو يأمن جانبه أحد.

كان هناك تحليق متواصل لطيران التحالف ما بين الثامنة والحادية عشرة مساء، غير أننا لم نسمع أصوات انفجارات. جاري الذي صعد لسطح منزله يقول إن الطيران كان منخفضا وأنه كانت هناك أضواء سطعة تنبعث من تلك الطائرات.

انتهت مهلة مصراته لتسليم السلاح ولم يحدث شيء، بل إن القذافي أعلن تمديد تلك المهلة. إلا أن القنفود اتهم هذه الليلة قوات التحالف بقصف ما أسماه بالبنية التحتية في مصراته، ما يجعلنا نتساءل ما الذي تقوم به الكتائب في مواجهة مصراته الآن؟

أوكامبو محكمة الجنايات الدولية قدم تقريره إلى مجلس الأمن، قائلا إن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم ضد الإنسانية ترتكب في ليبيا وأن لديه الآن الأدلة لتوجيه اتهامات لثلاثة أشخاص… كانوا خمسة في أخبار الأمس!

الخميس 5 مايو (79)

ببغاوات القبائل

اليوم ينعقد اجتماع لجنة الاتصال في روما. تم الاتفاق على آلية للدعم المالي للمجلس الوطني الانتقالي وإنشاء صندوق للغرض. أموال ليبيا المجمدة في مختلف دول العالم قد تتجاوز 120 مليار دولار، والولايات المتحدة في مقدمة الدول التي تبحث في وسيلة لاستخدام جزء منها لدعم المجلس الوطني. في تصريحات لوزير الخارجية الإيطالي ذكر أنه قد يكون بالإمكان التوصل إلى وقف لإطلاق النار في ليبيا خلال ثلاثة أسابيع. إن معدل التقدم الحاصل الآن يجعل من هذا التقدير شيئا مفرطا في التفاؤل. ووقف إطلاق النار بالشروط المرضية لليبيين بعد كل هذه التضحيات لا يمكن أن يكون في الواقع مجرد وقف لإطلاق النار، بل تركيعا للقذافي، بالقبول برحيله وأولاده وسحب كتائبه من المدن. أي شيء أقل من ذلك يجب أن يكون مرفوضا تماما… فهذا الرجل لا أمان له ولا صدق لعهوده ووعوده… شيخ الزنتان وقائد مقاومتها الشيخ محمد المدني كان يتفاوض مع كتائب القذافي منذ يومين عندما أطلقوا عليه النار.. رحم الله الشيخ محمد المدني… القذافي إما أن يركع صاغرا أو يرحل عن عالمنا رحيله النهائي.

أزمة البنزين تسوء من يوم إلى يوم، ولا يبدو لها حل. كانت مفارقة أن نشاهد على التلفزيون صهاريج الوقود تعبر بوابة ذهيبة التونسية إلى نالوت والجبل الذي استعصى على القذافي تطويعه، في الوقت الذي تستفحل فيه الأزمة في طرابلس والمناطق التي يسيطر عليها النظام. كان الجبل المتمرد هو المحاصر من قبل القذافي بمنع الوقود عنه إلى جانب الغذاء والدواء وقطع المياه والاتصالات والكهرباء، حتى أيام قليلة مضت. الجبل الغربي متصل عضويا بتونس الآن، ومنقطع تماما عن ليبيا القذافي… باستثناء ما يرسله من قذائف وصواريخ ومسلحين لا يزالون يسطون ليلا على المنازل في يفرن تحديدا كما روى لي صديقٌ اليوم.

انضم إلى جلستنا فكان ساخطاً لنقص الوقود. وقال إن الحظر على الوقود ليس جزءاً من قرارات مجلس الأمن.. لماذا تعاقب قوات التحالف الليبيين؟ قيل له إن استعمال الوقود لا يقتصر على المواطنين، فهو الذي يسيّر أرتال الكتائب لقصف المدن. ولكن صاحبنا استمر على اعتراضه. كثير من الليبيين لا يبالون ما يحدث للقذافي ويودون أن يروه قد اختفى من حياتهم، ولكنهم لا يريدون أن يدفعوا أي ثمن أو يضحوا بشيء. والقضية الآن ـ بالنسبة لهؤلاء ـ بين القذافي ودول التحالف… هكذا!!!! وهذه كانت المشكلة على مدى اثنين وأربعين عاما، إلى أن خرج جيلٌ رافضٌ جَسور أضاء الطريق، مضرجا بالدماء. تتوقع أن يستحي أولئك المتابعون عن بعد في انتظار أن ينتهي الشريط إلى نهاية سعيدة… ومن دون مقابل.

اتصل بي صديق بعد الواحدة صباحاً عارضاً تعبئة سيارتي بالبنزين إذا حضرت حالا. ترددت كثيرا ثم توجهت إليه. إنه موظف بإحدى المصالح الحكومية توفرت لديها كمية محدودة من البنزين لتسيير أعمالها. كانت هناك نقطة أمنية واحدة على الطريق. الشوارع كانت مقفرة إلا من تلك الطوابير الطويلة جدا من السيارات والازدحام الشديد مع تواجد كثيف لرجال الأمن عند محطات البنزين نفسها. عبأت خزان سيارتي وعدت إلى بيتي عبر الشوارع الخالية بسلام… مرة أخرى، ولاء موظفي النظام ليس للنظام.

سمعت أن القنفود أذاع الأسبوع الماضي مشاهد لطير ببغاء يردد “الله ومعمر وليبيا وبس”… سبحان الله، القنفود يرى أن في ترديد الببغاء لما يسمعه شيئا عجيبا!

اخترع خيال القائمين على إدارة الأزمة من جانب النظام إطاراً أسموه ملتقى شيوخ وأعيان القبائل الليبية، أو قد يكون هذا الملتقى استنساخا لمؤتمرات اللويا جيرقا في أفغانستان. القنفود كان مشغولا معظم اليوم بنقل الحدث. من معالم نهضة البلاد بعد الاستقلال أنها بدأت في التحول التدريجي عن إطار الانتماء القبلي فيما يتعلق بقضايا الشأن العام. لم تعقد قبائل ليبيا مثل هذا المؤتمر خلال المخاض السابق للانتقال إلى الاستقلال سنة 1951. هذه نقلة موغلة في الرجعية، أو محاكاة لنظام لا يتطلع الليبيون إلى تطبيقه في بلادهم. والذين شاهدناهم اليوم لم يكونوا شيوخ قبائل بالمعنى والنفوذ والتأثير المعروف قبل عقود من الزمن. هم في الواقع رجال موالون للقذافي تم اختيارهم من بين عموم قبائل ليبيا، فلا هم شيوخ ذوو تأثير فاعل على القبائل التي ينتمون إليها، ولا هم ممثلون للاتجاهات السياسية المختلفة داخل قبائلهم نفسها. منظرهم كان مثيرا للانتباه. ارتدوا ملابس ليبية بجرود بيضاء يبدو أنها وزعت عليهم بالمناسبة… مكسب من المكاسب! كانوا معلَّبين في نفس القالب من الجرود البيضاء وجلسوا في صفوف مستقيمة منظمة. الصورة، لولا الملابس، كان يمكن استخراجها من ألبوم تلك الاجتماعات السنوية للأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية قبل اندثارها. إلا أنه كان هناك شغب في جزء من اللقاء، لم أعرف سببه. وذكرني ’شيوخ‘ هذه القبائل عند ترديدهم لنفس ذلك الشعار السخيف بالببغاء على شاشة القنفود…. هنا يكمن العجب لا في الببغاوات.

الجمعة 6 مايو (80)

سرّ القبعات الصفر

الثوار استعادوا السيطرة الكاملة على الكفرة.

فرنسا طردت 14 دبلومسيا ليبيا.. ماذا كانوا يفعلون هناك إلى الآن؟

الثورة في سوريا تتصاعد، وفي اليمن مستمرة بنفس الزخم الكبير طيلة هذه الأشهر. في المقابل ثورة ليبيا في حالة من الجمود، وكذلك أخبارها تراجعت في كافة النشرات.

واستمر ملتقى القبائل في يومه الثاني. كان إبراهيم الغويل نجم التنظير والحماس لكل ما هو قذافي. اقترح الغويل أن تجمع القبائل 5000 شخص من كل قبيلة يتجهون إلى شيوخ القبائل بالمناطق التي يسيطر عليها المتمردون بغية المصالحة!… القائمون على المؤتمر يقولون أن الحضور يمثلون 2000 قبيلة ليبية. ألا تعرف الحساب يا سيد إبراهيم؟ حاصل ضرب 2000 في 5000 سيكون 10 مليون!!!!! هو مظلوم لأنه لو عرف الحساب لما كان حيث هو، والجهل بالحساب الآخِر ستكون عواقبه أدهى وأمر. ولم يقصر بوخزام أيضا، إلا أن الغويل كان له نصيب الأسد من الثناء والمديح. ألا يعلمان أن الفيلم قد انتهى؟

تبث قناة ليبيا ضمن “لقاء الساعة” شهادة لناصر الحسوني منسق اللجان الثورية السابق في بنغازي. شهادة الحسوني هي أهم وأخطر الشهادات والتصريحات التي ظهرت من جانب أفراد منشقين عن النظام حتى الآن. شرح في جزئها الأول الاستعدادات لمواجهة الثورة والسناريوهات المعدة لذلك، والمشاركين فيها بقيادة سيف طبعا. تعرفنا إلى هوية ذوي القبعات الصفر. كانوا 1800 شخصاً من قبائل القذاذفة والمقارحة وأولاد سليمان تحديدا، جيء بهم لمواجهة الثورة. هذه هي الفئات التي يعول عليها القذافي، وغيرهم أدوات وديكور مقابل ما يتكرم به عليهم من جرود وسيارات وقروض. ولا يزال هناك من لا يفهم.

لا تزال الجزيرة الإنجليزية بمراسليها وأخبارها وبرامجها، في رأيي، القناة الأكثر تميّزا بين القنوات العربية والإنجليزية في نقل أحداث ليبيا. شاهدت الليلة الماضية جزءا من حلقة برنامج تبثه القناة عن الثورات العربية. كانت الحلقة عن محمد نبوس. وبالصدفة تمكنت من مشاهدة إعادة للحلقة كاملة هذا الصباح. محمد نبوس، 28 عاما، القادم من كندا كان شعلة النشاط الإعلامي للثورة في أسابيعها الأولى. كان الخبير والفني والمراسل الذي نقل الأحداث بالصوت والصورة عبر الإنترنت، ورغم أن النظام كان قد قطعها عن بنغازي، إلى العالم كله. لم يترك محمد نقطة ساخنة من نقاط المواجهة مع زبانية الطاغية إلا وكان سباقا لنقل الحدث منها. الحلقة كانت غنية بمقاطعها المرئية التوثيقية، فظهر محمد بصفات قيادية واضحة. كان ثائرا شجاعا وظف علمه في خدمة وطنه في ساعات ثورته المجيدة .. والدامية. كان في كل مكان في بنغازي وفي الخط الأمامي من الجبهة.. كان في الزويتينة فنقل صورة تدمير محطة توليد الكهرباء  وخزانات وقودها، ثم كان في حي الدولار ينقل صور الدمار فيه، وأخيرا إلى خط مواجهة الكتائب في دخولها إلى بنغازي… أصابوه بطلقة في رأسه… استشهد محمد. وانحدرت الدموع. التفتّ فوجدتها منحدرة على وجه من كانوا معي. عليك الرحمة يا محمد، ولأهلك وكل من عرفوك الصبر والثبات.

عبد القادر بوهدمه شاعر شعبي من اجدابيا عُرف لجمهور الإنترنت على مدى سنوات طويلة بالأجدابي. اكتشف النظام أمره منذ عدة شهور فاعتُقل وحُقق معه، وإن أحسن معاملته واستقبله عبد الله وسيف والقذافي شخصيا. اتبعوا معه الوجه الآخر لتعاملهم الجديد مع المعارضين، فكان جهدهم منصبا على كسبه أو تحييده. لم يكن عبد القادر في مأمن من النظام في أي وقت بعد إطلاق سراحه، ولا أعتقه بعض الليبيين من شكوكهم فيه. رجحت وقتها أن ينتقم النظام منه في الوقت الذي يراه مناسبا، ودعوت أن يحفظه الله. نسمعه على قناة ليبيا هذه الأيام تكرر قصيدته “حشاهم ما هم جرذان”[2] بصوته، ثم في قصيدته “مَنْ نحنا؟”.. تذاع القصيدتان بصوت الشاعر من دون ذكر اسمه.. أظنه عبد القادر. جاءت ثورة فبراير لتعطيه نفَسا جديدا ولقصائده طعما جديدا. أحسنت يا عبد القادر.

السبت 7 مايو (81)

لويا جيرقا القبائل قناعاً

قصفت الكتائب محطة كهرباء قصر حمد وصهاريج الوقود مضرمة فيها النيران. واستعمل النظام طائرات زراعية دهنت بعلامة الصليب الأحمر لزرع ألغام في الميناء. وواصلت الكتائب قصفها لمواقع الثوار في الجبل الغربي ومنطقة وازن، وسقطت بعض القذائف داخل الحدود التونسية مرة أخرى. الحكومة التونسية أضعف من أن تتخذ مواقفا حازما من النظام.

غرقت مركب كان قد انطلق من طرابلس حاملا 600 مهاجر غير شرعي إفريقي متوجهين إلى إيطاليا. يُعتقد أن 15 فقط قد نجوا.

عقد البغدادي المحمودي مؤتمرا صحفيا تركز على نقطتين. الأولى كانت أن مؤتمر القبائل الليبية هو الآن الجهة ‘المخولة من الشعب الليبي’ بإجراء الحوار الوطني والحوار مع الخارج، وبذلك يكون المجلس الوطني الانتقالي قد انتهى… هكذا. حكومته ستأخذ مقعدا خلفيا الآن. يوجد خطان أحمران كما قال، هما وحدة ليبيا ومعمر القذافي! النقطة الثانية كانت تخص الأموال الليبية المجمدة في الخارج. لا أحد يملك حق التصرف في هذه الأموال كما قال سوى المصرف المركزي الليبي. كان واضحا أن النظام منزعج جدا من قرار مؤتمر روما بإنشاء آلية لتمويل المجلس الوطني ونظر بعض الدول في استخدام الأموال الليبية المجمدة لهذا الغرض. وأعلن أنه سيتم دفع مرتبات الموظفين في المنطقة الشرقية وإرسال المواد التموينية إليهم. كان البغدادي مهادنا لدول التحالف إلى أبعد الحدود. مثال على ذلك أنه رفض مجرد التعليق على طرد فرنسا لأربعة عشر دبلوماسيا ليبياً قائلا إن ليبيا حريصة على إقامة أفضل العلاقات مع فرنسا!

خطاب القذافي إلى شعبه يختلف تماما فهو مستمر في القتل والحصار والتجويع والترويع. أما الكذب فهو من نصيب الخارج والداخل معا. خرج شاكير ليقول مخاطبا المواطنين في الشرق أن مرتباتهم قد تم تحويلها، وأن المجلس الوطني لم يدفعها لأن أعضاءه يسرقونهم ويحولون الأموال إلى حساباتهم في الخارج. وهنا يتضح الغرض من تصريح البغدادي في مؤتمره الصحفي. أعتقد أن الليبيين أصبحوا محصنين ضد كذب النظام الآن.. فلا فائدة، يا بغدادي وشاكير.

أستغرب صمت المجلس الوطني والمنظمات الإنسانية الدولية عن العقوبة الجماعية المتمثلة في قطع الاتصالات عن المناطق المحررة في الشرق والجبل الغربي ومصراته. كيف يمكن تجاهل أن المواطنين ممنوعون من السفر داخل بلادهم وحتى من الاتصال الهاتفي بذويهم لأسابيع طويلة الآن مرشحة لأن تطول إلى أشهر؟ هناك مرض وموت وصلات رحم تقتضي واجبات اجتماعية وشرعية لا تسقط تحت أي سبب من انتماء سياسي أو نظام حكم هنا أو هناك. ولكن مثل هذه الاعتبارات تسقط على آذان صماء تحت نظام حكم كهذا الذي نعاني منه على مدى اثنين وأربعين عاما.

ليلتان كانت سماء طرابلس فيهما هادئة، وجبهة اجدابيا البريقة هادئة منذ مدة، وخطاب النظام الموجه إلى الغرب ناعم جدا ومهادن… إنه يتوسل.. يتسول من الغرب مخرجا. ما الذي يجري؟ إنه منهك عسكريا وماليا… وهو المحاصَر من كل جانب، باستثناء راس اجدير. المنطقة الشرقية والجبل الغربي ومصراته خارجة عن سيطرته تماما… إنه يتراجع عسكريا وينزف ماليا…

قام القنفود في أحد برنامج اليوم بزيارة إلى منزل شهيد من تاورغاء. عرضت مشاهد سيريالية لنساء ورجال الأسرة كانوا جميعهم من دون استثناء يحملون صورا للقذافي جالسين في مربوعة عربية. جميعهم عندما تحدثوا كانوا سعداء بشهادة ابنهم فداء للقائد.. في الزاوية… في الزاوية. وهتف أحدهم “الله ومعمر وليبيا وبس”، فإذا بهم يرددون الهتاف. 

الأحد 8 مايو (82)

العرب وثورة ليبيا

أشعر بضيق كبير لأسباب في جانب منها شخصية. أما الجانب الآخر فيتعلق بالشأن العام، فرغم النجاحات التي يستمر الثوار في تسجيلها على جبهتي مصراته والجبل، يبقى الجمود هو السمة الغالبة على المشهد العام. بعض أجهزة الإعلام تشير إلى اتصالات ما تدور بين دول غربية والنظام. والمجلس الوطني واقع تحت ضغوط هائلة من دول تجد نفسها ممسكة بالخيوط جميعها. ومواقف الدول العربية تبدو مريبة. مصر تمنع دخول الليبيين لأراضيها من دون تأشيرات صادرة من سفارتها في طرابلس أو قنصليتها في بنغازي. وجود تأشيرة مصرية على جواز سفر أي ليبي يغادر طرابلس إلى تونس ستثير الشبهة لدى سلطات النظام في أنه متوجه إلى ’إسرائيل جديدة‘… إلى المنطقة الشرقية. وهناك الكثير من الليبيين في تونس بالذات وفي غيرها ممن يرغبون في التوجه إلى المنطقة الشرقية، وليست لديهم تأشيرات دخول مصرية. في السابق كانت السلطات المصرية نفسها تغضب عندما تشدد السلطات الليبية من القيود على دخول المصريين إلى الأراضي الليبية. ولكن ذلك ليس ضمن اعتبارات الحكومة المصرية الآن وقد انكمش سوق العمالة في ليبيا إلى حد كبير جدا. واستعملت الشرطة المصرية القوة والرصاص المطاطي لتفريق مظاهرة قام بها ليبيون أمام سفارتهم في القاهرة. والسعودية كذلك بدأت تكشر عن أنيابها، فامتنعت عن إعطاء تصريح مرور فوق أراضيها لطائرة تقل وفدا من المجلس الوطني الانتقالي. وتونس تهطل عليها قذائف القذافي كل يوم وتكتفي بالاحتجاج.

لم يكن هناك أي نشاط للطيران فوق طرابلس لثالث يوم على التوالي.

هناك بوادر حراك في طرابلس هذه الأيام تظهر في الأخبار المتداولة عن رفع علم الاستقلال هنا أو هناك وكتابات على الجدران ومناوشات ليلية للشباب مع رجال الأمن في نقاط تواجدهم بالمدينة. أما الاشتباكات في شط الهنشير وسوق الجمعة وتاجوراء التي ظهرت في أخبار هذا المساء فلم أسمع بها من أحد هذا اليوم. ويبدو أن حملة اعتقالات واسعة قد بدأت في اليومين الماضيين.

هناك مؤشر إيجابي يكمن في الشعور المتنامي بين الناس بأن القذافي راحل لا محالة. تلك هي الخطوة الأولى نحو خطوات متسارعة للإجهاز على النظام. بدأنا نسمع عن “طائرته الجاهزة بطاقمها على مدار الساعة لنقله إلى الخارج حال التوصل إلى صفقة هي قيد البحث الآن”. ويقول أحدهم مؤكدا صحة ما يقول أن أخباره منقولة عن “شخص عالم بما يجري في الدائرة المحيطة”. لا أعتقد أنه سيغادر إلى أي مكان.. إما أن يُقتل أو ينتحر.

الإثنين 9 مايو (83)

“ارموا الكلاب” لها ثمن

القصف على مصراته والزنتان ومدن الجبل مستمر. ثوار مصراته يتقدمون في اتجاه الدافنية والمطار. الطيران يحلق فوق طرابلس بدءا من الساعة العاشرة مساء إلى مما بعد الواحدة صباحا. سمعنا دوي انفجار واحد على الأقل.

إحدى النشرات أوردت خبرا عن إذاعة القذافي يفيد بأن بحرية التحالف قد قصفت مواقع في مصراته وزليتن…عنصر جديد إن صح.

بلجيكا أعلنت تاريخاً محدداً في الشهر القادم ستبدأ بعده في السحب التدريجي لمقاتلاتها. وجبهة اجدابيا البريقة متوقفة حيث هي منذ مدة في الكيلومتر 40.

كلنا يدرك أن القوات المتحالفة لا يمكن أن تبقى على التزامها بفرض حظر جوي على مساحة ليبيا التي تقارب مليوني كيلومتر مربع إلى أمد غير محدود. والمرجح كذلك أن القذافي لن يرحل طواعية، وأن الثوار يستحيل أن يقبلوا بحل لا يضمن رحيله وأسرته. الحل المتبقي سيتطلب تصدع النظام من داخله، أما البديل لذلك كله فهو تدهور الوضع إلى حرب شوارع مفتوحة تستمر شهورا أو سنين.

انعقد اليوم في أبو ظبي اجتماع المجالس المحلية في غرب ليبيا وجنوبها ووسطها. لا أجد تفسيرا لأمرين، أولهما لماذا في أبو ظبي وليس في بنغازي، والثاني لماذا استثناء المجالس المحلية في الشرق؟ أرى اختيار المكان خارج ليبيا غير موفق، وأرى استثناء الشرق ضارا بوحدة البلاد… وللإخوة المنظمين أسبابهم من دون شك. الإيجابي في فكرة المؤتمر أنه مؤتمر لمجالس مدن وليس لممثلي قبائل لا يمثلون في الحقيقة غير أنفسهم.

في الأخبار أن الثلاثة الذين ستصدر بشأنهم مذكرات اتهام بمحكمة الجنايات الدولية هم القذافي وسيف وعبد الله السنوسي. هؤلاء هم أقطاب المجازر الدائرة الآن، منهما اثنان على مدى عشرات السنين والآخر حديث العهد بالمجازر ولكنه برع في التحريض عليها والمشاركة في قيادتها في أول فرصة سنحت له باندلاع ثورة 17 فبراير. عبد الله السنوسي هو من أعطى إشارة البدء بالقتل في مواجهة الثورة ـ حسب مقابلة ناصر الحسوني مع قناة ليبيا ـ عندما قال آمراً: “ارموا الكلاب”.

هناك جديد في تعامل القذافي مع معاونيه وموظفيه، فقد أصبحت لهم أسماء. تعودنا في مؤتمرات سابقة أن نسمع بالكلمات تعطى لنكرات يعرفون بأرقام اللوحات.. اللوحة 16 واللوحة 120 وغير ذلك من الأرقام، وإذا بهم في مؤتمر القبائل ينادون بأسمائهم. مبروك أساميكم.. وإن كانت متأخرة شوية!

عندما دخلوا منزل السيدة العجوز بعد منتصف الليل، ومنهم سكارى، وجدوا معها ابنها وزوجته والتلفزيون مفتوح على قناة الجزيرة. صفع أحدهم الرجل أمام أمه وزوجته وهشّموا التلفزيون، وانتقلوا بعد ذلك إلى التفتيش والعبث ومن ثم سرقة ما شاءوا سرقته. هؤلاء على دين مليكهم: لا يعرفون حراما ولا عيبا.

لم يكن هناك نشاط لطيران الحلفاء ضد مواقع في طرابلس على مدى الأيام الأربعة أو الخمسة الماضية. بدأ التحليق هذه الليلة حوالي الساعة 10 مساء واستمر إلى ما بعد الثانية صباحا.

سمعنا دوي انفجار حوالي الساعة 12. ذكرت الأخبار “العاجلة” بعد ذلك بحوالي ساعة بأن المستهدف كان مركز دراسات الكتاب الأخضر ‘بشارع الجمهورية؟’.

سمعت الآن، الساعة 2.11 صباحا دوي انفجار أقوى أو انفجارين. خبر عاجل على الجزيرة عند الساعة 2.13 بأربعة انفجارات قرب باب العزيزية.

الساعة 2.15 انفجاران قويان آخران. فتحت زجاج النافذة فسمعت بعض الجيران قد خرجوا إلى الشارع. الساعة 2.26: خبر عاجل بالعربية يفيد بأربعة انفجارات قوية بـ “مجمع العزيزية”، والتحليق لا يزال مستمرا. الساعة 2.30 عاجل بالشبابية شقيقة القنفود يقول “تتعرض مدينة طرابلس إلى قصف استعماري صليبي”.

الملاحظ حتى الآن هو الغياب التام لمضادات الطائرات… تم.

الثلاثاء 10 مايو (84)

نهاية فريدة

لم أكن أريد مغادرة منزلي اليوم حفاظا على بنزين السيارة. أحاول قدر الإمكان ألا أستعملها أكثر من ثلاث مرات في الأسبوع، إلا أن واجبا اجتماعيا اقتضى أن أخرج بالسيارة مسافة لا بأس بها عبر المدينة عصر هذا اليوم. كانت قيادة السيارة متعبة إلى حد كبير، فبعض الشوارع كان مزدحما ازدحاما شديدا بسيارات كانت في حالة توقف شبه تام في بعض الفترات. اعتقدت للوهلة الأولى أن السبب ربما يكون وجود موقع بالشارع تم قصفه الليلة الماضية، ولكن اتضح في كل مرة أن السبب هو وجود محطة وقود بالشارع.

مركز الكتاب الأخضر الذي قُصف الليلة الماضية يقع خلف الإذاعة بشارع الشط، ويضم موقعا للاستخبارات العسكرية… القنفود يقول إنه مركز الأمومة والطفولة! مقر أمني آخر تم قصفه كان مبنى يقع ضمن مربع بين شارعي السيدي والزاوية ويحدّ بمجمع المحاكم… حيث مكتب الفريق الحميدي.

سمعنا تحليقا للطائرات بداية من التاسعة مساء حتى حوالي الواحدة بعد منتصف الليل، إلا أنني لم أسمع صوت انفجارات.

توجد بعض المناوشات الليلية مع النقاط الأمنية، ولكن لا يبدو أن هناك مواجهات على النطاق الذي تشير إليه بعض القنوات. أرى أن المبالغات، مقصودة أو غير مقصودة، لا تفيد الثورة أو المحطات المعنية في شيء.

بدأنا نسمع برحيل كثيرين ممن تسمح ظروفهم المالية والاجتماعية إلى الخارج. الأمر امتد إلى المسؤولين أنفسهم، فقد رحلت إلى تونس أسرة مصطفى الخروبي (ومنها إلى بنغازي حيث أصهاره؟) كما سمعنا.

القصص التي تصل من الجبل الغربي ومن مصراته مرعبة.. القتل والسرقات والتعذيب والتمثيل والاغتصاب. ستكرر الكتائب الشيء نفسه عندما يحدث االانفجار الكبير في طرابلس. الطرابلسيون رهائن بيد مجنون وسكارى وحشاشين. والمجنون في ساعاته الأخيرة سيعمل على قتل كل من يتنفس وتدمير كل ما هو قائم.

شباب من الأقارب طلبا مني الاستماع إلى أغنية حفظها أحدهم على الكومبيوتر… My people love me. My people will die to protect me بصوت القذافي نفسه وبصحبة فرقة موسيقية. وكانوا يعيدون الأغنية ويضحكون… تماما مثلما ضحك العالم كله مستمعا إلى “زنقه زنقه”. وتذكرت مرة أخرى تلك الأمسية مع صديق حيث كنا نمارس رياضة المشي في إحدى الأمسيات على كورنيش طرابلس. قلت وقتها إنني لا أراه سينتهي نهاية طغاة عادية، عن طريق انقلاب أو اغتيال مثلا… ربما كان القدر يخبئ له شيئا فريدا يليق به. قال صاحبي إن الأمر كذلك منذ الآن، ألا ترى كيف مسخه الله إلى هذا الشكل الذي نراه عليه؟ ومرّ ما يقرب من عامين الآن على حديثنا ذلك، وإذا بالمسخ يصبح أضحوكة العالم كله شكلا وموضوعا…. وغناءً… نهاية فريدة لا تزال خاتمة صفحاتها في علم الغيب.

الأربعاء 11 مايو (85)

دجل وسحر وجان

تحليق كثيف للطائرات منذ الصباح، ونشرات الأخبار تفيد بوقوع انفجارات في شرق طرابلس.

تابعت موجز أخبار ظهر اليوم كاملا على قناة القنفود هذا اليوم، ولم أجد جدوى من تكبّد مشقة التفاصيل. تضمن الموجز أخبار برقيات التعازي للقائد ومسيرات الالتحام بالقائد وتدفق الجماهير إلى باب العزيزية لحمايته من العدوان الاستعماري الصليبي، وهي نفسها أخبار يوم أمس وأول من أمس وربما أخبار غد وبعد غد إذا ما أطال الله الأعمار إلى ذلك الحين. نشرة المساء ستكون من نفس القائمة تتلوها وصلة دجل وكلام عن السحر والجن من شاكير وصديقه تنتهي بنوبة دعاء مصحوبة برفع يديه الكريمتين ممسكا بمسبحة طويلة، تضرعا يحسبه ومن معه مقبولا.

تتردد شائعات مفادها أن سيف العرب قد قتل بالفعل، وأن قتله قد تمّ على يد أخيه المعتصم. يقولون كذلك أن الحركة غير عادية بقصر الشعب ليلا. هل هناك مساجين أم قتلى أم أشخاص مهمّون أم غير ذلك؟ في فترات سابقة كان الطابق تحت الأرض موقعا معروفا للتعذيب والاستجواب. هو مناخ مُواتٍ لتداول كل أنواع الأخبار الصحيحة والكاذبة والمسربة لغرض والمختلقة لغرض، وهي رد طبيعي على جهود النظام المحمومة والفجة في صناعة الكذب وبثه.

ثوار مصراته يسيطرون على مطارها وعلى الدافنية. جبهة الشرق بدأت التحرك على جبهة البريقة والواحات حيث مناطق حقول النفط.

التقيته فوجدت علامات سعادة وارتياح واضحة على وجهه. سألته ما إذا كان في الوضع جديد، فكان جديده شخصيا. قال إنه قد رحّل جميع أفراد أسرته إلى تونس حيث سيبقون إلى تتضح تطورات الأيام المقبلة. قال إنه يشعر بارتياح كبير أن أسرته قد فرّت من احتمالات الترويع والاعتداء والترهيب.

سألت عن آخر، وهو عضو بهيئة التدريس بإحدى الجامعات، فقيل لي إنه قد سافر إلى بنغازي عن طريق تونس قائلا إنه لن يعود قبل سقوط القذافي، وإلا فهو باق في بنغازي الحرة.

بث القنفود شريطا مصورا لاجتماع استقبل فيه القائد عددا من كبار موظفيه من المنطقة الشرقية ومعهم رئيس الأمن الخارجي. صورة الوضع كانت أوضح ما تكون على وجه وزير الخارجية عبد العاطي العبيدي، فربما عكس وجهه حزن الرجل وبؤس وقنوط نظام يجد نفسه أمام نهاية محتومة.  عندما نظرت في الوجوه رأيت أناسا استمروا في خدمة شخص فرد على مدي عقود من الزمن. منهم من كلّ وملّ ولم يبد عليه كلل أو ملل، ومنهم من لا يزال مستمرا في خدمة سيده وولاء أعمى له، لأنه مقتنع بما يسمعه من سيده (وهؤلاء قلة من ضعاف العقول فيما أرى وأرجو) أو متورطون ارتبط مصيرهم بمصيره، أو مرعوبون من عقاب إن هم تراجعوا عن المسيرة. أربعون سنة في خدمة شخص لا في خدمة قضية، فالشخص نفسه لا قضية وطنية له. نادى للوحدة العربية وجعلها رسالة ثورته وإذا به ينبذها إلى انتماء إفريقي؛ أفقر شعبه ودمر مؤسساته الخاصة مدعيا الاشتراكية ونبذها هي الأخرى ليتبنى رأسمالية إقطاعية؛ نادى لتحرير فلسطين ومنها تحول إلى حلّ إسراطين؛ وانتقل من طز في أمريكا إلى خاطب لودّها. قضيته لم تكن غير بناء دولة قذافية يملكها بكل ما فيها ومن فيها هو وأولاده من بعده…. وكان جميع من خدموه ـ من حيث يدرون أو لا يدرون ـ في خدمة هذا  المشروع لا غير… أربعون عاما وأكثر… لا يكاد المرأ يصدق. وسيكون التاريخ قاسيا على من أعان على ظلم.

الخميس 12 مايو (86)

زواره

أخبار اليوم أن باب العزيزية قد قصف في الساعات الأولى من صباح اليوم. القصف استهدف منشئات تحت الأرض، إلا أن الناطق باسم القذافي ادعى أن الهدف كان حديقة أطفال!!!!!!!!! خوذ وإلا خلي.

قابلت بالصدفة صديقا قديما من زوارة. سألته فقال إن انتفاضة مدينته تمر بمرحلة سكون بعد أن تم إخضاعها بالقوة على يد الكتائب. تحدث عن شباب من المنطقة غرر بهم النظام وأرسلهم ليلقوا حتفهم في معارك الجبل الغربي مقابل 5 آلاف دينار للشخص الواحد. أما  شباب زواره نفسها فقد كانت أعداد كبيرة منهم بين قتلى ومعتقلين، وحاول غيرهم الالتحاق بثوار الجبل ومنهم من نزح إلى تونس. أما الأمن في زوارة الآن فقد أوكل لرجال من خارجها نشروا الرعب بين الناس بالسرقات التي يقومون بها ليلا. سألته عن ممثل المجلس المحلي لزواره في المؤتمرات المنعقدة في الخارج هذه الأيام فقال إن أهالي زواره قد استشيروا عن طريق الاتصالات الشخصية ووافقوا عليه.

لم نسمع أصوات الطائرات فوق طرابلس هذه الليلة.

من يمر بمنطقة سوق الجمعة يلاحظ المساحات الكبيرة من من واجهات المباني التي تم طلاؤها حديثا. الكتابة على جدران سوق الجمعة منتشرة بشكل أكبر من غيرها من مناطق طرابلس فيما يبدو.

الجمعة 13 مايو (87)

شرّابين الدم

أبرز الأخبار هذا اليوم كان تصريح وزير خارجية إيطاليا بأن القذافي قد يكون أصيب وأنه خارج طرابلس. ظهر الناطق باسم سيده لينفي، ولم يكتف القذافي بذلك بل أذاع تسجيلا صوتيا يقول فيه أنه فيم مكان لا يستطيعون الوصول إليه، فهو في قلوب الملايين…. مسكين؛ داؤه عضال.

يقول النظام إن الغارات استهدفت ‘بيت ضيافة’ في البريقة كان به 150 عالما دينيا من حفظة القرآن قتل منهم أحد عشر من حفاظ القرآن الكريم!! البريقة تقع على جبهة قتال يتوقع أن تندلع فيها المعارك في أي وقت. بيت ضيافة؟ قد يكون كذلك، ولكن من هم الذين كانوا يقيمون فيه على جبهة القتال، ذلك إن صحت رواية قصفه أصلا. تبدو القصة شبيهة بقصف حديقة ملاهي للأطفال بباب العزيزية ومقتل ثلاثة صحفيين كانوا يعدون تحقيقا عن تلك الملاهي…. الغارة كانت في الثالثة صباحا!

تظاهرة مليونية اليوم في ميدان التحرير بالقاهرة دعما للوحدة الوطنية ومساندةً لفلسطين. ونادى المتظاهرون بتطهير الحكومة من وزراء، على رأسهم يحيى الجمل نائب رئيس الحكومة، يعملون ضد أهداف الثورة. وأقيمت صلاة الغائب على أرواح شهداء فلسطين وليبيا واليمن وسوريا. وجه المنطقة العربية يتشكّل من جديد. الثورة في مصر لم تتخلص نهائيا من نظام مبارك بعد، وفي مصر المتأرجحة بين نظام رحل وآخر لم يصل بعد يكمن خطر حقيقي على الثورة في ليبيا. هذا الخطر مصدره بقايا مبارك، وأموال القذافي الطائلة التي لم تقم الحكومة المصرية بتجميدها، وبعض من رؤوس مكتب اللجان الثورية والأمن الليبيين المتواجدين الآن في مصر. الحكومة المصرية تبدو في مظهر المتواطئ مع القذافي، والمجلس الانتقالي يفضل عدم المواجهة معها. أخشى أن يكون الثمن باهظا.

وبثت قناة ليبيا الأحرار الجزء الثالث من شهادة منسق اللجان الثورية السابق في بنغازي ناصر الحسوني. هذه شهادة دامغة من داخل النظام نفسه على الجريمة والمخططين لها والمنفذين. لا شك أن الحسوني سيكون أحد أبرز الشهود بمحكمة الجنايات الدولية. “ارموا الكلاب” قالها عبد الله السنوسي، ونفذ الأمر من كانوا معه ومن بينهم ابنه محمد، فأطلقوا النار على الآلاف من المتظاهرين العزل فوق جسر جليانه. أما المسيّر للعمليات عن بعد فقد كان سيف منذ البداية… هكذا طبقا للشهادة. هذه شهادة دامغة ومرعبة عن نظام دموي… نظام ‘شرّابين الدم’ طبقا لوصف قائدهم الذي تغنى به علنا في الثمانينيات من القرن الماضي من شرفة باب العزيزية وبصحبة حافظ الأسد.

عادت الطائرات للتحليق في سماء طرابلس هذا المساء، ولكنني لم أسمع أصوات تفجيرات، إلا أن الجزيرة قالت إن الطائرات قصفت مواقع في تاجوراء,

السبت 14 مايو (88)

زيارات متجددة

ضربات الليلة الماضية كانت قوية جدا، خاصة تلك التي استهدفت باب العزيزية. صديق يسكن في منطقة قريبة من المكان قال لي أن سكان المنطقة خرجوا إلى الشارع من شدة الهزات والصوت الذي سمعوه. الموقع المستهدف الآخر كان موقع الدوائر الأمنية ومكتب الخويلدي بين شارع السيدي وشارع الزاوية، وهي الزيارة الثانية لهذا الموقع.. تتردد أنباء عن تدمير لكامل الموقع. محدّثي رأى أن الطائرات قد أخطأت هدفها الذي كان ـ في رأيه ـ محطة الاتصالات الرئيسية بشارع الزاوية والتي تبعد بضع مئات الأمتار فقط من هذا الموقع الأمني. تمنى صاحبي أن يتم ذلك مما سيؤدي برأيه إلى إسكات القنفود وجميع شقيقاته المرئية والمسموعه.

تونس تقول أن قواتها المسلحة قد ‘تصدّت’ للكتائب عندما دخلت الأراضي التونسية للالتفاف حول قوات الثوار في وازن.

ترددت أخبار عن مواجهات في منطقتي فشلوم وسوق الجمعة.

سمعنا صوت قصف لموقع لم نتعرف عليه قبيل مغرب هذا اليوم. الغريب أننا لم نسمع صوت طائرات. ربما كان المصدر قطعة بحرية قبالة الساحل.

ومضى يوم آخر.. في الطريق إلى نصر قريب بإذن الله.

الأحد 15 مايو (89)

حكم القبيلة

أصوات الطائرات تحلق في سماء طرابلس منذ الصباح. زادت كثافة التحليق بعد الظهر.. والسماء اليوم زرقاء صافية. هناك الكثير من الهمم الخائرة اليوم في انتظار ما ستسفر عنه غارات هذا المساء. الإذاعة الليبية أذاعت نبأ غارات على مواقع في طرابلس والعزيزية والنجيلة وزواره.

على ذكر إذاعة القذافي، نقلتُ المؤشر إليها وقت نشرة أخبار السادسة مساء. البداية كانت بأنباء التعازي للقائد من رئيس حركة جنوب السودان ومستشار سابق لرئيس كينيا! الخبر الثاني كان حول اجتماعات مبعوث أمين عام الأمم المتحدة بـ ‘الدكتور البغدادي المحمودي أمين اللجنة الشعبية العامة’ و ‘الأستاذ عبد العاطي العبيدي، أمين …’ و‘الأستاذ محمد سياله…’ مبروك الأسماء والأستاذية. ربما كان المقصود من هذه اللفتة أن تكون مكافأة، وقد تكون تكفيرا عن معاملة جميع الليبيين كنكرات لا أسماء لهم في جماهيرية القذافي. الخبر الثالث كان عن مسيرات الالتحام بالقائد، وعندها أطفأت الراديو.

أذاعت العربية نبأ مقتل الجنرال ميلاد الفقهي في غارة موقع الدوائر الأمنية بشارع السيدي الليلة قبل الماضية. إعلام القذافي تجاهل الخبر إلى الآن. قد يكون السبب هو الرغبة في عدم الإضرار بالمعنويات، وقد يكون أن لا قيمة لأحد من الذين حوله… مجرد أدوات يسهل استبدالها في أي وقت. وإن كنت لا أعتقد أن استبدال الأدوات سهل عندما يكون الفيلم قريبا من نهايته.

شاهدت إعادة لجزء آخر من شهادة منسق اللجان الثورية السابق ناصر الحسوني. لا تزال أجزاء هذه الشهادة تشدني متابعا لكل كلمة منها، وعائدا بذاكرتي إلى أوقات هذه الشهادة وما كنت أسمعه حينها، ومحاولا جمع قطع مبعثرة على مدى إثنين وأربعين عاما في صورة متكاملة. لا بد أن أعترف أنني لم أكن مقدرا تمام التقدير للمنحى القبلي للنظام منطَلقاً وممارسةً من غير اعتبار لشعب يتجاوز عديده حدود قبيلة القائد وتلك التي تحالف معها. تم تأسيس الكتائب الأمنية من قبائل بعينها لتحل محل الجيش، ومضى إلى ما هو أبعد فأنشأ تشكيلات مسلحة ذات تركيبات قبلية أخرى. وجلب الرجال من قبائل الصحراء الكبرى وجندهم في ألوية وكتائب. الليبيون يعرفون المزايا المالية والاقتصادية التي أغدقها النظام على قبائل بعينها ومناطق بعينها. يعرف الليبيون كيف تصدر قرارات الإيفاد للدراسة العليا والتعيينات في البعثات والمكاتب والشركات الاستثمارية في الخارج. ويعرف الليبيون أسس توطين المشروعات الاستثمارية والمؤسسات. ويعرف أركان الجهاز الإداري أن أحد أسباب الإشكال في تسمية أشخاص للمناصب الإدارية العليا، حيث الموارد المالية بالذات، هو شروط الانتماء القبلي أو الجهوي  للمرشح إضافة إلى الاعتبارات الأمنية وضرورات الولاء لأشخاص وجهات بعينها، الأمر الذي أقصى كفاءات كثيرة جدا عن الاعتبار. الليبيون من غير التصنيفات المعلومة مواطنون من الد رجة الثانية لا أكثر. هذه المعاملة التمييزية، إلى جانب توظيف أساطير عن علاقات وحروب وتحالفات قبلية تعود إلى أجيال مضت، لم يكن لها أن تستقطب قبائل برمتها، بل هي أغرت واستدرجت أفرادا ادعوا تمثيل قبائلهم وأخذوا على عاتقهم تطويع أفرادها في خدمة أغراض النظام الأمنية على وجه الخصوص. ومن المستحيل، عقلاً، استدراج قبائل بأسرها تحت هذا الفكر المتخلف وسفاهاته، وضد مصالح الوطن وأمنه… تخلف وسفاهة؟… نعم، وهي أيضا مدمرة وقاتلة.

أجد عرض ناصر الحسوني لتركيبة الكتائب والتشكيلات الأمنية، وتأسيسها على نحو قبلي، لا وطني جامع كما ينبغي أن تكون، أمرا مرعبا يدفع إلى القلق الشديد على ما ستؤول إليه المواجهات العسكرية الجارية. قد يكون غياب الرأس بشكل أو بآخر هو المخرج الأسلم… والأمر بيد الله من قبل ومن بعد.

مجلس وزراء الجامعة العربية قرر وقف بث إذاعات القذافي المرئية عبر نايلسات وعربسات. قرار سيكون له أثره الكبير في تشكيل مواقف الكثيرين من السذج والمغفلين. نعم نحن نضحك مما تبثه هذه القنوات من كذب ودجل ونستسخفه، ولكن يوجد بالفعل جمهور تابع مصدّق. قال لي أحد الشباب الأسبوع الماضي أنه لا يكاد يتبادل الحديث حول الأحداث الجارية داخل أسرته، أمه وإخوته، فجميعهم أسرى قنوات القذافي بشاكيرها وهالتها وحمزتها. السؤال المطروح هو عن موقف مصر التي لم تسمح ببث قناة ليبيا الأحرار على نايلسات، ووافقت اليوم، فيما أفترض، على قرار وقف بث قنوات النظام. يبقى التصنيف الأرجح لموقف المجلس العسكري المصري هو التواطؤ مع النظام الليبي. السيد شاكير استخف بنتائج القرار قائلا إننا نملك القمر الإفريقي الذي سنبث عليه برامجنا وأننا ’سنقيم سوق عكاظ لنشر كلمتنا’. أقترح تعيين ‘برّاحين’ يقومون بوظيفة التهريج الإعلامي الجماهيري، ’فالشعوب لا تنسجم إلا مع ثقافتها‘… والعودة للبرّاح الذي عرفه شعبنا حتى جيلين مضيا تنسجم مع الحركة الرجعية لنظام القذافي على مدى أكثر الأربعين سنة الماضية.

خرجت بنغازي في تظاهرة كبرى تضامنا مع الأشقاء الفلسطنيين في ذكرى نكبتهم الثالثة والستين. ندعو الله أن لا تكمل نكبة الليبيين عامها الثاني والأربعين، وأن تأتي نهاية قريبة لنكبات العرب في جميع أقطارهم. عندها فقط نستطيع أن نتفاءل بأن نهاية نكبة فلسطين آتية.

الأحد 22 مايو (96)

عصابات طرابلس

وجّه التحالف ضربات جوية نحو باب العزيزية والميناء… الحوض الجاف بالميناء حسب بعض الأقوال، وهي منطقة تستخدم في ترحيل الأفارقة بحرا نحو أوروبا.

أوقفتْه مجموعةٌ مسلحة على الطريق في ضواحي المدينة، طلبوا هاتفه النقال فوجدوا عليه مقاطع فيديو مضادة للنظام.. أنزلوا الرجل من سيارته واقتادوه معهم تاركا أسرته في السيارة على الطريق… البحث جارٍ منذ ثلاثة أيام… ومستمر.

محمود جبريل في لقاء اليوم على الجزيرة. كان هادئا وخطابه عقلانيا… حججه مع الثورة كانت رصينة ولا سبيل لدحضها… مأساتنا كبرى… والخروج منها بسلام طريقه صعب وطويل.

كان منتصف الليلة الماضية، أغلقوا الشارع وداهموا منزل السيدة التي تجاوز عمرها الثمانين[3].. كسروا الأبواب والأثاث وقلبوا الأسرّة… عددهم سبعة يلبسون ملابس عسكرية خضراء (زيتي) وعدد أكبر كانوا بالشارع… مسلحون بالرشاشات… وجّه أحدهم رشاشه إلى رأس السيدة وآخر وجه سكينا إلى بطنها طالبين منها مكان الخزنة… كانت معهم أكياس كبيرة عبؤوها بما استطاعوا من مال وذهب (صيغة) وما اشتهت أنفسهم الدنيئة من محتويات المنزل… أخذوا الحواسيب والهواتف النقالة… طلبوا مفاتيح السيارات الثلاثة الموجودة بالجاراج وذهب بعضهم بها…  اقتادوا الإبن وابن خالته المقبم ضيفا عند خالته… استجاب لاستغاثة السيدة شاب من الجيران فاقتادوه هو كذلك. وُجد الجار ملقى على رصيف الطريق في منطقة بومشماشة… والبحث جارٍ عن ابن السيدة وابن أختها…

الإثنين 23 مايو (97)

حفظ مقتنيات الأسرة

سألته فيم يشغل وقته هذه الأيام،  فقال إنه مشغول بتجميع وتغليف وثائق ومعدات شركته تمهيدا لتخزينها في مكان آمن. السبب؟ لم يعد مأمونا أن يُترك شيء ذو قيمة مادية أو معلوماتية.

الثلاثاء 24 مايو (98)

فوفوزيلا

طيران كثيف فوق طرابلس هذا المساء.. بدأ القصف حوالي الواحدة بعد منتصف الليل واستمر لمدة حوالي 40 دقيقة. الجو بارد والسماء غطتها السحب. خرجت إلى شرفة المنزل فكان عدد كبير من الجيران فوق الأسطح.. اثنان منهما كانا فوق خزان المياه.. كان منظراً ملفتا. كنا نرى السماء مضاءة باللون الأحمر عند انطلاق الصاروخ ثم نسمع بعد ذلك بقليل صوت انفجار أو اثنين. الانفجارات هذه الليلة كانت عنيفة جدا، وعددت منها 19… الجديد كان أصوات الصفير الصادرة من جيران الحي… بل أضاف أحدهم صوت فوفوزيلا بعد كل انفجار… هل عاد بها من كأس العالم في جنوب إفريقيا! قناة العربية تردد ما تذيعه أجهزة النظام، تقول في نشرة الثانية صباحا أن عدد الانفجارات كان 17، وأن هناك قتلى وجرحى مدنيين، وان هناك متظاهرين محتجين على الغارات التي روعت المدنيين.

البحث لا يزال جاريا عن الشابين المختطفين من منزلهما بحي الأندلس ليلة الأحد الماضي 22 مايو.. قيل إنهما في معسكر الكتيبة 77 بالعزيزية.. ذهب صديق لهما ببعض الملابس إلا أنه لم يسمح له بمقابلتهما… ذلك إن كانا موجودين هناك أصلا. الأسرة هنا أصولها من شرق البلاد مقيمة بالغرب منذ أكثر من خمسين عاما. أقول من الشرق، وهو تمييز فجٌّ بين ليبي وليبي، لأن النظام يعمل جاهدا للوقيعة بين شرق وغرب ضمن مخطط لبث الفتنة والتناحر بين فئات الشعب الليبي.. بين شرق وغرب وبين قبائل يعمل جاهدا لإعادة اختراعها وتغليفها كتجمعات معنية بالشأن الوطني العام، معوّلاً على عصبيات يبعثها من قبورها… يسهل عليه تغذيتها وتوظيفها لإشعال نارٍ تقسّم وتدمّر كل شيء قبل الرحيل. وهذا أمر لم يحاول النظام إخفاءه بل أعلنه صراحة في خطابات الأب والإبن. والمتتبع لإعلامه البائس يرى بوضوح كيف يحاول تصوير ثورة شعب ليبيا على أنها حركة عصيان من أهل الشرق الذين ’استقووا بالغرب الصليبي‘ ضد بلادهم وأمنها ورغد العيش فيها، محاولاً في هذا السبيل أن يتجاهل ثورة أهلنا في جبل نفوسه ومصراته والزاوية.

لقد كانت أحداث تلك الليلة فاصلة في تعزيز ثقتي في صواب قراري ترك الوطن في هذه الفترة العصيبة من تاريخها. لقد استخرت وتوكلت.. يصعب  أن أتصوّر أنني راحل عن وطني مرغماً.. لاجئاً؟ نازحاً؟  


[1] هو الدكتور أحمد امبيص.

[2] علمت لا حقاً أن القصيدة كانت للسيد عبد الجليل سيف النصر، رحمه الله.

[3] منزل المرحوم فتح الله سليمان بن حليم بحي الأندلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *