يوميات يوليه 2011

الجمعه1 يوليه (135)

مليونية شاكير

الليلة الماضية هلّل تلفزيون القنفود وكبّر، خاصة في سهرته اليومية مع شاكير، لمظاهرة ’مليونية‘ تارة وتبلغ مليونين تارة أخرى، ستخرج اليوم الجمعه إلى الساحة الخضراء تأييدا للقائد وتنديدا بالخونة وبالناتو. كانوا على ثقة بأن آلافا من الليبيين سيتم حشدهم إلى الميدان، فهم يعرفون وسائل الحشد التقليدية ويعرفون ما قد جدّ عليها من جديد.

سؤال بسيط جدا: كيف سيخرج ليبي إلى أي مكان وهو لا يملك وقودا لسيارة ينتقل بها.. ومن الذي سيخرج في مظاهرة مستعملا شيئا من البنزين تحصل عليه بعد انتظار استمر أسبوعا كاملا بأيامه ولياليه، إن لم يكن أكثر، أمام محطة الوقود، أو دفع أربعة دينارات أو أكثر للّتر الواحد بدلا من 15 قرشا؟ 

 ليست هذه المرة الأولى التي يدفع فيها النظام بالآلاف في الشوارع، بعضهم طواعيةً وأغلبهم رغم إرادتهم. للنظام أساليبه التي خبرها الليبيون جيدا وله الجديد منها بالتأكيد. يُبلّغ الموظفون بالإدارات والشركات الحكومية بضرورة التواجد في مكاتبهم في اليوم المعلوم، وأن الحافلات سيتم توفيرها لنقلهم للمشاركة في تظاهرة ما، ويتم التهديد بأنه سيتم تسجيل الحضور، وحجْب مرتب من يغيب، وربما فصله… فصلٌ من الوظيفة في وقت تضخمت البطالة بدرجة كبيرة بعد رحيل الشركات والمقاولين الأجانب. والطلبة تحت التصرف دائما… اليوم يوم جمعة وقد تمت امتحانات الغالبية؟ هناك التهديد بحجب نتائج الامتحانات والتسجيل للعام التالي. وهناك سلاح المال الحاضر دائما، مثلما هو الحال في سهرات باب العزيزية. وسيكون هناك تواجد كثيف من طرف عناصر إجرامية مسلحة تهدد من يخرج عن النص.. بل من لا يلتزم بالنص هتافاً وصراخاً بشكلٍ أو بآخر.

لا شك أن كل هذه الأساليب وغيرها تمّ استعمالها هذا اليوم من أجل ملء الساحة بكتلة بشرية تُرضي الطاغية في أيامه الأخيرة وتمرّر كذبة أخرى على العالم، فقد خرج بالفعل آلاف من الليبيين في ’مليونية شاكير‘… ولا زلنا نندهش!!!

ولا أبرّئ أنفسنا نحن الليبيين. لقد تعوّد القذافي على الوصول إلى غايته منا بالتخويف والترهيب.. بالقتل والتعذيب وهدم الممتلكات… والآن بالاغتصاب.. أحدث ما في جعبته من أسلحة.

تعلّم الليبيون التكيف مع كل ما يقذفه القذافي في وجوههم.. طوابير البنزين الكبرى مثال حي على ذلك.. نتبادل الانتظار على مدى أسبوع كامل أو أكثر، مع جار أو قريب أو صديق حتى يصلنا دور تعبئة السيارة بالبنزين، بعضنا أحضر سندوتشاته وبعضنا ’يبكبك‘ على جانب الطريق… ومساء نصفّق لطيران الناتو يقصف باب العزيزية.

ولكن حاجز الخوف قد انهار، في الشرق ومصراته والزاوية وزواره وجبل نفوسه، وفي طرابلس نفسها.. فشلوم وسوق الجمعه وتاجوراء والسياحية وغيرها… الثوار مطبقون على النظام.. أما النظام نفسه فلا يزال يتصرف طبقا لقواعد لعبة انتهت.. بنفس أساليبها وأدواتها ومفرداتها، ولن يجديه ذلك نفعاً.

السبت 2 يوليه (136)

أصفار الحشود

كان منزعجا جدا من حجم الحشد الذي شارك في تظاهرة القذافي يوم أمس.. كيف يخرج هؤلاء الناس؟ ما هي أصناف الضغوط التي مارسها النظام عليهم، وما هي الإغراءات؟ وهل وهل وهل؟ كل هذه أسئلة مشروعة، ولكن يبقى أن نتذكر أن عدد سكان مدينة طرابلس يفوق المليون ونصف المليون.. كم يشكل الذين تظاهروا من سكان مدينة طرابلس؟ والتلفزيون الرسمي نفسه تحدث ليلة الخميس/ الجمعة عن حشود ستتوجه إلى طرابلس من بني وليد والجفارة والخمس.. ولم يستح مستضيف شاكير من أن يضيف إليها مدينة الزاوية!

ليس كل الناس على نفس الدرجة من الوعي أو التعفف، فقد رأينا، على سبيل المثال، كيف غصت شوارع طرابلس بالمواطنين والمواطنات ينتظرون الساعات الطوال أمام المصارف لاستلام الـ 500 دينار في شهر مارس الماضي؛ هي لحظات ضعف لدى البعض، وظروف طاحنة لدى البعض الآخر، وانتهازية لدى المغفلين… ولا زلنا نرى بعض الشباب يتوجهون إلى خربة العزيزية كل ليلة مقابل ما أصبح معلوما للجميع. لكلٍ أسبابه، وكما في كل البلاد وفي كل الأزمنة، سيوجد دائما كل ألوان السلوك والمعتقد. وليس خروج من خرج من الليبيين في شرق البلاد وغربها مرحبين بموسوليني نفسه، ببعيد… من يذكر ذلك الآن؟ وماذا يمثل أمام جهاد الليبيين وتضحياتهم ضد المحتلين الفاشيست؟ صفراً. وكذلك حشْد القذافي يوم أمس وكل ما سبقته من حشودٍ ساقها سوقاً إلى الشوارع… زَبَدٌ سيذهب جُفاءً.

الجديد في كلمة القذافي من مخبئه يوم أمس كان اعترافه لأول مرة أن مصراته وجبل نفوسه قد خرجا عن سيطرته، داعيا القبائل للزحف عليهما بالملايين. أما بنغازي فقال إنها ’ساهلة‘ فقد بدأت فيها التحركات والتفجيرات. يبدو أنه يستقي معلوماته من برنامج شاكير.

وكما تتراكم أعداد الشهداء والمصابين ويزداد الدمار مع كل يوم جديد، يزداد القلق والإنهاك النفسي، ونقترب من الفتنة التي يعمل القذافي جاهدا لإذكاء نارها بين الليبيين. التعجيل برحيل القذافي ونظامه رهن بالتقدم العسكري وبانتفاضة شعبية داخل طرابلس نفسها. ولا يبدو أن هناك شهية لدى الدول الفاعلة للقيام بعمل حاسم بعد. في المجال العسكري بإمكان المجموعة الدولية تسليح الثوار تسليحا مناسبا وتشديد الضربات إلى الحد الذي يقلب ميزان القوى لصالح الثوار. وفي الميدان السياسي والاقتصادي والمعنوي سيكون على قدر كبير من الأهمية أن يرى الليبيون في مدينة طرابلس والمناطق التي يسيطر عليها القذافي أن عهداً جديدا قد بدأ بالفعل، وأنه أمر واقع يستحيل أن يعود إلى حكم القذافي مرة أخرى. سيساعد في هذا السبيل أن نرى دول العالم قد وضعت ثقتها نهائيا في المجلس الوطني الانتقالي، وأن تفرج عن أموال الليبيين المجمدة لصالح الشعب الليبي على كل الأرض الليبية.

عند ذلك سيتصرف الجميع على أن النظام قد ولّى بالفعل؛ سينتفض من ينتفض، وينشق من لم ينشق بعد، ويعيد حساباته من تيقّن بعد شك في أن القذافي قد انتهى.

للغرب دور حاسم في التعجيل برحيل القذافي ونظامه أو تأجيله، وفي الميزان مصالحُه. المطلوب عمل حاسم وعاجل، حتى لا تتحول ليبيا إلى بلقان التسعينيات أو إلى صومال جديد.

الأحد 3 يوليه (137)

أتمنّى

أرى بداية تجمعات سياسية تلعب خارج الميدان.. خارج ليبيا وخارج سقف المجلس الوطني.

أرى مواجهات كلامية إعلامية بين جماعات بدأت تتشكل.. لا ندري إن كان وراءها تحالفات مع مصالح خاصة أو مع قذافيين متربصين أو غيرهم.

أتمنى أن يبقى الجميع متوحدين حتى نجاح الثورة النهائي بتحرير طرابلس. والعنوان في هذا السبيل هو المجلس الوطني الانتقالي. ذلك لا ينفي الاعتراف بالتنوع وحق الجميع في تنظيم أنفسهم في “أجسام” تكون نواة لأحزاب وتنظيمات تخرج إلى فضاء رحب من حرية التنظيم والتعبير والتنافس طبقا للقانون… بعد التحرير.

أتمنى أن يعترف الجميع بأن ثورة 17 فبراير ملك أهلها.. شهدائها ومصابيها ومتطوعيها في الصفوف الخلفية… مجاهديها بأنفسهم وأموالهم.. مناضليها في ميادين الكلمة والسياسة والاقتصاد.. وصابريها على مر السنين الطوال… وأن نعترف أيضا بدور المنشقين عن النظام المنضمين للثورة، من دون أن ننسى فضل السابقين منهم على اللاحقين.

أتمنى أن ينسحب كبار رجال عهد القذافي ورفاقه، الذين قضوا عقودا من الزمن في خدمته وتحت خيمته، من ساحة العمل السياسي في العهد الجديد تماما. ليس مستساغا أن نراهم يلهثون نحو الصفوف الأولى في العهد الجديد، ولا هم محل ثقة لدى غالبية الليبيين فيما أظن. رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه ووقف دونه، السن والتاريخ السياسي ــــ رغم كل المواقف الجديدة ــــ يفرضان على هؤلاء أن ينسحبوا من الحياة العامة… إن كانت خيرا فقد نالهم منه الكثير… وكفى. وليترك الكبار الساحة للشباب يشكلون مستقبلهم بأيديهم وعقولهم هم.

انتهت القمة الإفريقية إلى مقترحات بخصوص “حل الأزمة الليبية”، وبدأت ردود الفعل من رئيس وأعضاء المجلس الوطني ومحيطه تتوالى.. تصريحات متباينة وفي البعض منها متناقضة.

أتمنى أن يحكم المجلس قواعد العمل داخله، وأن يلزم أعضاءه ومسؤوليه بحدود مرسومة معلومة في كل ما يتعلق بالتواصل الإعلامي.

أتمنى أن يخرج المجلس على الليبيين والعالم بصوت واحد يعكس مواقفه، لا آراء أفراد يستسهلون ويستعجلون في أحيان كثيرة الخروج علينا بتصريحات نسمع ما يختلف عنها أو نقيضها بعد قليل.

الإثنين 4 يوليه (138)

الفريق الثالث

أتناول الصحف القاهرية بأهرامها وأخبارها ومصريها اليوم. أجول بنظري بين العناوين من الصفحة الأولى حتى الأخيرة، لأجدها معنية بالشأن المصري أولا وأخيرا، لا تكاد أخبار العالم من حول مصر تشكل شيئا لديها. الاستثناء البارز هنا هو أخبار الكرة.

وتجد الليبيين في متابعتهم لنشرات أخبار القنوات التلفزيونية ضجِرين من متابعة للنشرة لا مناص منها إلى حين يأتي دور الفقرة المتعلقة بثورتهم. ليست متابعة ثورة اليمن أو سوريا بين اهتماماتهم، ناهيك عن زلزال وسونامي اليابان وكارثة مفاعل فوكوشيما!

نشهد انكفاءً إلى المحلي.. إلى الذات. ربما كان ذلك طبيعيا متوقعا.. علماء الاجتماع هم من يخبرنا عن ذلك. ولكن هل هو صحي إذا طال؟

ثورتا مصر وتونس بالذات جديرتان بالمتابعة الدقيقة من الليبيين، رغم اختلاف الظروف. ماذا يحدث بالبلدين من تشكّلٍ جديد، وإلى أي مدى هو يعكس تطلعات الجماهير؟ وما دور القوى الأجنبية فيه؟ ما هي أهداف تلك القوى وما هي أدواتها وإلى أي مدى هي ناجحة في تحقيق ما تريد؟

في الحالتين، مثلا، نرى الغرب يفضل القديم المجرَّب. يتدخل الغرب لصالح الثوار وينحاز إليهم فيما يتعلق بإزاحة رأس النظام ورموزه، ويتوقف عند ذلك. يكسب الغرب بـ ’انحيازه إلى الثورة‘ شعبية لم يكن يحلم بها، ثم يبدأ العمل لتشكيل نظام جديد لا يختلف في ولاءاته وتوجهاته العامة عن سابقه.

لقد أعطى القذافي في آخر نسخه للغرب كلّ ما أراده بدءاً من الرضوخ لابتزاز لوكربي وانتهاءً بكل قضايا الأمة. أصبحوا حلفاء، وأصبح رجالُه مجرَّبين موثوقين. إلا أن ثورة المسحوقين على مدى أربعين عاما فاجأتهم جميعاً.

القذافي يفهم ما يريده الغرب جيدا، وهو مستعد لإعطاء كل شيء في سبيل بقائه، وأولاده من بعده، جاثما على صدور الليبيين جيلا بعد جيل. لذلك رأينا سيف القذافي في مقابلته مع تي إف 1 الفرنسية يوم أمس يسأل الفرنسيين عن الذي ساءهم من النظام؟! هل هو عدم إتمام صفقة طائرات رافائيل؟ هل هو شروط عقود النفط؟ هل هو عقود شركاتكم؟ ويقول لهم إن النقاش في كل هذه المسائل يكون مع نظامه وأبيه. هل تريدون انتخابات في ليبيا؟ هل تريدون أن يكون لنا دستور؟ هل تريدون وقفا لإطلاق النار؟ نحن موافقون.. الطرف الآخر هو الذي لا يريد.

طبيعي أن يعمل الغرب على تنصيب ’المجرَّبين الموثوقين‘ على رأس السلطة في العهد الجديد.. ولعلهم في الحالة الليبية هم من يُسمَّون بالفريق الثالث.

الثلاثاء 5 يوليه (139)

رجال القذافي قادمون؟

نشرت جريدة الجارديان في عددها ليوم الأمس 4 يوليه مقالا تحليلياً لكاتبه توم ديل Tom Dale  بعنوان “خطة الناتو الحقيقية لليبيا”، أجدها جديرة بالقراءة والتأمل.

المقال يفسر إلى حد كبير جمود الجبهات. ما الذي يمنع ثوار الشرق من استعادة البريقة وراس لانوف؟ هل يُعقل أن تكونا عصيتين على قوات الثوار وضربات الناتو معا؟ وكذلك الأمر بالنسبة لثوار مصراته في توقفهم عند زليتن. ويذهب إلى ما هو أبعد.  بل إن المقال ينظر إلى نسق ضربات الناتو بين مراكز القيادة والسيطرة وبين الجبهات المختلفة خلال الأشهر الماضية ويراها تعزز وجهة النظر هذه.

يذهب الكاتب إلى أن حلف الناتو، الغرب، يسعى إلى تحقيق الاستقرار والنفوذ، والضامن الأفضل لتحقيق ذلك لديه هو ’رجال القذافي ناقص القذافي نفسه وعائلته‘، ولذلك يقوم الحلف بتهيئة الظروف لقيام رجال القذافي أنفسهم بتنحية زعيمهم [بالانقلاب عليه]. وينظر المقال إلى وتيرة ضربات الناتو بين مراكز القيادة والسيطرة في طرابلس من جهة وبين الجبهات المختلفة خلال الأشهر الماضية من جهة أخرى، ويرى فيها جزءا من تهيئة الظروف لهذه النتيجة. والوضع النهائي طبقا لخطة الناتو سيتقرر عن طريق التفاوض بين رجال القذافي والثوار. لذلك ينبغي أن يكون تحت سيطرة رجال القذافي جزء مناسب من التراب الليبي يسهّل عملية التفاوض المقبلة.

أي أن الناتو لا يريد للثوار دخول طرابلس وأقاليم أخرى من ليبيا لكي تكون ورقات يتفاوض بها رجال القذافي ــ بعد انقلابهم عليه.

حسابات الليبيين يجب أن تفي بتحقيق غاياتهم هم، وإن أدت إلى افتراقٍ عن حسابات الناتو. يجب ألا نخشى افتراق الحسابات وقد افترقت المصالح. فلا تلاقي المصالح ينبغي أن يؤدي إلى التبعية، ولا افتراقها إلى العداء. إطالة أمد الصراع في انتظار انقلاب رجال القذافي عليه، تحقيقاً لمخططات الغرب، تعني إراقة المزيد من دماء الليبيين، وتعنى احتمالات أكبر لإشعال نار فتنة يسعى القذافي جاهدا لإثارتها.

لم يضحِّ عشرات الآلاف من شهداء الثورة بأرواحهم من أجل إزاحة القذافي مع الإبقاء على رجاله في السلطة؛ ذلك ثمن بخس؛ بل من أجل التخلص النهائي والتام من كل النظام برموزه ورجال خيمته وقيَمه وأخلاقياته. ومسؤولية الثوار ألا يسمحوا بسرقة ثورتهم. الليبيون يريدون قطيعة تامة بهذا النظام من رأسه إلى آخر ذيل من ذيوله، ومن بعد ذلك سيكون لهم القرار في العفو كما في القصاص وتحقيق العدالة.

الأربعاء 6 يوليه (140)

مسيرة فارقة

اليوم كان موعد الليبيين في المناطق المحررة مع مسيرة ليس لها سابق في حجمها وحماسها وصدقها والعاطفة الجياشة للمشاركين فيها،  أو في توقيتها الذي يشهد أكبر تحول تعرفه ليبيا منذ استقلالها سنة 1951. ما نشهده في هذه الأيام المجيدة هو استقلالٌ ثانٍ لا يقل أثراً ولا أهميةً أو عمقاً عن الاستقلال الأول. في الحقبتين كليهما ـــ الاستعمار الإيطالي والاستبداد القذافي ـــ استبيحت الأرض الليبية ودماء الليبيين، وجرى إخضاع الليبيين للسلطة القائمة رغم أنفهم وجهادهم وتضحياتهم في سبيل الانعتاق. الاستعمار الإيطالي استمر أربعين عاما والهمجية القذافية اثنين وأربعين.

في مسيرة بنغازي جاء المتظاهرون من كافة مناطق الشرق الليبي في حشود لم تأت طمعاً في مقابل ولا حرصاً على مرتب ولا خوفاً من عقوبة. ظهرت الحشود الضخمة على شاشات التلفزيون على حقيقتها من دون حيلٍ أو خداع.

كانت هذه المسيرة استفتاء على الثورة… استفتاءً مدوياً معلناً إصرار شعب على إنهاء عهد البغي والسفه والاستبداد. من هذا المنظار شاهدت جماهير الليبيين تغصّ بهم شوارع بنغازي، وليس من منظار أنها ردّ على شيء.. أي شيء. كانت إعلانا مبهراً عن فرحة شعب بتحرره من طاغية عبث بأرواح أبنائه وبمقدراته لأكثر من أربعين عاما.

تمنيت ألا نستعير مفردة ’مليونية‘، التي استعملها القذافي في مسرحية الجمعة الماضية بطرابلس، لوصف مسيرة اليوم. أتمنى قطيعة كاملة بالرجل وكل ما يمت له بصلة.. حتى مفرداته.

وتمنيت أن الكلمات التي أُلقيت كانت في مستوى الحدث التاريخي، فهذه المسيرة الفارقة كانت جديرة بكلمات فارقة.

الخميس 7 يوليه (141)

الطريق طويل

سبق أن زرت الإسكندرية على فترات متباعدة، وأنا الآن في زيارة أخرى بعد خمس سنوات وثورة. كنت في هذا اليوم بمحطة الرمل والكورنيش وجامع القائد إبراهيم ومكتبة الإسكندرية. هنا قلب الإسكندرية ورئتاها.. هنا شبابها وثورتها، وليسوا هناك حيث مجمعات الأسواق الحديثة والأحياء الراقية الجديدة.

“الترام” وسيلة مواصلات مميزة في ’وسط البلد‘، وهي رخيصة.. التذكرة بربع جنيه. وفي استعمال الترام متعة خاصة؛ فيه تختلط بعامة المصريين يتعاملون ببساطة وعفوية.. بذكاء ونكتة لا تغيب عن حديث.

هي بضعة أشهر منذ خُلع الرئيس السابق، والعهد الجديد لا يزال في طور التشكّل. القلق على المستقبل والتذمر من بعض ما هو قائم غير خافيين، والتعبير عنهما يجري بصوت عال. في الترام:

لم يتغير شيء، قال أحدهم؛

ولكن رؤوس الفساد أطيح بها، قال ثانٍ؛

لم يرحل كل الفاسدين ولم يحاسبوا؛

وسيظهر فاسدون جدد؛

ولكن الثورة لم تكتمل بعد؛

وماذا عن الأمن الذي غاب؟ حتى أنتم الرجال تخشون الخروج ليلا، قالت إحدى السيدات.

المتابع لأحاديث المصريين يلمس ابتهاجا عاما بالتخلص من الرئيس المخلوع، ويلمس غضباً شديداً لفساد عظيم ونهب لثروات الأمة أديا إلى إفقار الناس وإضعاف البلاد. من يستمع إلى عامة الناس يخلص إلى أن نهب ثروة مصر ربما كان المحرك الرئيسي لثورة 25 يناير، وأن ذلك النهب وحده كان سببا كافياً لقيامها. ويرى أسفا أن الثورة لم تحقق التطلعات بعد، وأن رجال العهد السابق لا يزالون في مواقع التأثير. خلع الدكتاتور شيء، وإحلال نظام جديد محل نظامه شيء آخر.

وهناك الهاجس الأمني. الشرطة وأجهزة الأمن فقدت ثقة الناس نتيجة الممارسات القمعية خلال الأيام الأولى للثورة، ووجدت نفسها في مواجهة سخط شديد ومطالبات بالمحاسبة. انسحبت الشرطة وكفت عن أداء واجباتها بالحزم والمثابرة المعهودتين..  واختل الأمن.

الفساد وغياب الأمن عنوانان عريضان لما يشغل المصريين.. وترقب ما هو قادم.

جماهير من المصريين ترى بطئا شديدا في إحقاق الحق بشأن المسؤولين عن قمع المظاهرات والتسبب في مقتل المئات من شهداء الثورة. وعند المرور ظهراً بالكورنيش أمام جامع إبراهيم كانت استعدادات الشباب قد بدأت للمظاهرات الكبرى التي دعت إليها جماعات المحتجين ليوم الغد.. هم ينصبون الخيام ويثبتون اليفط حاملة مطالبهم وشعاراتهم.. منها:

نحن لا نهدم الوطن.. نحن نصنع الوطن الطاهر من الفساد والمفسدين؛

الثورة شباب.. مش إخوان ولا أحزاب؛

لا للفساد والقمع من وزارة الداخلية.

في مصر، كما في تونس، خيبةٌ لآمال عريضة ظهرت بـ’انتصار‘ الثورة في البلدين… وكذلك سيكون الأمر في ليبيا، وربما يكون أسوأ نتيجة الفساد الأكبر والخراب الأكبر في البنى الاساسية وفي منظومة القيم.. ولغياب المؤسسات المجتمعية..  بل هو كذلك منذ الآن في المناطق المحررة…

الحاجة ماسة لإدارة واعية لتوقعات الجماهير.. فالدمار عظيم.. والطريق طويل.

الجمعة 8 يوليه (142)

أوهام الأيام الأخيرة

تناولت هذه الليلة جرعة غير عادية من سهرات القنفود.. كان مشهدا مقززاً من كذب لا يعرف حداً من حياء أو اعتباراً لمشاهدين لهم عقول.

يرمون الثوارَ بكل الجرائم والدناءات التي يقومون هم بارتكابها، ويدّعون لأنفسهم عفةً وطهارةً وصدقاً ليست من أخلاقهم أو أخلاق حزبهم في شيء. شاكير كان متشنجا إلى أبعد حدود التشنج، متصببا عرقا يمسحه بيده كل بضع دقائق. والموعد بعد يومين، 11 يوليه، مع المحكمة في القاهرة لإصدار حكم بإغلاق قنوات القنفود على النايلسات وإسكات أبواق الافتراء والفتنة هذه،.. وإن لم يكن هناك ما يطمئن أنه سيتم تنفيذ الحكم إن صدر.

هذه القنوات ماضية في تصوير الضرب الهمجي للثورة والفتك بالمواطنين العزل على أنها دفاعٌ من الليبيين عن بلادهم ضد العدوان الأجنبي ومقاومةٌ منهم لتمرد فئة قليلة في بنغازي والمنطقة الشرقية تحديدا وليس في غيرها.. القنفود يتجاهل تماما الملحمة الأسطورية لمدينة مصراته والكفاح البطولي لأهل جبل نفوسة والزاوية ضد بغي الكتائب. هذا التصوير ليس متروكا للدجالين في سهرات القنفود بطبيعة الحال، فهم ليسوا غير أدوات رخيصة لترويج أوهام سيدهم.

يبدو أن القذافي يدرك الآن أن الشرق قد أفلت نهائيا من قبضته، ولكنه يوهم نفسه بإمكان استمرار تسلطه على الغرب. لا يصدق أن الغرب أيضا قد أفلت من زمام سيطرته، فلا مصراته ولا الجبل يمكن بحال أن يعودا لحكمه وأولاده، ولا باقي المناطق ستستمر طويلاً من دون حراك.

وارتفع صوته اليوم مرة أخرى من تحت الأرض أو من مكان يحسبه آمنا في الجنوب، ليقفز فوق الشرق والغرب معاً، مهدّداً أوروبا مرة أخرى. لقد أعطاها فرصة أخيرة علها تثوب إلى رشدها، وإلا… !!!

السبت 9 يولية (143)

مرتزقة من ليبيا

خرج منذ بعض الوقت من طرابلس، وكان مما أحضره معه صورة لإعلان موجّه إلى الطلبة بكلية الآداب في بني وليد. الإعلان دعوةٌ لطلبة الكلية للالتحاق بكتائب القذافي في حملتها على مصراته.

الإعلان في حقيقته استدراجٌ للشباب للانخراط في أعمال القتل والترويع والتدمير والاغتصاب في مصراته، أعمالٍ تندرج تحت التهم الموجهة للقذافي وابنه وعديله والموصوفة من نيابة محكمة الجنايات الدولية بأنها أعمال ضدّ الإنسانية، وأن تروّج لمثل هذه الحملة وتحرّض الطلبة وتـ ’تدفع لهم المقابل’ بمنح الشهادات العلمية… العلمية؟؟؟؟؟!!!!!!! 

هي دعوةٌ للطلبة بكلية الآداب في بني وليد للاتحاق بفرق المرتزقة الملحقة بكتائب القذافي في حملتها ضد الثورة في مدينة مصراته، والكلية (أي النظام الحاكم في ليبيا) تدرك أن الشباب لن يجدوا في قتل إخوتهم في مصراته واغتصاب نسائها وتدمير منازلها قضية شريفة أو جديرة بالتضحية من أجلها. لذلك كان المقابل السخي بإنجاح من يلتحق ــ إن عاش ــ  وبــ ’تقدير ممتاز‘ من دون حاجة لإجراء امتحان. صفات مَن التحق بالكتائب من هؤلاء الطلبة هي صفات المرتزقة من تشاد أو النيجر أو كولومبيا، والمقابل مغرٍ، مثله مثل ما يتقاضاه غيرهم من المرتزقة: مال وجنسية ليبية ووظائف أو بالشهادات الجامعية من دون امتحان.

هذه مؤسسة تعليمية في دولة القذافي.. وكلية آداب.. آخر أدب.. وعلم… هل هي حقاً دولة؟

وفيما يلي نص الإعلان:

إعـــــــــــــــــــــلان

تعلن اللجنة الشعبية لكلية الآداب، بني وليد لجميع طلابها بأنه يعتبر كل طالب التحق بالتطوع من أجل تحرير مدينة مصراته….. ناجح في جميع المواد بتقدير ممتاز ولا يطالب بإجراء أي امتحان…. فقط عليه إحضار ما يفيد من الجهات المختصة بأنه شارك بشكل فعلي في أعمال المقاومة وتطهير مصراته من العملاء والخونة والجرذان.

                                                                       اللجنة الشعبية للكلية

                                                                       توقيع   وختم الكلية

وهذه صورة للإعلان:

الأحد 10 يوليه (144)

بروباجاندا وسلاح

تحادثنا على الهاتف فكان متشائما محبطا، والسبب في ذلك ما رآه على القنفود من أعداد الليبيين الذين خرجوا لتأييد النظام بما يقدر ببضع عشرات الآلاف.

إننا ننسى أن للنظام قدرات كبيرة جدا في مجال حشد المواطنين في الشارع، وهي مجرّبة على مدى أربعة عقود من الزمن. إنها تفوق ما هو متصوّر من أساليب الترهيب والإغراء، فهذا النظام لا رادع له من ضمير أو عرف أو قانون… وعشرات الآلاف من المناطق الغربية بأسرها ليست أعدادا كبيرة في كل الأحوال.

وتذكرت ما قاله لي آخر من أن مناطق بأكملها ــ حتى لا نقول قبائل ــ قد تم توفير السلاح لأفرادها، وأن ذلك تم مقابل توقيعات بالاستلام، في بعض الحالات على الأقل. بعض رجال تلك المناطق التحقوا بالكتائب فعلا، والغالبية الذين لم يلتحقوا، وحتى أولئك من الذين لم يستلموا سلاحاً، يخشون أنهم قد تم تصنيفهم ومناطقهم بأكملها ضمن صفوف النظام.. ويخشون ما يمكن أن يحدث لهم أو أن يوصموا به بعد سقوط النظام… البعض من هؤلاء.. ربما الكثير من هؤلاء، يجد أنه قد انضم إلى النظام فعلا، ومن حيث لا يدري.

يجب طمأنة جميع الليبيين أن المحاسبة ستكون فقط مع الذين ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون، وأنها ستكون طبقا للقانون وإجراءاته من دون ظلم لأحد. وفيما عدا ذلك سيكون الليبيون جميعهم سواسية.

الإثنين 11 يوليه (145)

من عصر إلى عصر

عبر مشاهد من سوء الإدارة، ومن فساد لم تكن يوماً خافية على أحد، وجريٍ وراء لقمة العيش بكل الوسائل المبتكرة والمحسَّنة على مدى عصور طويلة… وعبر معاناة نتيجة كل ذلك استمرت ساعات طويلة على بوابة مصر الغربية، عدت إلى الوطن المحرر من إرهاب وطغيان استمرا لأكثر من أربعة عقود طويلة ثقيلة. رأيت العلم الجديد القديم مرفرفا بشموخ.. وتخيلته عاتباً أننا استبدلنا أعلام الطاغية بنجمته وهلاله.. لقد نبذناه  وصاحبَه بسهولة وعدنا إليه بعد اثنين وأربعين عاما من دون تردد. أمامه دمعت عيناي، فهذا يوم لم أكن أحلم يوماً أنني سأشهده.

تركت ورائي مصر ثورة 25 يناير لألتقي ليبيا ثورة 17 فبراير، متمنيا ألا يلحق فبراير بيناير منتهيا بانتصار على الرأس من دون انتصارٍ على النهج والقيم والسلوك.

كان المسؤولون على بوابة امساعد مهذّبين مرحبين. والطريق منها آمنا وخاليا من أي مظهر عسكري أو أمني. لا أحد يوقف سيارة أو يسأل مسافرا أو يتفحص محتويات. ربما كنت سأزداد اطمئنانا لو أنني قابلت شيئا من إجراءات الأمن المتوقعة في مثل هذا الظرف الاستثنائي.

كان غريبا أن أتجول في بلادي  وقد انزاح شبح ’الأخ الكبير‘ بصوره ورجال أمنه الداخلي والخارجي ولجانه الثورية والمتبرعين بالبصاصة. تحتاج أن تستذكر أنه بالفعل قد رحل. وهو بالفعل قد رحل وإلى غير رجعة رغم فرقعاته الصوتيه وحمزته وشاكيره ومرتزقته من ليبيين وغير ليبيين. 

وتتفحص الوجوه لتجدها غير الوجوه، والكلمات لتجدها غير الكلمات. ليبيون جدد خلعوا ثياب خوف سيطر على الليبي حتى أثناء نومه. انتهى الخوف.. وأعاد الليبيون اكتشاف أنفسهم… استعاد الليبيون أنفسهم وهويتهم.

أما في الأخبار فهناك قرار القضاء المصري بإغلاق قنوات النظام على قمر نايلسات… وهو قرار قد يجد أو لا يجد طريقه إلى التتنفيذ. وهناك اتصالات فرنسا بالنظام من أجل الوصول إلى ’حل سلمي‘. الحقيقة أنه لا حل سيرضى به الليبيون ما لم يحقق رحيل القذافي وأولاده تماما ونهائيا عن أي سلطة. والليبيون في الميدان هم وحدهم القادرون على فرض الحل الذي يرتضونه ومن أجله قدموا عشرات الآلاف من الشهداء.

الثلاثاء 12 يوليه (146)

جيل وجيل

في يومي الأول في بنغازي، مهد الثورة، قمت في الصباح الباكر بزيارة موقع كتيبة الفضيل، موقع المعركة الفاصلة بين عهد وعهد يوم 20 فبراير 2011. ترحّمت وقرأت الفاتحة على أرواح الأبطال شهداء تلك الموقعة المجيدة التي هُزم فيها الخوف وفُتح الباب إلى حرية شعب وكرامته.

قابلت أقارب وأصدقاء. سألوا عن طرابلس، أهلها الصابرين وأحوالها وأجوائها. يريدون الاطمئنان إلى معنويات أهلها. وينتقلون من ذلك إلى قصص أمجاد وانتصارات وتضحيات قلّ مثيلها.

لم أقابل أحدا كان يتوقع انتصارا على القذافي ونظامه، فلا ميزان القوة ولا جنون الطاغية كانا سيسمحان بذلك. نعم سيخرج شباب إلى الميادين والشوارع، ولكن الآلة المرعبة نفسها ستقمع حركة الشارع في مهدها. لقد خبرها الليبيون في 17 فبراير 2006، وسنة 1984 وفي بوسليم، وغير ذلك أكثر من أن يُحصى. ولكنها كانت إرادة الله تمثلت في شجاعة وتضحية شباب لم يكن جيل أبائهم يتوقع منهم الكثير، بل كانوا، في نظرهم أبعد مايكونون عن شجون الوطن وعن قضايا الحرية والإنسان. انتصرت الثورة في الشرق فرأى الناس إرادة الله قد تجلت ناصعة مبهرة.

الأربعاء 13 يوليه (147)

استراحة المذعور

سافرت إلى البيضاء ودرنة. في البيضاء سألت عن الاستراحة… استراحة القذافي، فتمّ توجيهي إلى سيدي رافع حيث سألت عن ’عمارات صفية‘. من هناك كانت الطريق واضحة في اتجاه الحنيّة. دخلت بسيارتي من دون أن يوقفني أحد أو أرى أحداً. أوقفت السيارة حيث ظننت مبنى الاستراحة الرئيسي، وكنت محظوظا بقدوم ثلاثة من شباب المنطقة عرضوا أن أرافقهم في جولة بالمجمع. أحدهم كان قد خبر المكان وقام بدور المرشد.

كانت الاستراحة قد أفرغت من كل محتوياتها وأضرمت في مبانيها النيران. الحوائط تغطيها آثار الدخان ومغطاة بكتابات ورسوم جدارية. ليس معمار المكان مبهرا خارجا عن المألوف من حيث حجمه أو تصميمه. بالطابق الأرضي العديد من الغرف والممرات وحوض سباحة. وتوجهنا إلى أسفل، حيث رحلة عجيبة عبر سردابين تحت الأرض. سردابان طويلان مظلمان تتخللهما غرف، البعض منها فارغ والبعض الآخر به بقايا معدات كهربائية وميكانيكية مهشمة. شعرت بانخفاض ملموس في الحرارة كلما تقدمنا إلى أسفل. وكانت هناك فواصل من أبواب على بعد أمتار عديدة من بعضها البعض، ربما كانت من الخرسانة المسلحة فهي سميكة جدا وثقيلة جدا. ظهر ضوء من بعيد.. توجهنا نحوه، فإذا هو منْور يرتفع حوالي عشرة أمتار نحو سطح الأرض.. ولم نكمل الرحلة. ذكر أحد الشباب أن أحد السراديب لا يزال مغلقا بباب ضخم لم يعرف أحد بعد إلى أين يؤدي.

المجمع مصمّم لمواجهة متطلبات أمنية غير عادية… متطلبات أمن شاغلي هذه ’الاستراحة‘ كانت في المقام الأول، ومن بعدها كانت وسائل وتجهيزات الراحة والترويح عن النفس. المبنى مصمم لكي يكون شاغله في مأمن من كل ما تصوره خياله، والهروب (إلى أين؟) إذا ما اقتضى الأمر. وهو مجهز بمعدات تهوية وتنقية وأمنٍ من طرازٍ عالٍ. ويضم الموقع مبنى آخر لاستراحة ابنه سيف، ومبانٍ أخرى للموظفين ورجال الأمن والأصهار.  مررت بمكان معدٍّ لتجهيزات الشواء وبضعة غرف وممرات صغيرة منحوتة في الجبل (لطاسة الشاهي ربما!). نزلنا من السيارة لمشاهدة المنظر وراء الموقع، فكان الجبل الأخضر بجماله الساحر.. وادٍ.. المنطقة المعروفة بالوسيطة، ومن ورائها البحر.

هذه الاستراحة صُممت وأُنشئت لغرض إقامة صاحبها والترويح عنه، ولكن السّمةَ الغالبة للمكان كانت طمأنة صاحبها إلى أنه في أمان. ساكن المكان كان يتملكه الخوف قطعاً، فوضع حساباً لكل ممكن وكل شيء… إلا لانتقام عزيز جبار مقتدر، الشك كبير جدا في أنه قد آمن به في يوم من الأيام. والدليل هو أيام ضيقه هذه حيث نتوقعه يلجأ إلى خالقه عله يتوب عليه ويفرج كربته. ولكنه لم يذكر ربه مرة خلال كل ما صدر منه من هذيان، وترك لشيوخ من المرتزقة مهمة التدجيل باسم الدين على الناس من خلال قنواته.  

ويبرز سؤال: ما الذي يخفيه باب العزيزية إذا ما كانت هذه احتياطاته الأمنية في البيضاء؟

أما في الأخبار فقد برز تصريح المبعوث الروسي مارجيلوف بأن البغدادي المحمود قد صرح له بأن هناك خطة لنسف مدينة طرابلس نسفا إذا ما دخلها الثوار. هل يستطيع البغدادي إبلاغ روسيا برسالة من هذا النوع لو لم يكن مكلفا بذلك من سيده؟ وهل الغرض هو التهويل والتهديد لا غير؟ ومن جانب آخر لا بد أن ندرك أن معمر القذافي قادر، عقلاً وأخلاقاً، على يدمر كل مدن ليبيا على من فيها انتقاما لخروجهم عنه… وحتى من دون سبب!

الاحتمال قائم لأن يلجأ القذافي إلى عمل جنوني كارثي من هذا القبيل في أي مدينة من مدن ليبيا.. ولكن لا سبيل لعودة الساعة إلى عهد الظلام… في بنغازي، القذافي صفحةٌ سوداء من تاريخ ليبيا تمّ طيها إلى الأبد.

الخميس 14 يوليه (148)

ساحة التحرير

بنغازي الحرة لا تكتمل من دون ساحة التحرير. يبدأ عدد المعتصمين بالساحة في التزايد مع قرب موعد صلاة العشاء، وتكون غاصة بالمواطنين مع الساعة العاشرة. الاعتصام هنا تعبير عن تضامن أهل بنغازي مع إخوتهم في المدن والمناطق المحاصرة، وعن إصرارهم على إكمال المشوار بالقضاء نهائيا على عهد الاستبداد. والساحة منصة إعلامية وخطابية حيث تُنقل أخبار اليوم، ويُستقبل ضيوف المدينة، وتُلقى مختلف ألوان الإبداع من شعر وغناء شعبي. بالساحة مهرجان شعبي نابض بالحياة والحماس.

للنساء حضورهن، وقد أُعدّ لهن ركن خاص مسيّج… لماذا ركن خاص ومسيّج للنساء؟ أجد الفصل بين الرجال والنساء بهذا الشكل الفج غير منسجم مع المعروف في مجتمعاتنا، ومخالف للمقبول من اختلاط المرأة مع الرجل بكل الاحتشام والاحترام، ومتناقض مع حقيقة توجه النساء للسهر خارج بيوتهن أساساً. ومع كامل الاحترام لكل عالم في الدين، لا أرى فيما أعلم مبررا موجبا للفصل بهذا الشكل. بعض النساء لا يلتزمن بالتواجد في المساحة المخصصة لهن، والبعض من هؤلاء منقبات بالكامل!

أتى في إحدى الأمسيات الناطق العسكري فأعطى بيانا مفصلا لسير العمليات العسكرية… أحاط به ورافقه عند خروجه جمهور غفير من المواطنين محيين له ومصافحين… قال لي صاحبي “هل يريد الناس صناعة متسلّطين جدد.. وخاصة من العسكر؟ يجب أن نحذر”.

ساحة التحرير (وهذا واحد من أسمائها) معرض كبير للرسوم الجدارية وصور الشهداء. والخيام بها كثيرة تضم تجمعات فئات بعينها، ومعارض كان منها في الأيام الماضية ’معرض الكتاب الممنوع‘ ومعرض لصور شهداء بوسليم. وهناك أكشاك الأطعمة والمشروبات والمنتجات التذكارية تحمل علم الاستقلال.

إلى جانب صور الشهداء نجد صور عمر المختار في كل مكان، وتأتي بعدها صور الملك السابق إدريس.

هو مهرجان شعبي كبير يختلط فيه الفرد بغيره من المواطنين من كافة الفئات. البعض مواظب على الحضور اليومي منذ بداية الاعتصام، وقال لي أحدهم أنه باقٍ حتى النهاية.. نهاية القذافي. هناك الطفل والشيخ والمرأة والقعيد وأبو الشهيد وأخت الشهيد، والقادم من مصراته يروي قصص البطولة فيها وقصص جرائم وغدر وخيانة الطرف المقابل ومن انضووا تحت أعلامه.

الجمعة 15 يوليه (149)

سرقة متحف

توجهت إلى الطريق الساحلي في اتجاه اجدابيا، حيث توقعت مقبرة أرتال القذافي المتجهة إلى مدينة بنغازي في 18 و19 مارس بغرض القتل والتدمير والتهجير.. لمحو ثاني مدن ليبيا من الخريطة. وجدت القليل جدا من بقايا تلك الأرتال… تلك الآليات والدبابات التي تصدى لها الشباب من بنغازي وكافة مناطق الشرق وطيارون بطائرتين عتيقتين، اسستشهدوا بسقوط كلتا الطائرتين، ثم كان القضاء المبرم على كل تلك الأرتال من قبل الطيران الفرنسي يوم 19 مارس.

قيل لي أن تلك الدبابات والآليات قد تم الاستيلاء عليها من مواطنين.. وتم بيعها وتهريبها كخردة (رابش)… أغنياء حرب أو أغنياء ثورة في طور التكوين؟ ألم يكن جديرا بنا أن نترك تلك الأرتال حيث قُصفت ودُمّرت على مدى الكيلومترات الطويلة.. شاهدا حياً أمام كل ليبي، وعلى مدى الأجيال، على حقبة سوداء من البغي والطغيان.. شاهداً على حكم الطغاة وما يمكن أن يقود إليه.. مُتحفاً وطنيا.. شاهدا على يومٍ أراد له القذافي أن يكون آخر أيام مدينة وأهلها. وأراد الله أن يجعل كيده في نحره.

اليوم كان الاجتماع الخامس للجنة الاتصال الدولية الخاصة بليبيا، في اسطنبول. كان الاجتماع غاية في الأهمية فقد اعترف فيه المجتمعون بالمجلس الانتقالي “سلطة شرعية حاكمة” في ليبيا، وليس فقط كممثل شرعي للشعب الليبي او محاور شرعي. وقد سبقت الولايات المتحدة الاجتماع بالإعلان عن اعترافها هذا. هل سيعني هذا الاعتراف دفع مبالغ من أصول اللبيين المجمدة طبقا لقرارات مجلس الأمن؟

واليوم أيضا، طبقا لما أعلن في ساحة التحرير، بدأ الهجوم لاستعادة البريقة. المتحدث في الميدان أعلن سقوط البريقة بالفعل، إلا أن الجزيرة في نشرتها التي تابعها جمهور غفير من المتواجدين في الساحة تحدثت عن معارك على مشارف البريقة فقط. أرجو أن نبتعد في خطاب ليبيا الجديدة عن المبالغات… إن كان في نبأ سقوط البريقة مبالغة، كما يبدو.

السبت 16 يوليه (150)

شوارع الحرية

شوارع بنغازي معارض للرسوم والكتابات الجدارية. اللون الأخضر الذي تم إقحامه من دون مراعاة لأصول فن أو ذوق أو معمار يعود بالتدريج إلى موقعه الطبيعي بين الألوان. سور جامعة بنغازي عاد إلى لونه الأصلي كما هو في التصاميم. بعض الشوارع والميادين أصبحت لها أسماء جديدة، لعل أبرزها شارع جمال عبد الناصر الذي أطلق عليه اسم قطر بدلا منه… ميدان شهداء مصراته (حيث الأنابيب).. شارع الزاوية…. والكتابة والرسوم الجدارية تعكس مشاعر الناس وما يريدونه.. منها:

القذافي.. إزالة لغرض التطوير؛

قمينس تدوّر عليك زنقة زنقة دار دار؛

شارون العرب هاتك الأعراض؛

لا نبّوا ثروة لا سلاح.. نبوا معمر السفاح؛

القذافي صهيوني ماسوني؛

شكرا صفوت الزيات؛

على حاوية قمامة: مأتم معمر؛

من جرائم القذافي طائرة 1992.. أطفال الإيدز؛

مطلبنا الحرية؛

شكرا فرنسا؛ 

على مقره في المعسكر: وكر العميل اليهودي؛

يا الله انصر مصراته على السفاح ودباباته.

وقصيدة ’امغير اصبري يا عين‘ لأم الشهيدين سالم وابريّك، حمالة الشيخي، وصورتها. وغير ذلك الكثير جدا من الكتابات والرسوم.

وفي بنغازي نشاط غير مسبوق في العمل الأهلي وفي الصحافة والثقافة. الصحف تعدّ العشرات والندوات والمحاضرات يومية. وبرزت النشاطات والأعمال التطوعية المناصرة للثورة والثوار وأسر النازحين والشهداء. وتطوعت النساء من كافة فئات المجتمع بتحضير الأكل للثوار والجنود؛ بلغ عدد الوجبات التي يتم تجهيزها بموقع واحد، المعروف بالقلعة، ما يقرب من 20 ألف وجبة في اليوم الواحد كما قيل لي. الثورة أخرجت أفضل ما في الناس، تماما مثلما أخرج النظام البائد أسوأ ما فينا.

الأحد 17 يوليه (151)

أمن الثورة والمواطن

أوقفت سيارتي في شارع جانبي بأرض بلعون بنغازي. كنت أنتظر وصول صديق على موعد معه أمام منزله في تلك الساعة قبيل العِشاء. اقترب مني شاب يسأل ماذا أريد. أخبرته أنني في انتظار أحد جيرانه، وقلت له مازحاً أنني سأترك الشارع إذا ما كان ملكا خاصا به. اعتذر الشاب، ودعاني بإصرار إلى منزله.

الحادثة تؤكد وجود قدرٍ من التخوف لدى الناس من الجانب الأمني، وهو ما يشكل جزءا من أحاديثهم في بنغازي. والسبب في ذلك هو وجود بقايا من اللجان الثورية ممّن يُسمّون بالخلايا النائمة تارةً والطابور الخامس أحيانا أخرى. كثيرون يلقون باللائمة على عدم اتخاذ الإجراءات الرادعة تجاه المنتسبين للجان الثورية والجهات الأمنية في بداية الثورة، حتى أن بعض القيادات أُطلق سراحها، والتحقوا بالنظام السابق وظهر منهم من ظهر على شاشات القنفود أو في مصر هاربين من الثورة أو متآمرين عليها.

في مدينة درنة، مع التسليم بأنها أصغر بكثير من بنغازي والعناصر الثورية والأمنية بها أقل بكثير، الأمن مستتب تماما حسب ما تسمعه من مواطنيها. وكذلك كان الأمر في مدينة مصراته. السبب؟ كان هناك حسم مبكر مع كل الأمنيين والثوريين المعروفين بالمدينة، وربما كان بدرجة من القسوة أكبر مما يمكن أن يتفق معه الكثيرون… وهرب من تبقى طليقاً من المدينة.  

المطلوب حزمٌ من دون إفراط في القسوة والعنف، وتسامحٌ من دون تفريط في مكتسبات الثورة وأمن الناس. ميزان الحزم والتسامح هذا ليس سهل المنال… ولكن ذلك ما يجب أن يسعى إليه المسؤولون حفاظا على الثورة نفسها.

الإثنين 18 يوليه (152)

حياة جديدة

تعج بنغازي بالنشاطات الثقافية.. ندوات ومحاضرات ومعارض وصحافة حية.. المدينة نفسها انبعثت فيها الحياة من جديد.. في مقاهيها و’مرابيعها‘.

من بين تلك النشاطات أقيم “معرض جرائم الطاغية” بقصر المنار السابق، الذي تحول إلى الجامعة الليبية فيما بعد، وانتهى كمقر للجنة الشعبية العامة في مدينة بنغازي، ما كان سببا في إحراق أجزاء منه في الأيام الأولى من ثورة 17 فبراير.

ضم المعرض عينات من االذخيرة التي استعملتها الكتائب ضد المتظاهرين العزّل، ولوحات فنية ومجسمات تصور القذافي بعيون رساميها وما ارتكب في عهده من جرائم، كما ضم قاعة لرسوم الأطفال. مدخل المعرض يبث شعورا بالرعب من تلك الآلة الحربية ومن صوّبها نحو شعب أراد أن ينتزع حريته بعد استعباد استمر اثنين وأربعين عاما…

الثلاثاء 19 يوليه (153)

 إعلام وإعلام

في حديث له مع مراسل صحيفة الجارديان قال كعيم “إن الخط الأمامي للمعركة الدائرة هو الإعلام”. ولأن الحقيقة لا تصب في صالحه، كان طبيعيا أن تقوم إذاعاته ومؤتمراته ومسيراته على الكذب والفبركة والتلبيس، وانحدر في جهده هذا إلى استخدام المشعوذين والسحرة والجهلة في خطاب فج يجد بعض الهوى لدى الجهلة والمغفلين. وانقلبت الحقائق والتبس الأمر على كل من ترك نفسه أسيرة لهذه الآلة الفاجرة.

هي آلة فاجرة بكل أدواتها بدءا من الرأس ووصولا إلى أشباه العلماء من خُدّام النظام. في خطبة الجمعة الماضية التي نقلها القنفود من سرت، ’ذكّر‘ الخطيب جمهور المصلين برسالة كان السيد مصطفى عبد الجليل قد بعث بها يستعجل منحه الجنسية التركية حتى يتمكن من الهروب، فقد حزم الرجل حقائبه للرحيل!!! كلهم غير ليبيين طبقا لهذا الخطيب.. شمام قطري وغوقة تونسي.. وهكذا.

وبالرغم من هذا الهراء، لا بد أن نقرّ بأن النظام قد حقق بعض النجاح في تصويره لما يجري في ليبيا على أنه مواجهة بين دولة عربية مسلمة وتحالف غربي غازٍ. ولأن ذاكرة الكثير من الناس قصيرة، فقد بهتت لديهم صورة انتفاضة فبراير الكبرى لشباب أعزل قابله النظام بشراسة ووحشية وصلت إلى حدّ التوجه بجيش عرمرم لمحو مدينة من الوجود… ومن هنا بدأ التلبيس بأن حاول النظام الإيهام بأن هناك فريقا من الليبيين قد استقوى بالأجنبي ضد ليبيين.

وأخيراً وجد إعلام الثورة طريقه لمواجهة هذه الحملة الفاجرة … ببرامج قناة ليبيا الأحرار على وجه الخصوص، بمهنية عالية وتوثيقٍ لا يقبل التشكيك، وبعودة إلى أصول الكارثة وجذورها… استبداد نظام القذافي وظلمه وسفهه على مدى أكثر من أربعة عقود.

الأربعاء 20 يوليه (154)

اهتمامات يومية

ليبيّو المناطق المحررة في الشرق لا يزالون منتشين بانتصارهم المدوّي على حكم القذافي وترحيله عن مدنهم ومناطقهم إلى الأبد. هم فخورون بهبّة جيل جديد جسور نهض ليقول للطاغية كفى.. واجه بصدور عارية رصاص قوى الظلام، فانزاحت عن صدر البلاد وانتهى عهدها إلى غير عودة… هم فخورون بالروح التي عادت في 17 فبراير.. بتكافلهم والتحام كبيرهم وصغيرهم ونسائهم، بالمال والجهد والكلمة الطيبة، في تذكيرٍ بأن سنين الطغيان لم تهزم روح الخير فينا رغم ما بدا على السطح طيلة سنوات الظلام والبغي.

يتفق الليبيون على الهدف العاجل والمرتقب على أحرّ من الجمر؛ إسقاط النظام في كل البلاد وصولاً إلى العاصمة، لتبدأ إعادة بناءٍ كبرى لدولة مهشّمة بفعل سنوات الاستبداد والظلم والسفه، وشهورٍ من التدمير والتقتيل وهتك الأعراض وبث الفتن.

ولكن ماذا بعد التحرير؟ لا تزال الفرحة والزهو بما تحقق غالبيْن، حتى أن ما قد يكمن وراء أفق التحرير لا يشغل بال الناس كثيرا. هم مشغولون بما يجري في جبهات القتال في البريقة ومصراته وجبل نفوسه وبأخبار انتفاضة جديدة في طرابلس نفسها. في بنغازي الحديث شبه يومي عن ’الطابور الخامس‘ وتواصل الكشف عن أفراده، وعن انقطاعات الكهرباء، والعودة التي طال انتظارها للإنترنت، وقرب إعادة تشغيل شبكة المدار.. عن معرض أو ندوة.. عن مزاد خيري لفائدة الثوار.. ذلك ما يشكل اهتمامات الحياة اليومية. تأخر المرتبات يشكل محورا آخر من اهتمام الناس، وإن كان الترقب لديهم غالبا على التذمر. يكفي أن نتذكر أن الكثيرين قد التحقوا بالعمل الحكومي متطوعين. الملفت أن الغذاء والدواء والوقود ليست من هذه الموضوعات، فهي متوفرة بشكلها المعتاد.

وما وراء ذلك محصور في نخب المجتمع.

الخميس 21 يوليه (155)

ثورة على البضاعة

وغادرت بنغازي براً. مرةً أخرى لم يوقفنا أحد طول الطريق وصولا إلى امساعد. الإجراءات هناك كانت سلسة وقصيرة وبابتسامات مرتسمة على الوجوه… عبور الحدود بين دولتين في أوروبا ــ قبل الشنجن ــ لم يكن أيسر أو أفضل.

وانتقلنا إلى الجانب الآخر لتبدأ جولة مختلفة تماما. عبور البوابة الليبية استغرق عشر دقائق لا أكثر، وعبور البوابة المصرية استغرق ثلاث ساعات طوالٍ طوالْ. العملية على الجانب المصري مرهقة علاوة على الزمن الذي يضيع من خلالها..

وشعرت بأسى عميق… ثورات ربيعنا العربي تستهدف الأنظمة متمثلة في الرأس.. الثورات الحقيقية ستكون في رؤىً جديدة للأمة ورسالتها وغاياتها… وإسهامها في بناء الحضارة الإنسانية.. لموقع الإنسان ودوره فيها… في الطبقات المتعددة والمتداخلة من النظام الكلّي متمثلا في حكومته وبيروقراطيته وأحزابه وشرطته وعلمائه ونظام تعليمه .. الثورة على كل بضاعة التخلف التي نستمر في مناولتها من جيل إلى جيل… فالنظام ليس رأسا وحسب، حتى في ليبيا حيث اختُزلت الدولة فأصبحت شخصاً فرداً أحداً على مدى أربعين عاما؛ فما كان لذلك الشخص أن يحكم يوما واحدا لو أن بضاعتنا كانت غير البضاعة.

الجمعة 22 يوليه (156)

عملية الأندلس

ولا زلنا نتناقل ونستفسر عما حدث في عملية حي الأندلس يوم أمس. الخبر صحيح مؤكّد، فقد قامت مجموعة بضرب مكان اجتمع فيه أعضاء بارزون من النظام من بين أسمائهم المتداولة سيف وعبد الله السنوسي ومنصور ضو والهادي امبيرش. من منهم مات أو أصيب؟ من منهم كان هناك بالفعل؟

العملية، بغض النظر عن الإصابات المحققة فيها،  تمثل نقلة كبيرة في هذه المرحلة المتقدمة من الثورة:

مسرح العملية في طرابلس؛

وراء العملية مستوى عالٍ من التخطيط والتنظيم والتنفيذ؛

هناك اختراق خطير لأمن النظام في دائرته الضيقة العليا؛

العملية تبشر باقتراب ما هو آت.. آت.

 

السبت 23 يوليه (157)

خدمة وطنية أم ارتزاق؟

يحمل تلفزيون الجماهيرية العظمى هذه الأيام دعوة للشباب للالتحاق باللواء 32 سيئ السمعة تحديدا… بكتيبة خميس.

يمرّ الشاب المتقدم للخدمة بمرحلة تدريب أساسي تستمر ثلاثة أشهر يتقاضى خلالها مبلغ  300 دينار في الشهر،

ويعين بعد إنهاء التدريب جنديا بمرتب يبلغ  1000 دينار في الشهر،

ويمنح الجندي في حالة الانتظام  في الخدمة لمدة الستة أشهر الأولى سيارة ومنزلاً،

وتجوز الاستقالة من الخدمة بعد ستة أشهر. 

ستصرف الجماهيرية العظمى ــ إذا أعطاها الله عمراً، وإذا صدقت ــ ما يعادل أكثر من مائة وعشرين ألف دينار للمجند الواحد خلال الستة أشهر الأولى على اعتبار مائة ألف دينار فقط كتكلفة للسكن تُضاف إليها المرتبات وقيمة السيارة، أي مجموع مرتبات 40 وكيل وزارة في النظام الجماهيري البديع لمدة ستة أشهر (مرتب وكيل الوزارة في ليبيا لا يتجاوز 500 دينار في الشهر).

ويعلنون عن قبول متطوعين لا مرتزقة!

الأحد 24 يوليه (158)

كله تمام

مرة أخرى أهلنا داخل طرابلس وغيرها من المدن التي تنتظر.. كيف هي معاناتهم من كتم الأنفاس، والاعتقالات العشوائية وما يصاحبها من ترويع وسرقات.. والتهديد المستمر بتجنيد الشباب والإلقاء بهم إلى خطوط نار لا يرجون من ورائها ثوابا من الله ، بل غضباً وخزياً محققان.. وسائل اتصال مقطوعة مع أهلهم في الشرق ومصراته والجبل.. الإنترنت مقطوعة منذ 3 مارس.. صعوبة الحركة للنقص الحاد في البنزين.. انتظار الأيام في طوابير محطات الوقود… وانتظار أيام أخرى في طوابير المصارف حتى يصرف بضع مئات من الدينارات من إصدارات قديمة (أخرج المصرف المركزي أوراق الإصدار السادس المسحوب من التداول ثم الإصدارين الخامس والرابع.. هل سيصل إلى إصدارات المملكة؟).. ووسائل الإعلام تتحدث عن نقص في المواد الغذائية والدواء والسيولة النقدية وانقطاعات متكررة للكهرباء.

أما الصورة التي يعمل النظام جاهدا على بثها فهي أن كل شيء في طرابلس طبيعي.. على ما يُرام.

الله مع أهلنا الصابرين … وإلى يوم انتصار قريب بإذن الله.

الإثنين 25 يوليه (159)

وتفرقت السّبُل

في العالم قضايا ومشاغل لم يعد باستطاعتنا، في عالم اليوم، أن نكون بمعزل عنها وإن أردنا. قضية تنصت كبرى في بريطانيا.. هجوم إرهابي ’يميني مسيحي‘ أودى بحياة 92 شخصا في النرويج.. تطوير شبكات إنترنت بسرعات فائقة تبلغ أضعافاً مضاعفة للسرعات المعروفة حاليا… وغير ذلك كثير من الأحداث والتطورات السياسية والفكرية والعلمية والتكنولوجية التي ستكون لها انعكاساتها الكبرى على بلدنا وعلى كوكبنا برمته… قليل منا نحن الليبيين من وجد وقتا أو اهتماما بشيء من كل هذا على مدى خمسة أشهر طويلة مضت، والعدّ لم يتوقف بعد.

أتصفح الجرائد المصرية فأجدني أبحث عن أخبار أو تحقيقات حول الشأن الليبي.. أجد خبرا يسخر من كلام القذافي الموجه للمصريين في عيد ثورة 1952.. ’حسني مبارك كان يجب أن يبقى.. حسني مبارك كان يشحت مني من أجل الشعب المصري!!‘ غدا جلسة محكمة استئناف الحكم بإغلاق قنوات القنفود على النايلسات.. عمود في الشروق يدين حملة الناتو العسكرية على المدنيين في ليبيا!

يكاد اهتمامنا نحن الليبيين ينحصر في مجريات ثورة 17 فبراير، واهتمام المصريين في ثورة 25 يناير والتونسيين في 14 يناير، وهكذا بالنسبة لليمنيين والسوريين.. ولا ننسى البحرينيين الذين قُمعت ثورتهم وأُخمد صوتهم من دون أن ينطق أحد بكلمة أسف على ما حلّ بهم.. وفلسطين؟ أي فلسطين؟

ثورتا تونس ومصر شدتا أنظار وتعاطف العرب في كل أقطارهم، وكان معمر القذافي الوحيد من بين الحكام العرب الذي انبرى يدافع عن النظام في البلدين، أسِفاً على استثمارات ضخمة ضخها لترسيخ حكم النظامين وفزِعاً مما كان في الطريق إليه.

لقد تعرّض الليبيون لحملة من التقتيل والتدمير والهتك للأعراض لم تشهدها ثورتا تونس ومصر، وحلّت على أرضهم وبصوت رأس النظام صراحةً نذر محو مدينة بنغازي من الوجود، وارتكبت كتائب أمن النظام ومرتزقته جرائم في مصراته والزاوية وغيرهما شاهدها العالم كله على شاشات التلفزيون. واستغاث الليبيون بالعالم فتقدم الغريب مغيثا وتقاعس القريب.

لم يكتف الكثير من العرب بالتفرج على ما يتعرض له الليبيون، بل إن الكثيرين ـــــ ومنهم مفكرون ومشكّلون للرأي العام ــــــ  وقفوا، عن وعيٍ ومصلحة أو برؤيةٍ للعالم من حولهم لم تواكب متغيرات الزمن، ضد ما أسموه مؤامرة أو حرباً غربية على ليبيا… وقفوا في النتيجة مع طاغية مجنون في حربه ضد شعبه. فضّلوا التفرّج على شعب ’شقيق‘ يُذبح، ووجدوا الراحة في ترف الوعظ وإعطاء الدروس حول الاستعمار وأطماعه. موقف العرب من الليبيين في محنتهم محزن.. ولا أقول أكثر… ذلك مع واجب استثناء دولتي قطر والإمارات، وتونس بكرم شعبها وشهامته.. وقفة كل هؤلاء لن ينساها الليبيون أبداً.. والاستثناء يثبت القاعدة ولا ينفيها.  

وانتهينا إلى ما نحن فيه… لكلٍّ منا شأنٌ يغنيه.

الثلاثاء 26 يوليه (160)

لا بديل عن الحسم

انتظم الغرب جميعه الآن وراء القبول ببقاء القذافي في ليبيا في إطار تسوية نهائية تضمن تنحيه عن السلطة، ذلك باستثناء الولايات المتحدة التي فضلت أن تبقى على بعد خطوات من الدول الأوروبية في الشأن الليبي.

بالرغم من ضرورة القبول بأن الجهد العسكري والدبلوماسي الذي يواصل التحالف الدولي القيام به يعطيه الحق في التدخل في شؤون تُعتبر شؤوناً ليبية بحته، يبقى السؤال مطروحا: أليس بقاء القذافي في ليبيا شأن الليبيين وحدهم؟

والسؤال الأهم هو كيف يمكن أن يقبل القذافي نفسه بالبقاء بين الليبيين بعد تنحيه عن كافة سلطاته؟ توجد طرق أفضل للانتحار من دون شك.

لن توجد تسوية من دون تنحي القذافي عن جميع مصادر سلطاته في القوات المسلحة واللجان الثورية ومؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة والقيادات الشعبية والإسلامية والأممية والإفريقية وغيرها ومن كونه قائداً أو رمزاً أو أي شيء آخر، فلا شيء من هذه الكيانات والصفات، بما فيها من كتائب ولجان ثورية وغير ثورية وهيئات ومؤتمرات وقيادات، سيكون له مكان في الدولة الجديدة.

عندئذ يبرز سؤال آخر: ومن الذي سيستطيع حماية القذافي وأبنائه متى اختفت جميع مصادر القوة والسلطة هذه؟ هل هي السلطة الشرعية الجديدة؟ وكيف ستحميه السلطة الجديدة من القضاء والقانون الذي تُعتبر سيادته من أهم مطالب الليبيين في العهد الجديد؟

وحتى إذا كانت هنا ك قرارات دولية وتعهدات ملزمة للسلطة الجديدة، هل ستستطيع قوة أن تحميه من مطالبات آلاف الليبيين أولياء دم عشرات آلاف الشهداء الذين قضوا في السجون وفي البيوت والشوارع وميادين المواجهة شرقا وغربا. من يستطيع أن يضمن للقذافي وأبنائه وأعوانه أن الليبيين لن يصلوا إليهم أينما كانوا في ليبيا.. بل وخارج ليبيا أيضا؟

في ظني أن القذافي نفسه لن يقبل البقاء في ليبيا تحت أي سلطة غير سلطته وأبنائه ولجانه وكتائبه… وهذا بالتأكيد ما لن يكون.

النهاية ستكون حاسمة قاطعة، فقد تجاوز الليبيون ومعمر القذافي أيضا مرحلة أنصاف الحلول… ومعمر القذافي لا يمكن أن يكون غير حاكمٍ مطلق أو راحلٍ تماماً تماماً تماماً.

أما مبادرة مبعوث الأمم المتحدة فتتضمن تشكيل مجلس رئاسي انتقالي يختار المجلس الوطني اثنين من أعضائه يمثلان الشرق ويختار النظام في طرابلس عضوين يمثلان الغرب. هذا حديث مشبوه وخطير قد يكون مقدمة إما للتقسيم أو الفدرالية أو الكونفدرالية. ربما كان من المفهوم أن يختار المجلس الوطني عددا من الأعضاء يمثلون المناطق المحررة وأن يختار النظام عددا يمثلون المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرته… ولكن شرق وغرب؟ لا يا خطيب.

الأربعاء 27 يوليه (161)

ابتسامات البغدادي

اعتراف بريطانيا بالمجلس اليوم، وطردها لأعضاء المكتب الشعبي للقذافي، وإعلانها الترحيب باستقبال مبعوث دبلوماسي (سفير) عن المجلس… كل ذلك مثّل ضربة قوية للنظام. ننتظر الآن توالي طرد ممثلي النظام في مختلف دول العالم وفتح سفارات لليبيا الحرة.

من المفارقات أن يتم ذلك ومعظم الدول العربية ’الشقيقة‘ لم تعترف بالثورة الليبية ولم تطبق قرار مجلس الأمن بتجميد أرصدة ليبيا لديها.. الجزائر ضالعة فيما يبدو في دعم النظام بكل قوة، وغيرها (من تحت الطاولة).. شكراً للعرب.

وخرج السيد البغدادي المحمودي ليعلن، موزعا ابتساماته يمينا وشمالا، أنه “لا مفاوضات قبل وقف حملة التحالف، وأن حكم معمر القذافي ليس مطروحا للنقاش”.

قد يختلط الأمر لوهلةٍ عند البعض عندما يشاهد البغدادي وباقي الفريق، فيحسبهم رؤساء حكومات ووزراء ومسؤولين حقيقيين. ولكن الليبيين الذين خبروهم عقوداً طويلة من الزمن يعرفون من هم. هم خُدّام سيدهم؛ يحدد درجاتِهم وطول خدمتهم الإخلاص والطاعة.

لذلك أخطأ الكثيرون منا عندما توقعوا ــ أو تمنوا ــ أن ينهار النظام من داخله بفعل انشقاقات رجاله. هؤلاء لا يملكون زمام أمورهم، وسيبقون مع سيدهم حتى نهايته ونهايتهم المحتومة معه.

الخميس 28 يوليه (162)

عبد الفتاح يونس

كان هذا اليوم يوما عصيباً رغم التقدم الهام على جبل نفوسه بتحرير الغزاية والجوش وبدر على سفح الجبل.

لقد توالت الأخبار والشائعات منذ الصباح حول مصير اللواء عبد الفتاح يونس.. فقد كان رهن التحقيق.. لا لم يكن كذلك.. سيخرج في مؤتمر صحفي… لم يُعقد مؤتمر صحفي.. واغتيل عبد الفتاح يونس.

لقد برّأ رئيس المجلس اللواء عبد الفتاح حين نعاه وأعلن الحداد الرسمي على وفاته من أي تهم أو شكوك قد يكون البعض وجهها إليه. ولكن تفاصيل الجريمة والإشارات إلى من قد يكون وراءها لم تكن قاطعة.. وهذا طبيعي في هذه المرحلة المبكرة.

هناك تركيز على الانتماء القبلي للشهيد عبد الفتاح يونس والتخوف من فتنة قبلية في الشرق.. هنا لا نملك غير الدعاء أن يتغلب العقل والحكمة. وهناك تخوف متزايد من انتشار السلاح والمسلحين في الشرق.. وهذه قضية تأخر حسمها، ولم تعد تحتمل الانتظار. 

لن تكون هناك نهاية آمنة لهذه القضية من دون تحقيق قضائي شفاف ومُعلن ومحاكمة عادلة وغير استثنائية، تُظهر الحقيقة كاملة وتنزل العقاب طبقا للقانون. سيادة القانون مطلب أساسي لثورة الليبيين، ومن دونه ستكون دماء شهدائنا في الجامعات والساحات وشوارع أوروبا وبوسليم، وشهداء هذه الثورة نفسها في جميع أنحاء ليبيا، قد ضاعت هدرا.

نريد سيادة القانون، لا سيادة فرد أو قبيلة فئة. بنجاحنا في إرساء دعائم دولة القانون نكون قد هزمنا عهد الظلم والسفه.. والتحقيق في اغتيال عبد الفتاح يونس خطوة أولى على الطريق… ورحم الله عبد الفتاح يونس.

الجمعة 29 يوليه (163)

حتى نحافظ على الثورة

تستمر تداعيات اغتيال الشهيد عبد الفتاح يونس، وتتجه الأضواء نحو المجموعات المسلحة غير النظامية. وتعددت التصريحات وتضاربت، وتبقى حقيقة ما جرى تنتظر نتائج تحقيق قضائي مرتقب.

لقد كشفت عملية الاغتيال عن عدة أشياء:

تعدد التنظيمات المسلحة اامستقلة، بشكل أو بآخر، عن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية.

المجلس الوطني الانتقالي لم يتمكن بعد من بسط سيادة القانون على كامل التراب الذي يقع تحت سيطرته.

هناك أفراد أو قوى تدّعي احتكارا للحقيقة وحقا في استعمال القوة خارج إطار القانون.

لم يقدم الليبيون آلاف الشهداء ليستبدلوا عهداً ظلاميا بآخر، ولا متسلطاً بمتسلط. لم يثر الليبيون ضد معمر القذافي لأنهم ملّوا رؤية خِلقته ــــ وهم قد ملّوا ذلك بالفعل. لقد ثار الليبيون ــ فيما أرجو ــ ضد الاستبداد والظلم وادعاء احتكار الحقيقة من قِبل أي شخص أو فئة كانت … قامت الثورة من أجل قيام دولة يسودها القانون… وينعم فيها المواطنون بالحرية والأمن والمساواة.

يجب أن يوضع حدٌّ لكل ما من شأنه تهديد أمن المواطن أو خرق القانون.. أو التلاعب بمصير ثورة سطرتها دماء آلاف الشهداء.. يجب أن يطمئن المواطن إلى بوادر بزوغ هذه الدولة المأمولة.

وما يبدو صعبا اليوم سيكون أصعب يوم غد.

السبت 30 يوليه (164)

من قتل عبد الفتاح؟

مهجر.. محنة في الداخل.. نزيف متواصل.. تضحيات كبرى.. وقوى الشر تقاوم حتى الرمق الأخير.. وتستمر في الضرب والقتل والبطش من دون رادع… تحذيراتٌ من دمار شامل للمدن متى حانت ساعته الأخيرة.. طال الانتظار وتراكمت التضحيات.. وفجر التحرير يبدو قريبا يوما ومتراجعاً يوماً آخر… تفاؤل وحذر وترقب وانقباض تتوالى، وأفق يبعد كلما اقتربنا منه.   

ووسط هذه الثورة العارمة والمعركة الطاحنة تخرج علينا فئة بعمل إجرامي أهوج كاد يعصف بكل المكتسبات لولا حكمة العقلاء… أو هو عمل طابور خامس، كما يسمونه، اقتضى الواجب إزاحته التامة والنهائية من الساحة منذ وقت طويل. 

صدر أمر بالقبض عليه.. لم يصدر أمر بالقبض عليه.. قُبض عليه وحُقق معه.. لم يُحقق معه.. وُضع رهن الإقامة الجبرية.. بل كان في طريق العودة إلى الجبهة.. قتله الطابور الخامس.. قتله ثوار.. قتله متطرفون إسلاميون..

الحقيقة الوحيدة إلى الآن هي أنه قد قُتل.. فيما يبدو!

لماذا كل هذا التضارب والتشتت؟ لقد اعترف العالم بالمجلس كحكومة… ولكن الأداءَ يبدو أداءَ أفرادٍ وفصائل. مصير الثورة في الميزان، ومستقبل الأجيال القادمة رهنٌ بقدر من الإجماع على هدف وطريق… لم نره بعد.

الأمر جدّ خطير… فيه النجاة.. وفيه ما لا سمح الله.

الأحد 31 يوليه (165)

قائد فتنة

وأقدمت قوات دفاع وأمن الثورة أخيراً على التصدي للطابور الخامس.. لفلول اللجان الثورية والأمن الداخلي السابق متمثلة فيما يُسمى كتيبة النداء.. ولكن أن تتأخر خيرٌ من أن لا تأتي أبداً.. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم؛ فالمؤكد هو أن اغتيال اللواء عبد الفتاح يونس كان الدافع المباشر وراء هذه الخطوة.

انتماء هذه المجموعة القبلي ما كان يجوز أن يكون سببا في تأخير مواجهتها.. يجب أن نتعود كليبيين على التعامل مع أمور الأمن والشأن العام من منطلقات وطنية لا تمليها اعتبارات القبيلة.. هناك مخاطر، ولكن مخاطر الانكماش عن المواجهة أكبر.

وفي المساء  قضيت نصف ساعة ثقيلة ثقيلة، أو أكثر، أمام القنفود، فشاهدت خطاب القذافي في مظاهرة بني وليد وخطاب بوقه شاكير لجمهور القنفود في كل مكان. الخطاب ــ هو نفسه من شاكير ومن القذافي ــ كان خطاب فتنةٍ فجّاً.. تميّز فيه شاكير عن سيده بدرجة أدنى من التحرر من قيود الأدب والتهذيب… خاطب القائد واحدة من قبائل وطنه ــ ورفلّه ــ محرّضاٌ إياها على مدينة في شرق البلاد ــ بنغازي ــ وعلى قبيلة أخرى من القبائل الكبرى ــ العبيدات ــ قائلا إنهم قتلوا مائة وعشرين من ورفلة (القائد قرر أن عددهم 120)، وأنّ عليهم أنْ يثأروا لأبنائهم… وأن يحرروا مصراته في طريقهم إلى بنغازي! ما هذا الهذيان؟ وأراد شاكير أن يوسّع دائرة الفتنة قائلا إن عناصر من مصراته هم المسؤولون عن هذه المواجهة مع فلول اللجان الثورية. وأهاب شاكير بقبيلة تواجير درنة أن تنضم إلى ورفلة.. ولم أفهم الرابط بين القبيلتين.

ولكن لهذا الهذيان آذان تصغي، وطوابير من المنتفعين والمتورطين والمغفلين والجاهليّين الذين سيتجيبون لنداء الفتنة هذا، وإذا ما تجاوزت هذه الاستجابة كتلةً حرجة ــ لا سمح الله ــ سيكون للقائد وابنه ما أرادا وصرّحا به في فبراير الماضي حين وضعا الليبيين أمام أحد خيارين إما الإذعان لحكم القذافي وأبنائه وإلا فهي الفتنة والحرب الأهلية وتفتيت البلاد وهلاك العباد.

’وليّ الأمر‘ يعمل ما وسعه العمل على إيقاد نار الفتنة بين مواطنيه! يدفعهم إلى قتل بعضهم البعض في دوامة من الاقتتال العبثي الذي يتمنى أن يؤدي إلى إحدى نتيجتين: إما بقاؤه حاكماً ولو لجزء من البلاد أو تدميرها تماما قبل أن يرحل.

هل مرّ بالتاريخ مثل هذا الجنون؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *