يوميات يونيه 2011

الأربعاء 25 مايو (99) إلى الخميس 2 يونيه (107)

الرحيل

وبدأت أعدّ للرحيل. أفرز أوراقي: وثائق قانونية وتاريخية، وأسرية تعود لثلاثة أجيال وأكثر.. ومقتنيات لبعضها قيمته المادية ولبعضها الأخر قيمته المعنوية.. بعضٌ من الذاكرة.. بعضٌ مني سأودعه عند عزيز وسأصطحب من البعض الأخر ما أمكن… وسأترك ورائي ما أتركه وديعةً عند ربي… وزرت الأهل والأصحاب مودعا.

الجمعة 3 يونيه (108)

رحيلي عنك عزّ عليَّ جداً    *   وداعاً ًأيها الوطنُ المفدّى

سأرحلُ عنك يا وطني وإنّي   *   لَأعلمُ أنني قد جئتُ إدّا

حزمت ما يلزم من أمتعة واصطحبت أسرتي براً إلى تونس.. مستذكرا تلك الأبيات لشاعر الوطن أحمد رفيق.

بلغ عدد نقاط الأمن على الطريق من طرابلس إلى رأس جدير حوالي العشرين. بعضهم كان مدنيا والبعض الأخر عسكريون. ينظرون في الجوازات ويتفحصون الوجوه. كانت أوراقي سليمة ولم تكن معي مواد قد تثير فضولا أو شبهة (كومبيوتر مثلا)، وكان بصحبتنا من سهّل مرورنا. وعبرنا الحدود إلى الأراضي التونسية بعد رحلة استمرت حوالي خمس ساعات من الإرهاق النفسي الشديد. ومن البر التونسي استدرت إلى الجانب الليبي من الحدود مودّعا وداعيا الله أن يكون الخلاص قريبا.. ألا يكون الفراق طويلا.. وداعياً….

كانت هذه اليوميات جزءا من نشاطي اليومي طيلة أسابيع ثورة فبراير المجيدة هذه، حتى أنني لم أكن أستطيع النوم قبل أن أدوّن كلمات عما شاهدته وسمعته يوماً بيوم، إلى أن كان الخروج.. الرحيل عن الوطن. انقطعت عن الكتابة، وانشغلت بمتابعة ما فاتني متابعته، عبر التواصل تخاطباً وقراءةً من دون رقابة أو وصاية.. من دون خوف من ذلك “الأخ الكبير” وزبانيته. وأعود إلى الكتابة مجددا بعد استقرار نمطٍ ما من الحياة ’الطبيعية‘.

الجمعة 3 يونيه (108)

أمة الكفر واحدة

قابلته يأحد فنادق العاصمة التونسية وقد وصل قبل بضع ساعات من بنغازي. إنه كويتي قادم في مهمة إغاثة إنسانية للجرحى والنازحين الليبيين. عبر لى عن ابتهاجه بزيارة بنغازي ولقائه بالثوار وزيارته لميدان التحرير فيها. عبر عن تقدير وإعجاب كبيرين لروح الجهاد والفداء التي برزت ساطعة في هذه الثورة. كان سعيدا بما يقوم به من عمل إنساني خيري لشعب عربي مسلم مجاهد خاصة بعد ما سمعه وشاهده في بنغازي واجدابيا من فظائع ووحشية كتائب القذافي ومرتزقته. واستوقفتني كلمات قالها… إنه ككويتي يشعر أكثر من غيره بالمحنة التي يمر بها الليبيون وبواجب القيام بشيء ما لنجدتهم بالنظر إلى ما عاناه الكويتيون تحت احتلال العراق سنة 1992. أسفت لما سمعته، فلم أكن أبداً من المتعاطفين مع الكويتيين في مواجهة الغزو العراقي. ولكن بالفعل ’ما يحس بالنار إلا إللي عافس فيها‘. الطغاة أبناء مدرسة واحدة.. مصابون بنفس الجنون. لهم نفس السلوك الدموي ونفس النزوع إلى تدمير كل ما يقف في طريق الحصول على ما يريدون.. ولا شيء يرضي غرورهم. أضاف قائدنا إلى تلك الصفات عتها وسفاهة وكذباً قلّ مثيلها مجتمعة في مخلوق. ولا عجب أن القذافي صُعق بمنظر شنق صدام حسين فسلّم للغرب بكل شيء ودفع وتذلل إليه علّه يغفر له ’خطاياه‘ ويجنّبه عاقبة صدام. لم يحسب أن الله موجود وأن الجزاء محتوم.. في دنياه قبل أخراه.

السبت 4 يونيه (109)

انج سعد فقد قًتل سعيد

المروحيات دخلت ميدان العمليات في ليبيا، والإعلام يروج للفارق الكبير الذي ستحدثه مشاركتها هذه. أرجو ألا ننسى كليبيين أن الفارق الحاسم سيكون بأيدينا نحن.

ويبدو أن علي عبد الله صالح قد انتهى سواء عاش أم مات. وهناك من ينتظر… ماذا ينتظرون.

الأحد 5 يونية (110)

منطق الديماجوجية… وغيرها

ويطالعنا السيد عطوان اليوم بوجه سافر العداء لثورة ليبيا وثوّارها لعلاقةٍ لهم بإسرائيل اختلقها النظام البائس في ليبيا ليغذي بها أبواقا له في طرابلس على شاكلة شاكير وأخرى في الخارج متوثبة لخدمته من دون تمحيص لأدلّة أو مصادر. وقياسا على هذا المنهاج العطواني نسأل: ماذا يتوقع السيد عبد الباري من قرائه حين يطلعون على “الوثيقة” المنشورة في مختلف المطبوعات الورقية والإلكترونية والتي “تثبت” أن السيد عبد الباري وصحفياً عربيا آخر يتقاضيان مبالغ شهرية من النظام الليبي؟ عيب يا عبد الباري في حق شعب عربي مسلم مجاهد في سبيل فلسطين جهاده الآن في سبيل حريته. عيب يا ناس… لا تكفرونا بقضايانا… ولن تفعلوا.

ويشير السيد عطوان في افتتاحيته إلى برنامج نيوزنايت حيث استضاف جيريمي باكستر الكاتب الفرنسي ليفي وصاحب جريدة القدس العربي اللندنية، معبراً فيها عن إعجاب واضح بأدائه في ذلك المساء. وخلافاً لذلك، كان انطباعي مغايراً تماماً، وكنت قد دوّنته في يومية 27 مارس الماضي. وكان مما دونته وقتها ما يلي:

“… ليفي قال أنه قد أفزعته تهديدات القذافي الصريحة لسكان بنغازي وما رآه بعينيه فقد كان هناك، لذلك كان تدخله لدى الرئيس ساركوزي بضرورة القيام بما يجب لمنع حدوث كارثة إنسانية كبرى. السيد عبد الباري كان متحفظا على العمل العسكري الغربي تارةً لأن وراءه أجندة مصالح نفطية وتارةً أخرى بطرحه أسئلة من قبيل “لماذا لم يتم التدخل في غزة؟” و”لماذا ليس في اليمن؟”. وافق السيد عطوان على أنه كان من الضروري التدخل لمنع المذبحة، ولكن كان يجب أن يتم ذلك من طرف العرب. ردّ ليفي بالقول بأنه من غير المعقول أن يطلب السيد عطوان الاطلاع على هوية من ينقذ أخاه قبل أن يعطي موافقته على إنقاذه…. حجة السيد عطوان كانت بائسة. نعم السيد ليفي، من اسمه يهودي، ونعم قوات التحالف أتت من دول ‘مسيحية’. لماذا يمنعنا هذا من مناقشة القضايا واتخاذ المواقف منها على أساس قواعدها المبدئية والأخلاقية. نحن فاشلون في أدائنا الحواري وجدلنا، حتى فيما بيننا، لأننا لا نحكّم العقل والمنطق قدر ما نستند إلى مسلمات لا نقبل فيها نقاشا. تجدنا نستمع إلى الآخر، إن استمعنا، متحفزين لرفض ما يقوله كان ذلك ما كان. لا نستمع لنمحص ونقبل ما يجب قبوله منطقاً أو عقلاً ونرفض ما يجب أن نرفض بالحجة. وتجدنا نهرب من النقاش حينما تهزمنا حجة الطرف الآخر.. نهرب قائلين “ولماذا ليس غزة، ولماذا ليس اليمن؟” أتمنى أن ينهض جيل يدرس ويناقش ويجادل ويبني المواقف على أساس من المبادئ والقيم التي تحكم المواقف لا تتبدل من قضية إلى أخرى ولا من محاور إلى آخر؛ وأن يستمع لأنه يبحث عن الصواب وعن الحقيقة وليس لأنها “معزة ولو طارت”. الغرب له مصالحه وتاريخه الذي نعرف، ولكنه غرب متنوع يغطيه طيف واسع من الألوان يضم المخلص والإنساني والفاضل والأخلاقي، كما يضم الجوانب السيئة التي عانى منها شرقنا على أيديهم منذ حروبهم الصليبية وإلى الآن. العالم أمامنا ليس بالأبيض والأسود وحسب، فهو غني بألوانه. عفا الله شرقنا من عمى الألوان.”

يختم السيد عطوان افتتاحيته مخاطبا ثوار ليبيا بقوله: “,,, وعودوا الى بدايات ثورتكم النقية الطاهرة وسنكون معكم ان كنتم فاعلين”. حمداً لله أن ثورة الليبيين ليست بحاجة لمساعدة هؤلاء… اكفونا شركم فقط.

الإثنين 6 يونية (111)

نازحون في انتظار الحكومة

تقابلت مع ليبيين نزحوا.. ولكن قلوبهم لا تزال هناك، مع ذويهم ومع وطنهم في محنته. منهم من أعطى وقته وإمكانياته ووظف علاقاته لخدمة إخوة نزحوا إلى مخيمات للاجئين أو أقاموا في ضيافة أهل البلاد. أغلبهم لا يملك ما يكفي قوت يومه هو وأسرته، ومحنتهم قد تطول. قابلت سيدة أتت من بريطانيا ضمن مجموعة من الليبيات اللاتي أنشأن جمعية لغرض مد يد العون لإخواننا النازحين من الجبل الغربي، وقابلت آخر قدم من أقصى شرق ليبيا لنفس الغرض. سعيهم جميعا مشكور، ولكن المهم كذلك أن نرى مسؤولين من المجلس الوطني الذي يعوّل الليبيون عليه في عبور واثق نحو المستقبل وقد تحررت البلاد من حكم الطاغوت. ليست بالإمكانيات المادية وحدها تُبنى العلاقات والثقة والمستقبل. إن النازحين في جنوب تونس هم من أحوج الليبيين لمد يد العون، إن لم يكونوا أحوجهم. لقد بذلوا الكثير وضحوا بالكثير، وهم الذين لم يحظوا إلا بالقليل في مهجرهم كما كانوا محرومين في وطنهم. يا مجلسنا الوطني… التفتوا إلى مواطنيكم النازحين من جبل نفوسة الأشم… بزيارة .. بلفتة تضامن .. إذا لم يكن لديكم المال.

وفي مستشفيات صفاقس والعاصمة توجد أعداد كبيرة من المصابين… سعدت عندما أُبلغت بأن بعض الليبيين الموسرين يقومون بدفع تكاليف العلاج، وأسفت كثيرا عندما وجدت بعضهم ينفقون على علاج أبناء مدينتهم دون غيرهم. أين الخطأ في علاج مجاهدين وأبرياء مصابين من الجبل أو من الشرق؟ لن أعلّق.

متى تسود فـئة ذات ثقافة ومجموع قيم تختلف بل وتصطدم في بعضها مع ثقافتك وقيمك.. عندما تجلس أمام التلفزيون فترى وتسمع ما هو منكَر شكلا ومنطقا وأهدافا… عندما تعني الحياة  في أحسن الأحوال حداً أدنى من الكرامة ومساراتٍ وسطاً بين ما ينبغي أن يكون وبين ما لا يودي إلى التهلكة.. عندما تعيش في حالة مستمرة من الخوف على نفسك وأولادك ومالك… عندها أنت غريب وإن كنت في ما تسميه وطنا… غربة زمان. وتترك الوطن  لتجد أنك قد انتقلت من غربة إلى غربة. ما يختلف هو اختفاء الإرهاب المسلط على العباد بالاعتقال والتعذيب والقتل والإذلال لأي سبب ومن دون سبب. أذكر أحدهم التقيته في مناسبة اجتماعية في طرابلس يتحدث عن خوف يتملكه من أن يُطلب منه أن يتحدث في وسيلة إعلامية عن جانب من جوانب الأزمة التي تمرّ بالبلاد.. ماذا يقول؟ ماذا إذا اختير ضمن مجموعة تمثل قبائل أو مناطق أو فئات مهنية لتقوم بالتمثيل الممجوج والمهين معلنين تمسكهم بالقائد وتخوين الثوار واستنكار العدوان الصليبي…. والدخول في حلقة من حلقات التهريج والهتاف والتصفيق؟ ذلك نوع من الإرهاب ومن الإذلال يأباه كبرياء النفس وكرامتها… ويتحرر منه من يختار غرية المكان على غربة الزمان.

الثلاثاء 7 يونيه (112)

الموت يداهمه

وتكلم القائد ربما كلمته الأخيرة قبل الرحيل. كانت أقل من دقيقتين من الهذيان من دون صورة. لا يزال يحلم بالملايين، ولكن حلمه اختلط بكوابيس الموت ماثلةً أمامه هذه المرة. حتى الانتحار دبّ إلى قاموس مفرداته.. لقد ضاقت عليه الدائرة وضاقت حتى أنني أرى ليل العقيد مولّياً أدباره… حقيقةً لا خيالاً. والحمد لله.

الأربعاء 8 يونيه (113)

مسؤولون

كنت في مطار تونس قرطاج أودع صديقاً وأسرته في طريقهم إلى بنغازي على متن طائرة للخطوط الليبية يسيّرها المجلس بين بنغازي وتونس بإذنٍ خاص ولأغراض إنسانية. تصل الطائرة في ثلاث أو أربع رحلات في الأسبوع ناقلة مصابين من الشرق ومن مصراته كانوا قد وصلوا إلى بنغازي عن طريق البحر، لغرض العلاج في تونس. وتعود الطائرة بأسر ليبية في طريقها إلى مدن الشرق أو إلى مصراته. صالة المطار كانت تعج بالليبيين وقد أعياهم السفر من طرابلس والتوتر والقلق المصاحب لتلك الرحلة الطويلة الشاقة. لم تصل الطائرة من بنغازي، وتأكد بعد انتظار طويل أنها لن تصل، فترك الركاب المطار إلى المدينة ليبحثوا عن أماكن يبيتون فيها ليلتهم. وحقيقة الأمر أن الطائرة قد لا تصل لعدة أيام وأن بعض الركاب لا يملكون المال الذي يتطلبه البقاء لمدة قد تطول. وتردّد أن السبب في ذلك أن الخطوط الليبية في طرابلس القذافي اتصلت بالسلطات التونسية المختصة لتعلمها بنواقص ومخالفات فنية تمنع تلك الطائرة الوحيدة التي كانت في مطارات الشرق كله عند اندلاع الثورة من الطيران، وتحمّل السلطات التونسية مسؤولية مخالفة قواعد الطيران الدولية إن هي سمحت لها بالإقلاع من مطاراتها. ليس مثل هذا العمل المؤذي لليبيين، مرضى أو أصحاء، بغريب عن نظام القذافي. ولكن الذي يدعونا إلى التوقف عنده هو حقيقة أن هناك مواطنين ليبيين من التكنوقراط الذين ينفذون الأوامر ويجتهدون لتكييف الوقائع ويديرون الاتصالات وتجهيز المذكّرات متضمنة ما يلزم من حجج ومراجع فنية وقانونية لكي يصل صاحب الأمر إلى غايته. قد تكون هذه الرحلات الجوية سببا في إنقاذ أرواح، وإلغاؤها سبباً في موت آخرين. هؤلاء شركاء للنظام في الجرم. هل هو الخوف أو غياب الضمائر أو الإثنان معا؟ لا يستطيع موظف الدولة أن يبرّئ نفسه من جرائم النظام متذرّعا بتنفيذ الأوامر. وهي ذريعة واهية تماماً متى استحضرها من وصلوا إلى المستويات الأعلى من السلم الوظيفي. جميعهم مسؤولون بدرجة أو أخرى، ما يجعلني أتساءل عن المقربين في هذه الفترة العصيبة بالذات: هل ينامون؟ 

ذكرت أجهزة الإعلام التونسية أن عدد العابرين لحدودها من نقطة راس اجدير اليوم قد بلغ 6000 شخصاً، وهو رقم يمثل زيادة كبيرة على الأيام السابقة. قد يكون أحد الأسباب هو توالي انتهاء امتحانات النقل بالمرحلتين الابتدائية والثانوية، إضافة إلى الارتفاع في حدة القمع والترهيب نتيجة إدراك النظام أن الساعة قد أزفت. صديق وصل يوم أمس قال لي إن رحلته التي بدأت عن الساعة السادسة صباح يوم الثلاثاء أوصلته إلى الجانب التونسي من الحدود عند منتصف الليل.. 18 ساعة لقطع 170 كيلومترا ! أخشى أن يغلق النظام الحدود مع تونس في وجه المواطنين العاديين في الأيام القريبة.

وأخيرا انطلق إرسال قناة ليبيا الأحرار على النايلسات. وقد جاء ذلك بعد مماطلة مصرية طويلة في إطار سياسة رسمية غير متعاطفة مع الثورة في ليبيا أو تحت إغراءات لا يخفى مصدرها. ويجيء الكرم المصري  ـ غير المجاني ـ هذا وقد بات واضحاً أن أيام النظام الليبي باتت معدودة، فلا فائدة من البقاء على متن سفينة غارقة. في جميع الحالات سيكون لبث ليبيا الأحرار على النايلسات أثره الكبير على الساحة في الغرب الليبي، فالغالبية العظمى لأطباق الالتقاط في طرابلس موجهة نحو النايلسات. سيكون لليبيا الأحرار أثرها الكبير لمستواها المهني العالي من ناحية، وللوضع البائس الذي نرى فيه قنوات القنفود هذه الأيام بعد أن استنفد كل طاقاته في الكذب والدجل والشعوذة، وبعد أن ملّ الليبيون العروض اليومية لشاكير وهالة وحمزة وقادربوه.

الخميس 9 يونيه (114)

معبر مصر إلى ليبيا الحرة تحت الصيانة

وتتوالى التطورات في الميدان الدولي. أتى اليوم اعتراف أوستراليا بالمجلس الوطني بعد اعتراف أسبانيا يوم أمس، وكان عبد الله واد أول رئيس دولة يزور المناطق المحررة. وصول رئيس السنغال ذو مغزى هام من حيث أنه رئيس دولة رئيسية فاعلة من القارة الإفريقية. وتقدمت إيطاليا وفرنسا للمجلس الوطني بمبالغ هامة مقابل ضمانات من الأموال الليبية المجمدة لديها. واجتمعت مجموعة الاتصال في أبو ظبي وكان مما قررته آلية لتوفير الأموال للمجلس الوطني. وحضر إلى بنغازي في اليومين الماضيين موفدون من روسيا والصين،.هل بقي للقذافي صديق أو متعاطف أو حتى طامع في منفعة؟ الجواب سيكون، للأسف، بالإيجاب.. وهم من العرب والجيران؟ أين مصر… الشقيقة الكبرى! هل بقي في النظام الرسمي المصري أمل لعربيّ؟ لماذا معبر مصر إلى ليبيا الحرة مغلق إلى الآن؟ هل هي أعمال الصيانة مثلما هو الحال في معبر رفح إلى فلسطين؟ عيب يا سادة، ليس هذا عشمنا في ثورة 25 يناير.

نيابة محكمة الجنايات الدولية، كما صرح أوكامبو، تملك أدلة الان تدين رأس النظام شخصيا بجرائم الاغتصاب الممنهجة والموثقة إلى حد كبير.

وبثت الجزيرة الدولية مقطعا مرئيا كان قد التقطه أحد جنود كتائب القذافي ويظهر في المقطع نفس الجندي و’القائد‘ جبران، الذي قتل لاحقا. الأعمال الإجرامية التي يصورها المقطع يقشعر لها البدن… تأباها كل نفس شريفة، ويحرمها الشرع، وتجرمها القوانين الدولية.

الجمعة 10 يونيه (115)

نازحون في تونس

 هجوم الكتائب مستمر على مصراته المجاهدة، وشهداؤها بالعشرات… وللكتائب قتلاهم من دون شك. عجيب أنه لا يزال هناك من يحمل السلاح باسم القائد البائد ومن أجله، وأعني كافة أنواع السلاح؛ أسلحة القتل والكلمة والمشورة وتنفيذ الأوامر بكل أنواعها وفي كافة مجالاتها. ماذا حلّ بنا نحن الليبيين؟ نعم هناك مرتزقة أجانب ولكن هناك مرتزقة ليبيون بالآلاف أيضا.. يقتلون النساء والشيوخ والأطفال.. يغتصبون حرائر شعبهم… يرقصون ويغنون فوق جثث ضحاياهم.. كل ذلك موثق، والكثير منقول عن الهواتف النقالة للأوغاد أنفسهم… اليوتيوب وغيرها من المواقع غنية بالأدلة المصوّرة للبشاعة والدناءة التي انحدر إليها أتباع القذافي… من الليبيين! نحتاج إلى نظرة مجهرية فاحصة علّنا نفهم ما حلّ بنا منذ حلول الظلام سنة 1969.

ولا يزال الليبيون في تونس ينتظرون وصول طائرة المجلس من بنغازي كي تعود بعائلاتهم ومرضاهم إليها وإلى مصراته… الانتظار مستمر منذ توقفت الرحلات المغادرة يوم الثلاثاء الماضي.

تطلب أرقام هاتف في بنغازي منذ عصر هذا اليوم ليأتيك الرد من تونيزيانا بأن “رقم الهاتف الجوال المطلوب غير مكتمل”!!!

يُقدر عدد الليبيين في الأراضي التونسية بمئات الآلاف، وقد يصل إلى 700 ألف مواطن نزح معظمهم من جبل نفوسة طالبين النجاة لنسائهم وشيوخهم وأطفالهم وأعراضهم؛ إضافة إلى أعداد كبيرة من المرضى والمصابين المتواجدين في كل مستشفى في تونس من جرجيس ومدنين إلى صفاقس والعاصمة. الجميع يتساءل أين المجلس الوطني من هؤلاء؟ تواجد المجلس على الأرض في تونس لا يقل أهمية عنه في الولايات المتحدة، وتواصلهم مع النازحين والمرضى والوقوف إلى جانبهم لا يقل أهمية بكل تأكيد عن التواصل مع الدارسين في الولايات المتحدة (بمختلف فئاتهم). كلّ ترتيب وطني واعٍ وموضوعي للأولويات سيضع هؤلاء غير بعيد عن رأس القائمة. الفئات المنكوبة والمتضررة من شعبنا في مناطقه ومدنه المحاصرة، وفي بلدان النزوح ــــــ وأولها تونس ــــــ هي الأوْلى برعاية المجلس الوطني من كل اتصالات واعترافات ومؤتمرات بدول العالم المختلفة… على أهميتها. 

السبت 11 يونيه (116)

الزاوية من جديد

اشتعلت جذوة الثورة في الزاوية اليوم من جديد، وأدت المواجهات مع الكتائب إلى قطع الطريق الساحلي إلى الحدود مع تونس. المواجهات جارية أيضا في زليتن وصرمان. ثائرة في وجه القذافي مصراته وجبل نفوسه والزاوية وصرمان وزليتن، ولا يزال القذافي وأبواقه يلقون باللوم على الشرق دون غيره من أنحاء ليبيا لــ “خروجه عن طاعة ولي الأمر” واستقدام القوى الأجنبية او “الاستقواء” بها. له ولأبواقه أن يكذبوا وأن يتصوروا ما يشاؤون، فذلك لن يخفي حقيقة أن ثورة النبلاء هذه هي ثورة كل الليبيين ضد الظلم والطغيان والسفه.

تونس تعج بالليبيين، من نازحين هربا من التقتيل وهتك الأعراض، وجرحى في معارك الثوار ضد الكتائب، وأبناء وأقارب رجال عهد الظلام وربما من رجال النظام انفسهم. الفئة الأولى موجودون في مخيمات لللاجئين وفي ضيافة اسر تونسية في الجنوب التونسي. أما رجال العهد المترنح وأبناؤهم فتجدهم في تونس العاصمة والمنتجعات السياحية بالدرجة الأولى، وتعرفهم بسياراتهم الفارهة.

سعدت هذا المساء برؤية اللواء الحريري، منسق الشؤون العسكرية بالمجلس الوطني يدلي بتصريحات للجزيرة من الزنتان.. من الزنتان…

صرح أردوغان اليوم بأنه قد اقترح على القذافي ’ضمانات‘ لخروجه من ليبيا ولكن لم يصله رد. وأوردت بعض وسائل الإعلام أنباء عن محاولات للمقربين من القذافي من قبيلته  والدائرة الضيقة المحيطة به لإقناعه بالتنحي مقابل ضمانات بعدم ملاحقته هو أو أسرته أو أقاربه والمقربين منه.

ليس لأردوغان صفة تخوله اقتراح ضمانات لأحد ممّن ارتكبوا جرائم بحق الليبيين، وخاصة جرائم القتل وسرقة المال العام، كائنا ذلك الشخص مَن كان. والقبيلة ينبغي ألا تكون معنية بالموضوع أساساً. أرجو أن يكون تعاملنا في ليبيا الجديدة على أساس المواطَنة وليس على أساس الانتماء لقبيلة أو جهة. يجب أن تخرج ليبيا من عباءة السلوك القبلي المتخلف محاباةً وولاءً وتسليحاً وإغداقاً للعطايا. قبيلة القذافي يجب ألا تكون مستهدفة بعقاب من أي شكل ولا غيرها من القبائل بتفضيل من أي نوع. وفي المقابل يجب ألا يفلت أي ’مواطن‘ من الملاحقة القضائية عن جرائم قد يكون ارتكبها، وهذا يشمل القذافي ولا يمكن أن يستثنيه، تماماً مثلما يشمل كل ليبي. الليبيون فيما أرى، سيصرون على ذلك.

الأحد 12 يوينيه (117)

ثورة النبلاء

في أخبار الصباح أن ’أمينا‘ قد انشق. انشق؟ لقد مضى على انبلاج الثورة الآن أربعة أشهر طويلة من قوافل الشهداء وتدير الممتلكات وانتهاك الأعراض وترويع الأبرياء. هل يريد هؤلاء أن يقولوا لنا الآن أنهم أبرياء من أفعال سيدهم؟ لقد تأخروا كثيرا جدا، والتفسير الأقرب أنهم يريدون النجاة بجلودهم.

وتيرة انهيار نظام القذافي في تسارع مستمر وملموس، فجبل نفوسه على وشك أن يتطهر من كتائبه تماما، وثوار الزاوية انتفضوا من جديد.. نحن في انتظار التحام الجبل والزاوية، وتقدم ثوار مصراته غربا. عندها ستفتح طرابلس… ويفر الجرذان.

وجدت سائق سيارة أجرة في تونس يذكر الرئيس السابق بن على بخير! قال إن القذافي يصف الليبيين بالجرذان ويقول ’نلوّح استقالتي على وجوهكم‘، ويسألهم باحتقار ’من أنتم؟‘… ’والله بن على كان متربّي.. مشى على حالُو من غير ما يقول كلمة خايبة‘ قال السائق.

ثورة 17 فبراير ثورة نبلاء خرجوا لاقتلاع نظام حكم إجرامي بصدور عارية من دون أن تكون لهم أجندات أو مصالح خاصة… 17 فبراير لم تكن فعل ساسة أو نخبة أو انقلابا دبره عسكر ذات ليلة. لذلك هناك خوف عليها أن تُختطف أو تُوظف لخدمة مصالح فئات أو قوى في الداخل أو الخارج تحرف الثورة عن طموحات وأحلام مفجّريها. ثورة 17 فبراير ملك مفجريها والآلاف من شهدائها في بنغازي والجبل الأخضر وجبل نفوسه ومصراته والزاوية وزواره وطرابلس وغيرها من بقاع الوطن. سيبقى أولئك الشهداء في ذاكرة الوطن وضمير الأمة على مرّ الأجيال، وعلى الأحياء من قادة المجتمع ونخبه، بعد استعادة الوطن من مخالب سارقيه أن يضمنوا لهذا الجيل والأجيال القادمة استحالة أن يختطف الوطن فرد أو قبيلة أو فئة بعد اليوم… ذلك مطلبٌ مبدئي لا يتقدم عليه مطلب، وفاءً لشهداء هذه الثورة، وحرصا على مستقبل نريد الأجيال تنطلق فيه حرةً مبدعةً عزيزة، تمدّ اليد للعالم من حولها مثلاً لسمو المبادئ والأخلاق والمعتقد.   

ما يجرى في ليبيا على أيدي كتائب القذافي ليس جديدا للأسف، فقد بان معدن القذافي بعد سنوات قليلة من سطوه المسلح على الوطن. يجب أن نتذكّر أنه قد مضى على 7 إبريل خمسة وثلاثون عاما وعلى الشنق في الشوارع والميادين الرياضية في شهر رمضان سبعة وعشرون عاما. الرجل لم يتغير، الذي تغير هو حجم التقتيل والتمثيل والإجرام، وظهور كل ذلك للعلن وعلى شاشات التلفزيون في كل بيت من قارات العالم كله.

لم يعد للمحيطين برأس النظام بعد كل هذه الجرائم التي يجري ارتكابها بحق الليبيين رجالا ونساء عذر أو حجة. والصمت لم يعد كافيا أو مقبولا. إن مجرد الظهور إلى جانب رأس النظام في ظل هذه الجرائم وفظاعاته التي يندى لها جبين كل شريف يُعدّ مشاركة فيها.. لم يعد هناك عذر أو تفسير مقبول.

الإثنين 13 يونيه (118) 

علم الاستقلال

اعترفت ألمانيا بالمجلس الوطني اليوم بعد تردد وتأخير، وجاء اعترافها عبر الحضور الشخصي لوزير خارجيتها إلى بنغازي. أما آن للموظفين لدى الأسرة الحاكمة نفسها أن يعترفوا بهزيمة قائدهم وينفضوا من حوله؟

شارع الهادي نويره بحي النصر بتونس العاصمة يزدحم كالعادة بالمارة والمتسوقين. الجديد تواجدٌ ليبي لا تخطئه العين. جلست بأحد المقاهي فكان علم الاستقلال يرفرف أعلى إحدى العمارات أمامي، ومن الجهة الأخرى نُصبت خيمة تعود لجمعية تجمع التبرعات للاجئين والمصابين الليبيين. ويمر طفل بعلم الاستقلال على صدره. بدأت جلستنا بأربعة وارتفع إلى ثمانية. أحدنا كان قد وصل من بنغازي منذ يومين فقط.

المدارس في الشرق المحرر أغلقت أبوابها منذ بدأت الثورة في فيراير، ولا تزال. لماذا؟ هل يوجد في الشرق سبب وجيه أو قاهر يفسر كيف نسمح بضياع عام دراسي كامل؟

الوطن لم يعد ملكا لفردِ وأولاده، الوطن أصبح للجميع وخيره للجميع. هذا التغيير لا يمكن أن يعني تسيّباً أو تنصلاً من واجب. التغيير يعني عملاً وكدّاً وتحصيلاً والتزاماً بالواجب والأخلاق والقانون، ولكن… لاحظت انتشار استعمال الهاتف النقال من قبل سائقي السيارات، الأمر الذي كان نادرا ما تلاحظه قبل الثورة في تونس، فقال صاحبي إن الشرطة قد فقدت قسطا من هيبتها، وأنها لم تعد في مثل حزمها السابق في ملاحقة مخالفي القانون. كنا في شارع باريس بالعاصمة، فأشار صاحبي إلى باعة الملابس والأحذية وكل شيء يخطر بالبال غصّ بها الرصيف على الجانبين، قائلا إن ذلك ممنوع، ولكن لم يعد تطبيق القانون واحترامه كما كانا قبل الثورة. هو انفلات سلوكي كما يصفه البعض في تونس.

الثلاثاء 14 يوينه (119)

طرابلس قادمة

رئيس وزراء تونس أعلن أن بلاده على استعداد للاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي إذا ما طلب المجلس ذلك! ومسؤول بالحكومة زاد على ذلك أن تونس قد استقبلت عددا من أعضاء المجلس إلا أنهم لم يطلبوا الاعتراف! كثيرا ما أجد نفسي عاجزاً عن فهم ما يبدو بسيطا غيرَ معقد. وهذا أحدها.

الاتصالات الهاتفية من تونس بشرق ليبيا لا تزال غير ممكنة… منذ بعد ظهر الثلاثاء الماضي.. لعلّ المانع يكون فنيا…  قابلا للفهم.

الطائرة الليبية من بنغازي لم تستأنف رحلاتها إلى تونس بعد. الخبر يقول إن الموضوع يتصل بترك تأمين الطائرة يسقط من دون اتخاذ إجراءات تجديده في الوقت المناسب… سوء إدارة في بنغازي، إن صحّ. أكثر من مائتي مسافر غادروا تونس يوم أمس بالقطار أولا إلى صفاقس ومنها بالبحر إلى بنغازي. شيوخ ونساء وأطفال مروا بأيام من الانتظار حتى وصلوا إلى صفاقس، حيث كانت أمامهم جولة أخرى من الانتظار على الرصيف أمام ميناء صفاقس إلى أن حان وقت ركوب ما يقولون إنه أقرب إلى الـ ’الفلوكه‘ منه إلى السفينة. أمامهم رحلة بحرية شاقة ستسغرق ما يقرب من عشرين ساعة. وعاشت البيروقراطية والتسيب في وقت الثورات كما في وقت اللامبالاة. 

يبرز في مناقشات المهتمين بالشأن الليبي حذر شديد مما ستؤول إليه الأوضاع حال سقوط النظام في طرابلس. يوجد تخوف من الفوضى ومن الاقتتال… بل من نجاح النظام في تحقيق ما هدد به الليبيين على لسان رأس النظام نفسه وابنه من فتنة لا تبقي ولا تذر. سكان طرابلس يقاربون المليونين. وهي مدينة كوزموبوليتان. طرابلسيو المدينة نفسها يشكلون أقلية صغيرة جدا وسط القادمين إليها منذ جيلين فقط، من الزاوية وغربها والعزيزية وجبل نفوسة ومن شرق المدينة حتى مصراته وما بعدها ومن شرق البلاد وجنوبها. لم ينصهر فيها الجميع ضمن مزيج متجانس خلع عنه ثياب أصوله القبلية والجهوية تماما بعد. والنظام في أيامه الأخيرة يحارب مفهوم المواطنة ويروّج للانتماءات القبلية والجهوية في بيئة طرابلسية تعج بكل هذه الانتماءات.

وطرابلس بثقلها السكاني وبكونها مركز السلطة والإدارة والأعمال، ستضيف للثورة الكثير وتغيّر الكثير وستكون لها المبادرة في الكثير. ومن هنا يوجد تخوف من أن يبدو ’الانتقالي‘ ’دائماً‘ نتيجة خطأ في الخطاب الموجه إلى الخارج أو إلى الداخل أو نتيجة سلوك فردي من هنا أو هناك. حمى الله ثورة 17 فبراير من أعدائها…. ومنّا. 

الأربعاء 15 يونيه (120)

اغتصاب أمة

الثوار بسطوا سيطرتهم على الجبل بشكل يبدو أنه كاملا. والزاوية تقاوم هجمات شرسة من الكتائب. لن يسلم النظام في الزاوية وغربها بسهولة أبدا. سقوط الزاوية سيعني إغلاق شريان التواصل والإمداد الرئيسي للنظام مع العالم.

أتابع قناتي ليبيا الأحرار وليبيا الحرة، الأولى للأخبار والمناقشات في الأحداث الجارية والثانية لنقل نبض الشارع الليبي المحرر نقلا مباشرا من ميدان التحرير في بنغازي. للقناتين شأن في غاية الأهمية في رفع الروح المعنوية لأهلنا في المدن والمناطق المحاصرة… أما شاكير وهالة وحمزة وقادربوه فقد فقدوا جزءا من جمهورهم وفقدوا جلّ ما بقي لديهم من مصداقية حتى لدى المغفلين من جمهورهم. مكافئاتهم المالية المعتبرة ستكون بحاجة إلى إعادة نظر، قياساً بمردودها المتناقص!

سمعت روايات لا تكاد تصدق عن حملة الاغتصاب الممنهج التي تقوم بها الكتائب.. لا تكاد تُصدق لولا الثقة في مصادرها. الموثّق مما قام به الأنذال يجرّم النظام برمته، وليس فقط مجنديه ومرتزقته على الأرض. أتباع النظام وموظفوه ممن هم على علم بما جرى ويجرى من انتهاكات للأعراض مشاركون في المسؤولية لمجرد بقائهم صامتين. قد يقابل أحدهم يوما ما، ولو عن طريق الصدفة، أحد أولئك المتضررين. عندها، لن يشفع له القول أنه كان مختصا بشؤون سياسية أو مالية أو إدارية لا علاقة لها بما يجري في الميدان. هذه جرائم ضد الأمة وليست ضد أفراد، ومرتكبوها هم كل المشاركين فيها إن كان بالتخطيط أو بالأمر أو الفعل …. أو الصمت عنها. وقد كان عدوانهم، بجرائمهم الدنيئة هذه، على الأمة بأسرها، بجميع رجالها ونسائها.

الخميس 16 يونيه (121)

انتخابات شرابين الدم

خرج سيف ليقول إن والده سيوافق على إجراء انتخابات خلال أشهر ينسحب بعدها إذا خسرها. والدك يا سيف خسر كل أهلية في أن يكون له صوت في مستقبل هذا الوطن ساعة أعطى زوج خالتك الأمر بـ ’رمي الكلاب‘ على جسر جليانه مفتتحا مسلسلا جهنميا من قتل الأبرياء وتدمير المدن واغتصاب النساء. والحقيقة أن في هذا تجاوزاً لجرائم كبرى سبقت هذه الثورة، فقد كانت هناك التصفيات في شوارع أوروبا والشنق في الجامعات الليبية والشنق في مختلف المدن في شهر رمضان 1984 ومجزرة بوسليم وغير ذلك مما هو معلوم وغير معلوم من جرائم ارتكبتموها بحق هذا الشعب الصبور. لقد آن لـ ’شرابين الدم‘ أن يرتاحوا…. ويريحوا.

وخرج أيضا أمين اللجنة الشعبية العامة ليعلن مرة أخرى أن معمر القذافي خط أحمر… هكذا. هؤلاء قوم لا يعيشون في الواقع. سيدهم غائب عن الوعي بما يجري على الأرض، وهم لا يملكون غير ترديد ما يسمعون. وغدا سيجيء الرد من محكمة الجنايات الدولية بصدور الأمر بإلقاء القبض على قائدهم وابنه وعديله … والبقية تأتي.

قابلته وقد ترك طرابلس مثلي. كان سعيدا متفائلا. كان قد قضى أكثر من خمس سنوات تحت الاعتقال، معظمه كان في زنزانة انفرادية. لم يُحاكم على شيء ولم يُحقق معه… حتى أُطلق سراحه. استعاد لى قصته في السجون، التي كان آخرها ــوأفضلها سجن بوسليم، ومع المحققين.

ويستمر قصف طيران الحلفاء لباب العزيزية. لقد رأينا، على مدى الأربعين عاما، كيف تُهدم المنازل والنوادي وكل مكان له صلة بعمل يقوم به فرد أو جماعة ضد النظام. والآن نرى ــــــ ويرى ــــــ كل مكان له صلة بشخصه ونظامه وأعماله يُهدّم تهديماً بما فيه. باب العزيزية أصبح قاعاً صفصفاً.

الجمعة 17 يونيه (122)

غياب الوعي

 بخطابه اليوم دخل القذافي طورا جديدا.. لقد كان عصبيا متشنجا غير آبهٍ باعتبارات لياقة أو أدب خطاب بدرجة فاقت كل ما عهدناه قبل اليوم. وسمعت جزءا من الكلمة مرة ثانية فكان تدخل ’المقص‘ واضحا.. كان خاليا من وصف الناس بـ ’أولاد الكلب‘ حيث استعمل هذا التعبير حين سمعته عند إذاعته أول مرة.. وربما تمّ كذلك قصّ عبارات ’اتفو عليكم‘ و’حمير الخليج‘ وما كان على شاكلتها. هل وجد أن خطابه ’يحشّم‘؟ قد يكون العذر في التفوه بمثل هذا الخطاب هو فقد الوعي أو العقل، ما يؤدي إلى السؤال عما أفقد الوعي أو العقل… هل هو قرب النهاية؟

قابلت شابين لييبيين قبيل انطلاقهما صباح اليوم إلى الجنوب التونسي ومنه إلى كاباو بجبل نفوسه حيث سينعقد مؤتمر شباب ليبيا يوم الغد. جميل أن ينعقد مؤتمر لشباب ليبيا لكي يُسمعوا صوتهم لكل الليبيين وللعالم في هذه الظروف، وجميل أيضاً أن ينعقد المؤتمر في أرض ثائرة محررة، وفي جبل نفوسه تحديداً. في المقابل أوردت وسائل الإعلام خبر انعقاد مؤتمر قبائل ليبيا في الأيام القليلة القادمة… في روما. ما الحاجة لأن ينعقد مؤتمر للقبائل؟ قبائل؟ وما المبرر، وقد تم تحرير أكثر من نصف البلاد، لأن يعقد الليبيون مؤتمراتهم خارج ليبيا؟

دخلت العاصمة تونس مساء بسيارتي الليبية، فأوقفني رجال من الحرس الوطني.. تمتمت لمن معي ’ياساتر إن شا الله الأوراق كاملة وصحيحة‘، وإذا بالضابط يقترب مني باسما ليقول ” بن عْلي فْهمنا بعد 23 عام. وقتاش باش القذافي يفهمكم؟”. ولم يسأل عن أي مستندات. ضحكت معه وواصلت رحلتي إلى المدينة.   

السبت 18 يونيه (123)

كيماوية

استقبلت تونس رئيس المجلس الوطني إلانتقالي هذا اليوم. خطوة جيدة وإن كانت متأخرة وتفصلها مسافة كبيرة عن التعاطف الكبير والمساندة المعنوية والمادية من إخوتنا التوانسة. لم يواكب الزيارة اعتراف بالمجلس كما كان متوقعا، بل مجرد فتح مكتب تجاري في بنغازي، يذكّرني بالمكاتب التجارية التي تبادلتها دول عربية من بينها تونس نفسها مع إسرائيل عوضا عن اعتراف كامل ’مفضوح’.

قد يتمكن السيد عبد الجليل أثناء زيارته من التواصل مع النازحين في الجنوب التونسي ــ أو حتى في المناطق المحررة من جبل نفوسه ــ أتمنى أن يكون ذلك متيسرا.

سألتني ابنتي عن الوصف بـ ’شرابين الدم‘، والتفسير للأجيال الأصغر واجب. ليس القصد بهذا الوصف لـ ’القائد‘ وأتباعه إهانة أو قدح، بل هو وصف تفاخر به القائد نفسه في أهزوجة من نظمه ــ ربما ـ تغنّى بها من شرفة مكتبه بباب العزيزية وإلى جانبه حافظ الأسد يصفق له. كان ذلك في الثمانينيات، وكان مطلعها ’حافظ حافظ لا تهتم… نحنا شرّابين الدم‘. يقتلون ويدمرون وينتهكون الأعراض… شرابين الدم …. باعترافهم.

بدأ النظام يلوّح بمخزونه من الأسلحة الكيماوية، محذّراً الغربَ بإمكان تسريبها إلى منظمات إرهابية. أما التهديد الأكبر الذي نخشاه فهو استعمال هذه الأسلحة في الساعات الأخيرة ضد الليبيين. اليأس واضح هذه الأيام في كلماته وفي تحركاته، وفي هذه الحال يكون في أخطر لوثاته. اليقظة واجبة على الجميع، ومسؤولية من يملكون المعلومات والقدرة على فعل شيء يقي البلاد من عواقب حماقة كبرى، مسؤوليةٌ كبرى أمام الله وشعبهم والتاريخ. وحمى الله البلاد والعباد.

الأحد 19 يونيه (124)

كاباو

انعقد مؤتمر شباب ليبيا في كاباو بجبل نفوسه يوم أمس، ولم تورد وسائل الإعلام عنه شيئا. تحدثت اليوم مع بعض العائدين من ذلك المؤتمر. بلغ عدد الحضور حوالي 250 شخصا من كافة أنحاء ليبيا، تعارفوا وتدارسوا في الوضع الراهن وخرجوا بتوصيات تتعلق بوقوفهم مع المجلس الوطني الانتقالي في هذه الفترة الحرجة، وبتطلعاتهم اللمرحلة التالية لإتمام التحرير. توافدوا من كافة أنحاء ليبيا واجتمعوا داخل ليبيا. لم يجتمعوا في روما أو الدوحة أو في مدينة ليبية كبرى مثل بنغازي … بل في جزء من الوطن كان شبه منسي داخل ليبيا نفسها إلى أن ثار أهله فإذا العالم كله يسمع بالزنتان ونالوت ويفرن وجادو وككله ووازن.. شعب جبل نفوسه محروم من أبسط متطلبات الحياة الكريمة، بدءاً بشبكات مياه الشرب والسكن اللائق، ووصولا ــ مثلما هو حال باقي الوطن ــ إلى الحالة البائسة لمرافق الصحة والتعليم.

كانت رحلة الشباب في الطريق من وازن إلى كاباو محفوفة بالمخاطر، حيث كان قصف الكتائب العشوائي عن بعد. ولكن كاباو نفسها كانت آمنة هادئة. استعدادات المدينة لتوفير ما يلزم لإنجاح أعمال المؤتمر كانت ممتازة، واستضافتهم وترحيبهم بإخوانهم تركت أثرا لن يمّحي من ذاكرة المشاركين. لم يكن ترحيب وكرم أهل كاباو محل اندهاش أحد وأهل كاباو من هم، والمؤتمر ربما الأول من نوعه على مستوى الوطن الذي يُعقد في مدينتهم، وفي هذه الظرف التاريخي بالذات.  

وكان وراء هذا الحدث الهام ثلة من الرجال المنظِّمين الذين لم يكن المؤتمر لينعقد لولا جهودهم ومثابرتهم على مدى أسابيع عديدة، والمقاتلين والمسؤولين الذين وفروا الأمن والاستعدادات اللوجستية اللازمة لإنجاحه في ظروف قاسية للغاية.

تمنيت اهتماماً إعلامياً أكبر بهذا المؤتمر… وحضوراً من المجلس يتناسب مع الحدث ومغزاه الوطني الكبير. كاباو للّيبيين أهم من لندن وروما.. وأكبر.

الإثنين 20 يونيه (125)

قتل وكذب وبكاء… وسؤال

حزنّا لموتانا من أبرياء عراده وصرمان… قضوا تحت غارات الحلفاء في اليومين الماضيين. تقبلهم الله تعالى برحمته وأسكنهم واسع جناته مع الشهداء والصديقين.

حزنّا عليهم حزننا على موتانا من شهداء الثورة، وحزنَنا على كل بريء من أي عرق أو لون يُقتل.

غارات التحالف في غاية الدقة، وهذا ما شاهده سكان طرابلس بأم أعينهم وانبهروا به. لقد رأيت شخصيا ما حلّ بمباني الرقابة الشعبية والأمن الداخلي بشارع الجمهورية والأمن الخارجي على طريق البيفي. لم تلحق أضرار بأي منشئات حولها. وعندما يُقتل مدنيون ــ كما حدث في عراده ــ فهو الخطأ.

واستعمال مجمع مزارع وقصور الحميدي في صرمان لأغراض عسكرية، ما يجعله هدفا مشروعا، ليس بالمستغرب في شيء، وقد رأينا يوم أمس مقطعا مصوَّرا لقذيفة أطلقت من مئذنة مسجد.

أما قتل الكتائب لليبيين فهو مقصود وممنهج… هو قتل جماعي وعشوائي مصحوبٌ بتدمير المدن بما فيها من منازل ومصانع ومساجد ومرافق، وباغتصاب المسلمات الحرائر وكأنهن سبايا حروب الجاهلية. ورأينا ذلك في مدن الزاوية ومصراته واجدابيا ويفرن… ورأيناهم يقتحمون المنازل.. يسرقون ويحطمون ويختطفون.

في غارات الناتو قُتل بضعة أفراد، وفي حرب الكتائب على الليبيين إبادة شعب وإذلال من يتبقى منه.

حزننا على ضحايا حرب القذافي على الليبيين ممزوج بغضب لن يهدأ حتى يرحل النظام برأسه وأولاده وخدّامه وأنذاله وكذّابيه.

لقد عرفناه نظاما كاذبا مفتريا. لا نصدّق رواية ينطق بها رأسه أو أبواقه، بدءاً من كبار موظفيه في مؤتمراتهم الصحفية وانتهاءً بهالته وشاكيره وحمزته في استوديوهات القنفود.

وقد أضاف النظام إلى الكذب تباكياً واستدراراً لعطف الناس في الداخل والخارج… هو تباكي الضعيف المستنجد بحثا عن وسيلة للنجاة.. ولا من يلبّي فقد أزفت الآزفة.

هل شعر الفريق الحميدي ورجال النظام بالألم نفسه لما حلّ على أيدي كتائبهم بأهل الزاوية، وهو أضعاف أضعاف ما حل بمزرعة الخويلدي؟… مجرد سؤال.

الثلاثاء21 يونيه (126)

منشورات

كان قد وصل من بنغازي منذ يومين فقط، وكنت مستمعا بشغف لقصص الثورة حيث تفجّرت… ما يجب تدوينه الآن هو تلك القصص التي قد تبدو صغيرة في خضم طوفان الثورة المستمر منذ ما يزيد عن أربعة أشهر… إنها قصص الشباب والشيوخ والنساء في بنغازي ودرنة والبيضاء ونالوت ومصراته ووازن والزاوية والزنتان وزواره، وفي كل بقعة من الوطن… ستروي لنا تلك القصص وتسجل للأجيال القادمة ثورة شعب ظنه البعض في عداد الموتى منذ سنين طويلة، وستروي تلك القصص أمثلة وعبراً عن سنن الله في الحياة وفي خلقه، وستروي أمثلة للشجاعة والشهامة والنبل والتضحية تضيء الطريق أمام الأجيال القادمة.     

جزء من الحديث كان عن أعضاء اللجان وأمن النظام.. القبض على بعضهم وفرار بعضهم واستمرار البعض الآخر في ضلالهم حتى اكتشف أمر خلاياهم النائمة. واستوقفتني حكاية امرأة ضبطت توزع منشورات مضادة للثورة تم اعتقالها. وهنا أسأل لماذا تُعتقل هذه المرأة إذا كان ما فعلته هو توزيع منشورات مضادة للثورة… أو مضادة لأي شيء. أليست الثورة مع حرية التعبير والجهر بالقول من دون خوف؟ تمنيت لو جيء بهذه المرأة إلى ميدان التحرير وأعطيت الفرصة لمخاطبة الناس بما تريده أو بحقيقة أمرها، من دون تهديد أو قيد على حريتها طالما كانت في إطار القانون.. ثم تُترك لتعود إلى بيتها. لماذا استمرار بيئة المنشورات السرية؟

من المسلمات أن للدول المتحالفة مصالحها، وللحكومات حساباتها الحزبية والسياسية الداخلية الضيقة. وفي هذا الإطار جاءت مطالبة وزير خارجية إيطاليا بالتعليق الفوري لعمليات حلف الأطلسي في ليبيا، وتعبير عمرو موسى عن قلقه!. لذلك يجب ألا نركن لقيام الآخرين بإسقاط النظام نيابة عنا. الدول المتحالفة تمنع تقدم الثوار على جبهتي زليتن والبريقة، وترفض تسليحهم، وترفض توفير جزء من أموالنا نحن الليبيين المجمدة لديها، ولا تقوم من ناحية أخرى بعمل عسكري حاسم هو ضمن قدراهم العسكرية من دون شك. قيل إنهم “لا يريدون قتل الذئب ولا إبادة الغنم”.. لأغراضهم الخاصة.

الليبيون هم الطرف الأساسي في هذه المعادلة.. زمام المبادرة يجب أن يكون بيدهم..  بالفعل الميداني والانتفاض السلمي ــ تظاهراً وعصياناً ــ يفرض الليبيون أمراً واقعاً مُواتياً لتحقيق أهدافهم…. وإسقاط الطاغوت. وليقل فراتيني وعمرو موسى وقتها ما شاءوا.

الأربعاء 22 يونيه (127)

الجن وسليمان.. والإنترنت

أينما حللت، في تونس أو روما أو القاهرة، سيكون أول أسئلتهم متى عرفوا أنك ليبي: “متى هو ذاهب؟”… والإجابة الدقيقة هي أنه بالفعل قد ذهب، ولكن المحيطين به من أبناء وأبناء عمومة وشغالين في مختلف درجات الأستاذية والدكترة والعسكرية يتملكهم الخوف، خوف الجن من سليمان وقد مات. حاشى أن أشبه الطاغية بسيدنا سليمان ولكن هناك وجه شبه بين ما حلّ بالجن عنده والخدم المحيطين بطاغوت ليبيا: (ما دلّهم على موته إلا دابةُ الأرضِ تأكلُ منسأتَه فلما خرَّ تبيّنت الجنُّ أنْ لوْ كانوا يعلمون الغيبَ ما لبِثوا في العذابِ المُهين…. صدق الله العظيم)… ومثلما الاستبداد مفسدة مطلقة، الخوف كذلك مفسدة مطلقة، كما يقال، فهل لهؤلاء من دابّةِ أرضٍ تنقذهم من مهانتهم؟

الاتصالات بالمناطق المحررة وداخلها صعبة للغاية. ليس من السهل الحصول على خط عامل من خطوط ليبيانا في بنغازي، وشبكة المدار لا تعمل، والإنترنت تكاد تكون غائبة تماماً. أفهم أن يقطع النظام المنهار اتصالات المناطق المحررة بتلك التي يسيطر عليها، ولكنني لا أفهم لماذا لم يقم المسؤولون في المجلس الوطني وملف الاتصالات بمعالجة الوضع داخل المناطق المحررة ومع العالم طوال هذه المدة. الاتصالات عصب العلاقات الاجتماعية والأسرية، وهي عصب اتصالنا بالعالم من حولنا وإيصال صوتنا له في هذه الفترة العصيبة. لماذا نتركها شبه مقطوعة؟ لماذا لا يتواصل المواطنون في المناطق المحررة مع العالم عبر الإنترنت؟ لقد قطع النظام شبكة الإنترنت تماما حيث يبسط سيطرته، ومن يُكتشف أن له اتصالا عبر شبكة خاصة تركها أصحابها عاملة رغم الأوامر المشددة بقطعها، يكون له من العقاب ما نتصور وما لا نتصوّر. ذلك مفهومٌ بالنسبة لنظام قمعي منهار… ولكن في بنغازي المحررة؟ بإمكان السلطة في بنغازي استقدام شركات تقوم باستئناف الخدمة على ليبيانا، وبتشغيل أصول المدار في المناطق بما في ذلك الترددات الثمينة. نعم هناك تعقيدات قانونية وتجارية، ولكن الظرف قاهر.

الخميس 23 يونيه (128)

للفجور نجاحاته… إلى حين

قامت قيامة آلة الكذب والدجل في ليبيا لأن مزرعة وقصور الخويلدي الحميدي تم قصفها، وأعلنت مقتل ’19 مدنيا‘، وأذاعت صورا لا تذيعها الإذاعات المحترمة  في العالم، صوناً لكرامة الموتى وحفاظاً على مشاعر المشاهدين بمن فيهم من أطفال. ولكن ليبيا القذافي لا كرامة فيها لحي ولا ميت.

ليس غريبا أن يذيع النظام في ليبيا أي شيء على الإطلاق… دجاجة وضعت بيضاً أخضر… الاستعانة بملك الجان في ضرب قوات الناتو… إذاعة صلاة الجمعة من مصراته بعد اندحار الكتائب فيها! ..

الغريب أن أجهزة الإعلام في العالم رددت ادعاءات بروباجاندا القذافي وكأنها حقائق.. وأن سياسيين حول العالم بنوا عليها آراء وتصريحات.

واردٌ جداً أن عدداً من المدنيين قد قتل، ولكنه في جميع الأحوال لن يكون 19. أما الصور فقد تكون لأي موتى، فجثامين ضحايا حوادث المرور وشهداء الثورة نفسها تملأ ثلاجات الموتى وغير ثلاجات الموتى. حتى ثلاجات الفنادق كما يُروى في طرابلس، والفندق الكبير تحديداً أحدها، استخدمت لحفظ الجثامين إلى الوقت المناسب.

والموقع الضخم، بحظائر حيواناته وقصوره وأحواض السباحة والمخازن وبأطباق اتصالاته، لم يكن موقعا بريئا تسكنه بعض العائلات. النظام الذي يستخدم المجمع الصحي بطريق المطار كغرفة للعمليات ومآذن المساجد كمنصات لإطلاق الصواريخ، سيستخدم هذا الموقع من باب أولى كمركز من مراكز عملياته، خاصة وأن شاغله وابنه عنصران بارزان في قيادة هذه العمليات.

ساكن الموقع ليس مواطنا بريئا وأسرته. إنه أحد أعمدة آلة تقتيل الثوار والمواطنين وتدمير المدن والسرقة والاعتداء غرب طرابلس، وفي الزاوية وزوارة على وجه الخصوص… ليس هناك مسوّغٌ  للبكاء أو التباكي والاستعطاف.

الخويلدي الحميدي والوطن؟  تُسأل عن ذلك أطلال تلك المزرعة التي لفتت نظر المراسلين الأجانب لما رأوه فيها من مظاهر البذخ والترف حين زاروها … من الواضح أن ملكية المجمّع تعود لرجل قوي وثري تقول صحيفة التلجراف (20/6/2011).

الذي حدث فخٌّ إعلامي من نظام كاذب فاجر… وقع فيه من وقع.

الجمعة 24 يونيه (128)

من أم الدنيا

نزلت في هذا اليوم إلى وسط القاهرة. مررت بميدان التحرير فوجدت مساحة كبيرة منه تحت الصيانة، هي مسيّجة وتضم آليات وروافع. ذكّرتني بصيانة معبر رفح! ومررت بميدان مصطفى محمود فكان هناك حشد من المتظاهيرن يحملون لافتات تأييد للرئيس المخلوع وصوراً  له. سألت:

من هؤلاء؟

إنهم الثورة المضادة.

هل هم يتظاهرون بترخيص؟

لا حاجة لترخيص بالتظاهر (ولا أعتقد ان ذلك صحيح)

واستمر قائلاً: هي ليست مظاهرة كبيرة. هي أصغر مما يظهر، إذا ما عرفت أن جزءاً من الجمهور متفرجون وجزء آخر من رجال المخابرات.

من الصحيّ أن يُترك هؤلاء يعبرون عن رأيهم  ضمن القانون… وكذلك غيرهم، من دون انحياز من السلطة أو إقصاء.

بمكتبة الشروق، وفي مكان بارز من مدخلها كان كتاب بعنوان “من أنتم؟” لإيهاب طاهر، وعلى الغلاف رسم كاريكاتوري للقذافي. وأغنية “زنقه زنقه” كانت هناك في حافلات تونس… الرجل أصبح مسخرة لدى الناس في كل مكان.

اتصل بي صديقان خرجا من طرابلس يوم أمس. الوضع الأمني بالنسبة لعامة الناس أصبح لا يكاد يُطاق. رجال الأمن منتشرون في كافة شوارع المدينة بكثافة كبيرة جدا. قال لي أحدهما أن النقاط الأمنية بشارع بن عاشور مثلا يبلغ أربع نقاط. وأنهم حالة عصبية جداً يُطلقون النار حيث لا ضرورة لإطلاق نار، ووقعت بالفعل حوادث قتل لهذا السبب. المدينة يصفونها بأنها مدينة أشباح. تبادل إطلاق النار يُسمع ليلا من كافة الاتجاهات.

يبدو أن النظام قد أشار إلى زبانيته بتونس بأن يستهدفوا الليبيين هناك، فكان الاعتداء على جمعية إغاثة ليبية في جربة منذ يومين، وبالأمس أحرقوا سيارة أحد الليبيين في العاصمة. المستهدفون بهذه الاعتداءات هم الليبيون المناوئون للنظام. لقد بدأ الخوف يدب بين الليبيين في تونس، ولا بدّ للسلطات من أن تتعامل مع ذيول نظام القذافي في تونس بالحزم اللازم.

السبت 25 يونيه (129)

القنفود في قفص الاتهام

في جلسة لها صباح اليوم قررت محكمة القضاء الإدارى بالقاهرة تأجيل النظر في الدعوى التى رفعها مواطنون ليبيون مطالبين بوقف بث القنوات الفضائية التابعة لنظام القذافى على أقمار نايلسات المصرية إلى يوم 2 يوليو المقبل.

برامج القنوات المرئية لنظام القذافي مزيج من الكذب والدجل وبث الفتنة والمس بالأعراض، تستخدم أدعياء علمٍ يعتدون على الدين الحنيف بتقديم الحجج ’الشرعية‘ دفاعا عن ’وليّ أمر‘ خارج عن طاعة الله في حربه على شعبه تقتيلاً وتعذيباً وتدميراً للممتلكات وهتكاً للأعراض. وهي ضالعة بشكل مباشر في هذه الحملة بإذاعتها لأوامر مشفرة من القيادة بعد انهيار خطوط اتصالاتها.

لذلك قرر مجلس الجامعة العربية وقف بث هذه القنوات على الأقمار العربية. ولكن الشركة المشغّلة للنايلسات والحكومة المصرية كان لهما رأي آخر.

موقف الحكومة المصرية ملتبس في أقل تقدير، أما نايلسات فموقفها واضح جداً، فهي شركة تجارية معنية بالربح… ونقطة على السطر. الربح هو المحرك الرئيسي لشركات إعلامنا إنتاجاً وبثاً، من غير أن ننسى أجندات غير خفية للأنظمة ولقوى أجنبية. وانطلاقا من هذه الرؤية لرسالة الإعلام ــ لدى مستثمرين وساسة ــ يعجّ فضاؤنا المرئي بالمبتذل والرخيص… والمدمّر. المهم تعظيم مردود المساهمين في هذه المشروعات التجارية، أما الحرية والكرامة ومستقبل الأمة، فهي من مفردات ما يسمونه لغةً خشبية…. هي مفردات الربيع العربي يا سادة.

في هذه القضية محاكمة لمؤسسات الإعلام العربية، وفيها مقدمة لمحاكمة النظام في ليبيا ورأسه. وتأتي هذه الجلسة اليوم وسط أنباء عن مفاوضات يجريها ممثلون عن القذافي قد تؤدى إلى تنحيه عن السلطة دون أن يترك ليبيا أو يُقدم للمحاسبة عما اقترفه بحق الوطن وبحق مواطنين أفراد، ما يعني العفو عنه. حق العفو يملكه المتضررون ممثلين في سلطة شرعية منتخبة يرتضيها الليبيون، وهذا ما لم يتم تأسيسه بعد، وهو كذلك بيد أي متضرر فرد، لا يملك أحد أن يمنح القذافي عفواً نيابة عنه. ولن  ننسى أن لنا في القصاص حياة إن كنا من ذوي الألباب.

الأحد 26 يونيه (130)

مِيّه مِيّه

تتصل بقريب أو صديق بطرابلس، فتنتهي بمكالمة ضئيلة المعنى والفائدة، عدا أن الشخص على الطرف الآخر حيّ يُرزق، وأنْ تسمعه يقول في كل مرة أنه والأهل بخير.. كل شيء في طرابلس على ما يًرام.. ميّه ميّه بلغة شباب هذه الأيام!! هكذا هو الحديث مع الأسْرى سكان طرابلس. لقد تحولتُ بعد مكالمةٍ مع طرابلس مساء اليوم إلى نشرة أخبار الجزيرة، فإذا بمقطع فيديو يصوّر عملية قتل مروّعة لمواطنين في منزلٍ بسوق الجمعة. وفي أثناء الجريمة يتبادل القتلة الحديث وترتفع أصواتهم ضحكاً على من يصفونهم بــ ’الجرذان‘. الضحايا كانوا ملقوْن على الأرض ودماؤهم تسيل… مثالٌ على سفالة ونذالة مرتزقة النظام ــ الليبيين ــ بالصوت والصورة. ما سمعته كان أشدَّ وطأة مما رأيته…. رأيت فيهم وسمعت منهم دقائق معدودة تلخص طغياناً استمر اثنين وأربعين عاما… ما كان أصبرنا على القهر والإجرام.

وفي نفس النشرة الإخبارية عرضت الجزيرة صوراً للدمار في شارع طرابلس بمصراته. صدمتني المشاهد، بالرغم من كل ما شاهدته يُبث من مصراته على مدى الأشهر الثلاث الماضية… صمود أهل مصراته البطولي وتضحياتهم سيسطّرها تاريخ ليبيا بأحرف من نور.    

هل في مثل هذه التقارير والمشاهد ما يقلق النظام؟ أشك كثيرا أن الأمر كذلك. لقد أشبع القذافي الليبيين قتلاً وتعذيباً وتهديماً للممتلكات منذ سطا على الوطن سنة 1969، وتعمّد أن يرى الليبيون آثاره فيهم، فنصب المشانق في الجامعات والساحات العامة ونقل عمليات الشنق نفسها على شاشات التلفزيون… إرهابي دموي عبثي حتى النخاع.

ورأينا لجنةً من رؤساء إفريقيين تجتمع اليوم في بريتوريا في ’وساطة‘ تبحث عن حل… علّها تأتي بالمزيد من المنافع لهم والمزيد من الوقت لرب نعمتهم.

لقد تجاوزت تضحيات الليبيين كل احتمالات مصالحةٍ أو تعايشٍ مع الطاغية وعصابات إجرامه. وهو لن يرحل طوعاً؛ إنه يشتري المزيد من الوقت للمزيد من القتل والتدمير وهتك الأعراض… ومن بعدُ يواجه نهايته… يومها سيرى الليبيون وجها لم يتخيله أحد، فعملية المسخ مستمرة، والرجل مستمر في الاختفاء عن الأنظار.

الإثنين 27 يونيه (131)

كْفاها فيها

لم تخْلُ المكالمات الهاتفية مع الأصدقاء ه­­ذا اليوم من التذكير بأن ظهر اليوم سيكون موعد إعلان محكمة الجنايات الدولية طلب القبض على معمر القذافي وسيف القذافي وعبد الله السنوسي لمواجهة تهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أتصور الليبيين جميعا قد تجمعوا أمام شاشات التلفزيون لمتابعة الحدث. وكان…. ظهرت قاضية إفريقية تعلن طلب القبض على ملك ملوك إفريقيا! القائد الأممي عميد القادة العرب قائد ثورة الفاتح العظيمة أصبح مطلوبا… فارّاً من العدالة.. يجد الأرض قد ضاقت عليه بما رحُبت. لقد وجدت المحكمة الدولية من الأدلة ما يكفي لمحاكمة معمر القذافي ونظامه على ما ارتكبوه خلال بضعة أشهر فقط من هذا العام… والجريمة في الحقيقة مستمرة منذ اثنين وأربعين عاماً.. والحساب جارٍ… وقادم.

لا أشك إطلاقاً في أن طول هذه الفترة العصيبة ــ والمجيدة ــ فيه استيفاء لجزاء الطاغية وأتباعه من عذاب هذه الدنيا قبل الآخرة. وحقّاً “الدنيا كْفاها فيها”. بعد ’عظمةٍ وقيادةٍ وزعامةٍ ومُلكٍ فوق الملوك’ أصبح القائد مطاردا من أجهزة العدالة الدولية، ومثاراً لسخرية الكبار والصغار في أنحاء العالم.. وشكله على ما نرى.

غصت الشوارع والميادين في المدينتين المحررتين، بنغازي ومصراته، بالليبيين فرحين محتفلين. كان خروجهم استفتاءً لليبيين شرقا وغربا.. أما تلفزيون شاكير فقد كان غير معني بحدث تابعه العالم كله.

من بين نزلاء فنادق القاهرة والإسكندرية الكثير من الدبلوماسيين ورجال الأعمال من مختلف الدول، في طريقهم إلى بنغازي. تحدثت مع اثنين منهم بأحد المقاهي. يعرفان ليبيا معرفة جيدة ولهما فيها أعمال؛ غادراها في بداية الثورة، وهما الآن في طريقهما إليها لمتابعة ’بزنس‘ لا يعرف أصدقاء دائمين، ولا تشكّله مبادئ أو أخلاق… تماما كما في السياسة عندهم؛ في تنافسهم على السلطة داخل بلدانهم أو في تعامل دولهم مع الدول. المصلحة وحدها تقرر التوجهات والسياسات.. براجماتية، إذا أردنا التأدّب.

وهكذا كان القذافي في سعيه لتحقيق أطماعه في الانفراد بسلطة مطلقة على ليبيا والليبيين… كان سعيه محموماً مدمِّراً. لم يُقم وزنا لقيمةٍ إنسانية أو عرف أو قانون أو للحياة نفسها، فبقي جاثما على صدور الليبيين اثنين وأربعين عاما… قائدا.. ملكا.. طاغية.

وزير خارجية القذافي بجزيرة جربة منذ أيام.. لا، ليس منشقاً؛ بل هو يجري اتصالات من هناك طبقا لما أذيع من أخبار. ولحق به وزيرا الصحة والشؤون الاجتماعية. اتصالات مع من؟ ولأي غرض؟

نشاطات ذيول النظام فيي تونس أصبحت مزعجة لليبيين. فقد هاجموا الأسبوع الماضي جمعية إغاثة للنازحين الليبيين في تونس، وأحرقوا سيارة مواطن بالعاصمة، وهاجموا خيمة لجمع التبرعات للنازحين تقع في حي المنار، حيث التواجد الكثيف لليبيين، واعتدوا على المواطن التونسي القائم عليها. هذه بضاعتهم، لا يعرفون غيرها.

الثلاثاء 28 يونيه (132)

التخطيط لما بعد القذافي

نشرت صحيفة الجارديان البريطانية هذا اليوم تقريرا عن نتائج عمل وتوصيات فريق “بسط الاستقرار في ليبيا” بعد القذافي. الفريق يتبع وزارة التنمية الدولية البريطانية، وكان قد باشر عمله ودراسته في مدينة بنغازي لعدة أسابيع طبقا لما سمعته من البعض هناك. تذكر الصحيفة أن التقرير قد سُلّم إلى المجلس الانتقالي، وأنه سيُقدم إلى مجموعة الاتصال الدولية بشأن ليبيا في اجتماعها القادم.

التقرير الذي يقع في خمسين صفحة يضع توصيات بالخطوط العريضة للتعامل مع الوضع في ليبيا بعد سقوط القذافي. يشدد التقرير على عدم تكرار أخطاء القوات المحتلة للعراق، ويوصي بقيادة العملية من طرف الأمم المتحدة، والحاجة إلى قوة دولية غير مسلحة لحفظ الأمن، مع الإشارة إلى احتمال الحاجة إلى تسليحها، كما يذكر التقرير تركيا كمرشح رئيسي في تكوين هذه القوة. تتناول نتائج وتوصيات الفريق عددا من المحاور من بينها بسط الأمن ومنع النهب وأعمال الانتقام، والاقتصاد بما في ذلك إنتاج النفط ورفع تجميد الأموال، والبنية التحتية، وصولا إلى ما يسميه التقرير “التواصل الفعال لضمان معرفة المواطنين الليبيين بما يجري…”.

يجب ألا يُترك مثل هذا التقرير ــ بغض النظر عن نقاط الاتفاق أو الاختلاف معه ــ إلى حين نسمع بقرارات تُبنى على توصياته تصدر من مجموعة الاتصال أو مجلس الأمن الدولي. نحن الليبيين، كل الليبيين بعد ثورة 17 فبراير، هم المعنيون أساسا بما بعد القذافي، والاطلاع على مثل هذا التقرير ينبغي أن يكون في متناول كل الليبيين، وموضع المناقشة والحوار في الندوات والمنظمات المهتمة بالشأن العام.

التواصل الفعال مع الليبيين مطلوب من الآن، لإيضاح صورة ما يجري في ميادين المواجهة العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية…لإيضاح صورة ما يجري إعداده لمرحلة ما بعد القذافي… التواصل بشكل مباشر وشفاف…. التواصل في هذه الشؤون يضمن استمرار جذوة الثورة في الشارع وبين كل الناس إلى حين إسقاط النظام في كل متر مربع من الوطن. التواصل مع الليبيين في المناطق المحررة سيجعلهم يتفهمون طبيعة وأسباب الشكاوي اليومية للبعض.

التواصل الشفاف ــ والتفاعلي ــ الذي لا تعرقله قيود بيروقراطية أو سياسية ركن من أركان الحكم الرشيد الذي نتطلع لإقامته.

غير بعيد عن هذا السياق، لفت انتباهي قطع قناة ليبيا الحرة برنامجها هذه الليلة لتذيع بالصورة خبر وقوع انفجار بمنطقة الرجمة، وعدم سقوط ضحايا. كان ذلك مثالا لنشر الحقيقة من دون تردد أو تأخير، وكان خير رد على كذب شاكير على شاشة القنفود قبل ذلك بدقائق حين تحدث بابتهاج واضح عن انفجار وسط مدينة بنغازي!

الأربعاء 29 يوينه (133)

15 عاما بعد بوسليم

في غيابٍ شبه كلي ــ ومريب ــ لتطورات ذات شأن في نشرات الأخبار لهذين اليومين، احتلت الصدارة، وعن جدارة، الذكرى الخامسة عشر لمذبحة بوسليم. هذه المذبحة، ومن دون حاجة لضم جرائم أخرى إليها، تنزع عن نظام القذافي كل ادعاء شرعيةٍ أو انتماءٍ للوطن والشعب ودين الأمة… مذبحة بوسليم، ببشاعتها وساديّة مرتكبيها، تُخرج رجال النظام من رأسه إلى أدنى مراتبه من دائرة الإنسان وتهبط بهم إلى أسفل سافلين.

أتذكر في هذا اليوم الحاجّة مْحموله. كنت أمرّ بغرفتها وهي تصلي، وأعود مراتٍ لأجدها لا تزال تصلّي؛ تدعو الله أن يفرّج كربها بعودة ابنها إليها بعد سنوات طويلة في بو سليم، تحضنه وتسمع صوته، فالحاجة مْحمولة كانت قد فقدت بصرها حزنا عليه. كانت تدعو الله  أن ينتقم لها من ’مقطوع الإسم‘. الحاجة محمولة توفاها الله وابنها لا يزال قابعاً في بوسليم. خرج فضل الله بعد وفاة والدته بفترة قصيرة لنجده في حالة اضطراب نفسي شديد. لم يكن فضل الله الذي كنا نعرف. وتوفاه الله بعد خروجه ببضع سنوات. وأتذكر ابن عمٍّ قُتل في بوسليم في مثل هذا اليوم.. وتلك قصة أخرى من آلاف قصص بوسليم التي ستظل عالقة بذاكرة الليبيين لزمن طويل جدا.

رحم الله شهداء بوسليم،

وجزى الله خيرا آلاف المظلومين الذين قضى الله أن يخرجوا منه أحياء،

وجزى الله خيراً ذوي الشهداء والسجناء في بوسليم وغير بوسليم على مر سنوات الظلام.

السابع عشر من فبراير سيكون عيد الثورة، العيد الوطني الليبي، بلا شك، و 29 يونيه سيكون يوما وطنياً آخر ــ يوم الشهداء؟ نستذكره كل عام، يترحم فيه الليبيون على شهدائهم، ويكررون العهد ألا يسمحوا لتلك المظالم والجرائم أن تعود أبداً.

أمس واليوم خرج مصريون إلى ميدان التحرير، وشاهدت عددا قليلا منهم اليوم أمام أمن الإسكندرية. كانوا محتجين على ما اعتبروه تأخرا في محاكمة المسؤولين عن إطلاق النار على متظاهري 25 يناير. كانوا يطالبون بالعدالة لشهدائهم. وتذكّرت جرائم أربعين عاما في ليبيا، وبوسليم إحداها. من الذي يملك عفواً عن عتاة الإجرام في ليبيا أو أن يطلب من الليبيين تسامحاً معهم؟ أي تعهد بالعفو أو عدم الملاحقة القانونية ــ إن حدث ـ سيكون حبراً على ورق… لا أكثر.

الخميس 30 يونيه (134)

القذافي والسحر والقوس

كنت مهتما بتفاصيل أحداث الثورة في أيامها الأولى شرقي بنغازي، فسألت الصديق القادم منذ أيام فقط من مدينة درنة عن درنة والبيضاء ومعركة الأبرق. وسألته عن قصر القذافي في البيضاء الذي رأينا مشاهد منه بثتها قنوات التلفزيون المختلفة في حينها، فأسفت أن محتويات القصر قد تم تدميرها بشكل شبه كامل. أسفت لأن المكان ملك الليبيين منذ رحل النظام عن البيضاء، وأسفت لأن محتوياته كانت ستلقي ضوءاً على شخصية الطاغية وتساعد في الكشف عن أشياء ستظل مجهولة من دونها.

مثال على ما أعنيه هو الكتب التي وجدت بالمكان والتي كان من بين عناوينها: “التلمود”، “القبّالة والسحر اليهودي”، “تحالف الشيطان”، “الأسرار الـ 72 في الباطنية اليهودية”، “حقائق عن تناسخ الأرواح والحاسة السادسة”، “أرواح وأشباح”.

هناك حاجة للتحقق من الانتماء الفكري والديني للقذافي، من بينها: هل هو يهودي؟ هل هو منحدر من أصول يهودية؟ ما هي علاقته بالسحر والسحرة وبالتنجيم؟ وماذا كان تأثير السحرة والمنجمين والمشعوذين والدور الذي لعبوه في قراراته؟

يحدثنا التاريخ أن هولاكو توقف على مشارف بغداد مترددا في غزوها نتيجة تحذير المنجمين من أن طالع النجوم يؤكد أن دخولها سيكون وبالا عليه. ولم يتقدم هولاكو نحو بغداد إلا بعد تواطؤ ابن العلقمي وزير المستعصم والمنجم ’المسلم’ نصير الدين الطوسي ودفعهما له لغزو بغداد.

هولاكو ومنجّموه عاشوا في القرن الثالث عشر، وللقذافي ’المسلم‘ أيضاً سحرته ومنجموه… في القرن الحادي والعشرين! أحضرهم من السنغال وموريتانيا والمغرب وغيرها من بلاد إفريقيا كما تؤكد الروايات.

والقذافي نشأ في بيئة ليس غريباً أن تجد فيها مِن عامة الناس من يعتقد في السحر والتنجيم ويتعامل مع السحرة والمنجمين، ويسعى للاستماع إليهم والحصول على نصائحهم… لماذا تم تهديم قوس اجدابيا الذي اشتهر بين الناس عبر شاشات التلفزيون العالمية؟ لأن هناك، يقول محدثي، من قال أن سحرة القذافي قد وضعوا تحته ’حجابات‘ هي التي منعت استمرار سيطرة الثوار على مدينة اجدابيا في الأشهر الأولى من الثورة، فتمّ تهديمه!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *