يوميات أغسطس 2011

الإثنين 1 أغسطس (166)

التفكير نيابة عن الليبيين

وزير الدفاع البريطاني في مقابلة له مع البي بي سي 4 يرى أن التعجيل برحيل القذافي رهن بتخلي دائرة المحيطين به عنه. أما وزير الدفاع الفرنسي فيرى أن ذلك رهن بانتفاضة طرابلس، ويحث الليبيين على ذلك.

الانتظار حتى يتخلى الموظفون المحيطون بالقذافي عن سيدهم كما يقترح وزير الدفاع البريطاني سيكون انتظاراً إلى الأبد. الوزير البريطاني لا يعرف معدن هؤلاء، فهم أناس باعوا أنفسهم للشيطان وربطوا مصيرهم بمصيره، ولا يعرفون غير الثبات على ما هم فيه.

ما سيؤول إليه الصراع في ليبيا بيد الليبيين. بإمكاننا الركون لضربات قوات الحلفاء الجوية ظانين ومتمنين أن تأتينا بالنصرـــــ  وهو ما لن يكون ـــــ وبإمكان المتفرجين منا أن يتخلوا عن التفرج على فريقين، أحدهما يضحي بدماء أبنائه على الجبهات والآخر يرقص في مشاهد محزنة… رعاع ومنتفعون يتراقصون طرباً على كلمات مجنون يعمل لحرق بلادهم.

بيد الليبيين وحدهم القرار، حين يدرك الجميع أن الظرف يفرض الاختيار بين المواجهة وبين تمجيد وتأليه الطاغية في باب العزيزية وغيرها من الساحات. في الخيار الأول خلاص من الطغيان والسفه، وفي الثاني فتنة ودمار لأجيال قادمة.

نظام القذافي يعمل لتوظيف شركة من شركات نيويورك ولندن للعلاقات العامة لتنظيف صورته طبقا لجريدة نيويورك بوست، 1 أغسطس 2011.

يقول علي درويش من الهيئة العامة للإعلام/ المركز الإعلامي في دعوةٍ بالإيميل بعث بها إلى عدد من هذه الشركات، طبقاً للصحيفة:

“لدينا منطق أخلاقي وسياسي وقانوني جيد لدعم موقفنا كحكومة ليبيا الشرعية والشعبية ذات السيادة”… أخلاقي؟؟؟!!!

“وقعت ليبيا تحت هجوم إعلامي غير مبرر أدى إلى تدخل الناتو”… هكذا!!!

“نستطيع إبرام أي صفقة مع هيئتكم عن طريق طرف ثالث للمساعدة في دفع الأمور بسرعة إلى الأمام”.

وتواصل صحيفة النيويورك بوست قائلة “ولم يجد الطاغية العربي من يستجيب لطلبه حتى الآن.”

مرة أخرى نجد النظام يعرض المال من أجل إنقاذ نفسه، تماماً كما فعل بالنسبة للوكربي واليو تي اي ولا بيل ومحاولة شراء سكوت الليبيين عن جريمة بوسليم والعروض المغرية لآل موسى الصدر، وتوزيع 500 دينار لكل كتيب عائلة أياما بعد اندلاع الثورة، وغير ذلك كثير… ملاذه المال حين تنكشف جريمة أو يتعاظم خطر… يشتري به خدمات ومعدات ورجالاً ودولاً.

والآن هو يدرك كم هي صورته لدى الرأي العام العالمي قذرة وبحاجة إلى التنظيف؛ لعله بذلك يستطيع البقاء لأيام أخرى. صورته عند الليبيين لا تهم، فزرع الفتنة بينهم كفيل بتحقيق أغراضه في هذه المرحلة.. إن نجح.

الثلاثاء 2 أغسطس (167)

كيف ننام؟

لا أعرف كيف سأنام هذه الليلة.  لقد شاهدت مقطع فيديو ضمن برنامج بالليبي على قناة ليبيا الأحرار هذه الليلة، يصوّر تعذيب الكتائب لمواطن في زليتن. كان في ملابسه الداخلية، مقيد اليدين خلف ظهره. ألقوا به في ساحة مسيّجة وانهالوا عليه بعبارات السب والشتم وركلا بأرجلهم، وجروه جراً… غرضهم؟ أن يقول ’الله ومعمر وليبيا وبس‘. .. وأسمع أحدهم يقول ’هات الموس‘. ما هذا الهوس المرضي بترديد هذه العبارة القبيحة؛ نراهم في غاية الابتهاج حينما يلوكونها أمام كاميرات التلفزيون، ويصرون على أن يتلفظ بها كل ليبي؟ ومن هؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال الوحشية الموغلة في السّادية؟ وجوه أبطال هذا المقطع واضحة، ولا شك أن  أقاربهم وأصدقائهم سيتعرفون عليهم… كيف سيواجهونهم، وكيف سيتعايشون مع جرائمهم النكراء؟ وحسابهم عند الله؟ ذلك شيء آخر.

وقرأت أيضا تقريرا عن ليبي تعرض لشتى أنواع التعذيب في بوسليم وتمكن أخيرا من الوصول إلى تونس حيث أُخرجت يوم 11 يوليه رصاصة من رجله كانت قد أصابته يوم 19 فبراير.. قضى الرجل في بوسليم طبقا لهذا التقرير 84 يوما تعرض خلالها ورأى من هول التعذيب والاغتصاب ما رآه  ولا أستطيع إعادة سرده. ترك الرجل سجن بوسليم مع صديق له اغتصبوا زوجته… انتحر الرجل في بن قردان.

أسأل الله في هذه الليلة المباركة من شهر رمضان أن يعجل بإزالة الغُمة، وأن يشفي قلوب قوم مؤمنين. “قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ…صدق الله العظيم”

وحسبنا الله الذي لا إله إلا هو، عليه توكلنا وهو رب العرش العظيم.

الأربعاء 3 أغسطس (168)

الشيخ سيف بن معمر أبومنيار

نشرت النيويورك تايمز اليوم تقريرا عن مقابلة أجرتها مع سيف القذافي في فندق شبه مهجور بطرابلس. سيف في هذه المقابلة يذهب بعيدا في في اتباع منهاج أبيه الذي لا يعرف مبدءاً ولا ثباتا على شيء. المبادئ لا وجود لها في قاموسهم، وأعمالهم تحكمها مصالح أشخاصهم فقط، لا يراعون فيها شرعاً ولا عرفاً ولا أخلاقا. غايتهم حكم ليبيا واستعباد الليبيين واحتكار ’الكنز‘ الليبي.. 

يقول سيف في هذه المقابلة، بلحيته الجديدة والمسبحة بيده، إنه في تحالف سري الآن مع الإسلاميين الراديكاليين ضد الليبراليين في المناطق المحررة. وسيكون على الليبراليين أن يهربوا أو يُقتلوا. ستكون ليبيا شبيهة بالسعودية أو إيران.. المحاور الإسلامي للقذافي هو علي الصلابي كما يقول، والسيد الصلابي يقرّ طبقا للصحيفة بحدوث حوار مع القذافي ولكنه ينفي التحالف معه. سيف يصف الإسلاميين بأنهم إرهابيون ودمويون ويقول إنه سيكون على الغرب أن يقبلهم، وأن يستقبل وزير دفاع وسفراء ليبيا الإسلامية. هي قصة مثيرة مضحكة يقول القذافي، ولكنه والإسلاميين سيصدرون بيانا مشتركا خلال أيام من طرابلس وبنغازي، وسيحل السلام خلال شهر رمضان!

في أيامه الأخيرة هو الشيخ سيف، وكأن سيف الذي عرفته روما وفيينا ولندن وجزر اليونان كان شخصية خيالية.. المهم الاستمرار في حكم الليبيين.. واللي تغلب بيه ألعب بيه.. ولكنها ’مشيخة‘ تبشر بقرب النهاية.

من حكام العرب من لا يزال ينتظر ولا يتصور كيف ستكون نهايته. فنهايات حكام العرب تتنوع بين قتلٍ بالنار وسحلٍ وشنقٍ ونفي، وللمرة الأولى في عصرنا الحديث عن طريق المحاكمة. كان اليوم يوما عصيباً، لا يماثله غير يوم شنق صدام حسين.. تتوالى أيام ’الفجايع‘ على من ينتظر، فقد تفرج العرب هذا اليوم على فرعون مصر وابنيْه في قفص الاتهام يواجه التهم الموجهة إليه تماما كما يُعامل كل متهم بجريمة. نودي عليه كما يُنادى على أي متهم: ’محمد حسني السيد مبارك‘ ليرد مؤكدا حضوره. مشهد لم يتصور رؤيته أحد في مصر منذ أشهر قليلة فقط.

ورأينا جمال حسني مبارك في القفص ممسكاً في يده بمصحف.. ’استشيخ‘ جمال مبارك عندما وصل إلى النهاية.. كما ’استشيخ‘ سيف. هي النهاية في الحالتين.

لن يتكرر المشهد مع القذافي، فتنوع النهايات مستمر، ومعمر القذافي جدير بأن يكون فريدا في نهايته كما كان فريدا طيلة سنوات حكمه بين قرنائه من طغاة العرب.

الخميس 4 أغسطس (169)

الكيماوي

يكرر آل القذافي القول بأنهم لم يستعملوا كل أسلحتهم بعد. لقد تعودنا على سماع الكذب والكلام المخادع والروايات الخيالية، ولذلك نميل إلى عدم المبالاة بما يقولون أو اتخاذ ما نسمعه مادة للتندر لا أكثر.

إن ما هو معروف من امتلاك النظام لأسلحة كيماوية يجب أن يشغل تفكيرنا.

هل يمكن للنظام، من الزاوية الأخلاقية، أن يستعمل أسلحة كيماوية ضد مدنيين؟ ضدّ ما يمكن أن نشير إليه نظرياً بأنه شعبه؟ الجواب لديّ هو بالإيجاب قطعاً. النظام الذي أسقط ثلاث طائرات مدنية (لوكربي واليو تي أي والليبية ديسمبر 1992)، وأطلق النار على 1269 سجينا في بوسليم سنة 1996، وحرق غابات الجبل الأخضر سنة 1997، قادر بكل تأكيد ومن دون تردد على استعمال أسلحة كيماوية ضد الليبيين في مصراته أو جبل نفوسه أو بنغازي أو طرابلس في أيّ وقت يشير به عقله المريض… انتقاماً.. شماتةً.. أو انتشاءً بقوة.

هل يعي العسكريون الليبيون المختصون أن إصدار أمر كهذا لهم وارد؟ وماذا أعدوا لتلك الساعة؟

وهل نعي جميعا جدية الخطر، وأعددنا له ــ وأعدت له قوات التحالف ــ ما يلزم لمنع حدوثه؟

الاحتمال حقيقي.. ومخيف.

الجمعه 5 أغسطس (170)

طرابلس في ظلام

ظهر شاكير على قناة القنفود الليلة الماضية ليقول إنهم الجرذان الذين قطعوا الكهرباء وأوقفوا ضخ الغاز، ولكننا سنبقى صامدين، قال شاكير، وسنعود إلى الحطب إذا لزم الأمر… ووصل زميله رضوان إلى الاستوديو ليقول إنه الناتو الذي ضرب شبكات الكهرباء.. وعلى الليبية شقيقة القنفود ظهر حمزة بوخنجر ليقول إن شركة الكهرباء غير مسؤولة عن الانقطاعات وقطاع النفط هو المسؤول.

النتيجة واحدة ياسادة، كذبكم واضح وضوح الشمس… حتى في الظلام.

اتصلت ببعض الأهل والأقارب في طرابلس. أبلغوني أن الانقطاع يصل إلى 12 ساعة وأكثر كل يوم. سألته فقال إنهم قد فصلوا المجمدات تماما بعد أن فسد ما بها من مواد غذائية… وفي المساء؟ نخرج إلى البلكونه يحيط بنا الظلام من داخل المنزل وبالشارع.. هو الشمع فقط الذي يضيء شيئا من الظلمة… ألم تفكر في شراء مولد؟ فقال إن أسعار المولدات الصغيرة تجاوزت الــ 15 ألف دينار، ثم من أين لنا بالنافتا؟

وللمرة الأولى فيما أعلم، يتم نقل صلاة التراويح من غير مسجد مولاي محمد.. في هذه الليلة تم تحويل جزء من ملهى باب العزيزية إلى مصلّى أَمّه بضع عشرات… في الليالي السابقة المصلون بمولاي محمد لم يكملوا صفين اثنين. 

واتصل بي آخر خرج من طرابلس منذ يومين.. قال إن الانقطاع في منزله بحي الأندلس وصل إلى 27 ساعة شبه متواصلة.. أسعار ما يتوفر من المواد الغذائية وصلت إلى ثلاثة أضعاف أسعارها المعتادة وأكثر، أما المواد المدعومة فيتطلب الحصول عليها الدخول في معارك تصل إلى استعمال الأيدي، وهي معارك ليس لدى الجميع قدرة على خوض غمارها! قال إن الجو في طرابلس خانق وليس بالإمكان في رأيه أن يستمر طويلا من دون انفجار ما.

السبت 6 أغسطس (171)

غلق المقاهي

أتنقل بين قنوات ليبيا الحرة وليبيا الأحرار وليبيا أولا.. اللون واحد والشكل واحد واللغة والمواضيع واحدة.. في هذه الساعة على الأقل.. وتنتقل ليبيا اليوم إلى ساحة الحرية في بنغازي، فإذا بأحدهم يشكو قلة الحضور ويدعو إلى إغلاق المقاهي!

أرى ساحة التحرير ملكا لجميع الليبين وليس لفئة معينة تحتكر لنفسها حضورا لا يمثل غيرها.. نعم هناك فئة من السابقين أشعلوا فتيل الثورة يوم 15 فبراير، وانضمت الجماهير بآلافها وتوالت الاحتجاجات وتحولت إلى انتفاضةٍ فزلزالٍ قوّض أركان النظام. وقدم الشباب أرواحهم ثمنا لذلك الانتصار العظيم. لم يَجمع أولئك الشباب، وكافة فئات المجتمع من ورائهم، توجّهٌ سياسي أو فكري معين، كانوا ليبيين من كل لون؛ جمعهم رفض العسف والظلم والتهميش، والتوق نحو عيش حرٍّ كريم، فخرجوا طالبين النصر أو الشهادة. كل أولئك، وفي مقدمتهم من استُشهدوا منهم، هم صناع ثورة 17 فبراير وملّاكها.. كل الليبيين طالبي الحرية من دون استثناء أو إقصاء… الإسلاميون والليبراليون والقوميون وغيرهم من كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية والأغلبية الكبرى من غير ذوي انتماء لأي اتجاه… جميعهم ليبيون عانوا ما عانوه تحت القذافي وساهموا بشكل من الأشكال في هذه الثورة ويتطلعون إلى انهيار عرش الطاغية وانبلاج عصر جديد…

ليس لفئة احتكار الخطاب في الساحات وأمام وسائل الإعلام.. فليبيا وثورة 17 فبراير لكل الليبيين.. وأدعو الله ألا يكون في العهد الجديد مكان لتسلط فئة حزباً كانت أو لجانا أو جهازَ أمن، وألا نسمح لأحد بإقصاء أحد أو باحتكار الخطاب وادعاء معرفة المصلحة دون غيره… بذلك فقط سنرى الجماهير بآلافها وجميع ألوانها في ساحتها… ساحة الحرية.. ساحة كل الليبيين.

وعن المقاهي.. المقاهي ليست جميعها أماكن للتسكع أو ’قتل الوقت‘.. هي للكثيرين أماكن لقاءاتِ نقاشٍ وحوارٍ وتداولٍ في شؤون حلقات المعرفة الضيقة وهموم المجتمع الأوسع. وهي أماكن للترويح عن النفس، و”روّحوا عن القلوب ساعة بعد ساعة، فإن القلوب إذا كلّت عمِيت”. وفيها أيضا مصدر أرزاق. لماذا نريد التضييق على الناس وتشكيلهم جميعا في قالب البعض منا؟… وبأي حق؟

لم تضم جيوش المجاهدين والمقاومين في الجبهات، في أي حقبة وأي أمة، جميع الناس.. بل لعلهم كانوا دائماً قلةً قليلة. وهناك بطبيعة الحال الحاجة لخطوط دعم وإمداد خلفية، والقائمون بتلك الخطوط أيضاً مجاهدون.. وهناك غير المبالين.. وهناك المنافقون… والعجلة تدور والحياة تستمر ويبقى المجتمع حياً نابضاً… وكل شاه معلقة من عرقوبها.

الأحد 7 أغسطس (172)

عائلة نظيفة اليد

نقرأ مقالات لمقربين من سيف القذافي فنجدها، في البعض منها، تدافع عن نظافة يده وحرصه على الابتعاد عن المال العام. وكأن هؤلاء يخاطبون مخلوقات تعيش على كوكب غير كوكبنا. المنشور والمصوّر عن ممارسات عائلة القذافي وسلوك أفرادها يكفي لكي يعرف القاصي والدّاني كيف استحلّت هذه العائلة ثروة الليبيين وتصرفت فيها تصرف المالك لها، من دون حرج أو رادع.

نشرت النيويورك تايمز في عددها بتاريخ 22 فبراير 2011 مقالا بعنوان “برقيات ويكيليكس تفصّل ممارسات عائلة القذافي”.. واضح من العنوان أن كاتبه، سكوت شين، قد استقى معلوماته من برقيات السفير الأمريكي في طرابلس إلى حكومته. بعض ما جاء في المقال:

تشير البرقيات إلى تقارير وسائل الإعلام بعد رأس سنة 2009 حول دفع سيف لمبلغ مليون دولار أمريكى للمغنية ماريا كيري مقابل غنائها أربعاً من أغانيها في حفل باذخ على جزيرة بارتس في البحر الكاريبي. وتشير البرقية إلى نفي صدر عن سيف بإحدى جرائده قائلا إن المبذّر هو أخوه المعتصم. وتمضي البرقية لتقول إن المعتصم كان في سنة 2008 قد طلب من رئيس المؤسسة الوطنية للنفط  مبلغ مليار ومائتي مليون دولار لكي ينشئ ميليشيا خاصة به. وهذا ما سيجعله في صف واحد مع أخيه خميس الذي يقود قوة خاصة “تقوم عمليا كوحدة لحماية النظام”.

تنافس ثلاثة من أولاد القذافي تنافسا شديداً للتربّح من توكيل الكوكاكولا.. و’تمت ترضيتهم جميعا ‘طبقا للبرقية.

يحاول سيف ’أن يكون بعيدا عن الشؤون المحلية‘، فنراه يقضي إجازات الصيد في نيوزيلنده.

هذا بعض مما يرد في تقارير السفارات الأجنبية لحكوماتها، وما خفي كان أعظم، وإن لم يكونوا يبذلون الكثير من الجهد لإخفاء مظاهر سلوكهم ووضع يدهم على ثروة الليبيين، فما كان لليبيين وزن في حساباتهم. سيف ميدانه قطاع النفط، ومحمد الاتصالات بكل أشكالها وشركاتها، وهانيبال البحار ميداناً لصفقاته تشغيلا وشراء ونقلا للنفط، وهكذا لكل أخٍ نصيبه من الكعكة الليبية… والكوكا والبيبسي… وقصور لندن وميونيخ وغيرها.

ولا نحتاج أن نذهب بعيدا.. هناك استراحة سيف المجاورة لاستراحة أبيه في الجبل الأخضر، ونفق راس الهلال المعروف باسمه الإيطالي ’الجالاريا‘. رحلات تلاميذ المدارس لم تكن تكمل من دون زيارة الجالاريا، وإذا بسيف يستولي عليها ويمنع ’العامة’ من دخولها، فهي مرسى يخته وموقع مشروعه لتربية الأسماك. ضم سيف تربية الأسماك إلى هواية تربية النمور وتربية الثعابين عند أخيه الساعدي.

الإثنين 8 أغسطس (173)

الثورة والوقت

استفسرت عن المواعيد المناسبة لمقابلة المسؤولين في بنغازي فقيل لي بعد الحادية عشر. وبالفعل صادفت أحدهم يدخل مكتبه عند الثانية عشرة ظهراً. معظم الموظفين يبدءون في التقاطر على مكاتبهم بعد العاشرة. وصيام رمضان لا علاقة له بالموضوع، فهكذا هي أحوال الإدارة والموظفين قبل رمضان أيضاً. وتذهب لإجراء معاملة إدارية في أي جهة حكومية لتجدها في نفس المستوى البائس المعهود.

المدارس والجامعات مغلقة. هل جميع المدرسين والمدرسات وموظفي التعليم في الجبهات أو خطوط دعمها وإسنادها؟ والجواب بالنفي.

لقد مضى على انطلاق الثورة ما يقارب الستة أشهر، والحياة في بنغازي والمنطقة الشرقية بأسرها الآن مستقرة إلى حد بعيد، فالأمن مستتب ـــ رغم حادث اغتيال الشهيد عبد الفتاح يونس وما أعقبه ــــ والمتطلبات المعيشية متوفرة. ما هو المبرر أو التفسير إذن لهذه الحالة من الاسترخاء وعدم المبالاة بهدر وقت ثمين؟

من حق أطفالنا على أولياء أمورهم وعلى الحكومة التي تملك صنع القرار ألا نسمح بضياع سنة من أعمارهم ـــ قد تطول ـــ من دون تعليم. بل ذلك واجب الجميع تجاه الوطن. أما الإدارة فالحديث عنها يطول. الإدارة الليبية بحاجة إلى تطوير جذري في فلسفتها ونظمها وأدواتها وقدرات القائمين بها. وليس أمامنا من الوعي ببؤس الإدارة السائدة والحاجة إلى تطويرها غير شكوى المواطن من تأخر معاملاته أو حاجته إلى الواسطة، والمواطن الشاكي نفسه في غالب الحالات جزء من المشكل عندما تنظر إلى أدائه هو لوظيفته.

الوقت ليس مبكراً لكي يعود أطفالنا وشبابنا إلى مدارسهم ويعوّضوا ما فاتهم، والوقت ليس مبكراً لكي يبدأ المكتب التنفيذي في ملامسة قضية الإدارة.

الثلاثاء 9 أغسطس (174)

تجارة في جثامين الأطفال

أنصتّ هذه الليلة لتسجيلٍ، أذاعته قناة ليبيا الأحرار في برنامج “بالليبي”، لمكالمة هاتفية بين البغدادي المحمودي وطرف آخر يعطي خلاله السيد البغدادي تعليماته بإحضار جثامين ثلاثة أطفال من أحد المستشفيات ونقلها إلى ’المكان الذي يعرفه الطرف الآخر‘… البغدادي يشير بالاتصال بــ ’عبد الحميد؟‘ أولاً بخصوص هذه الجثامين، ويطلب أن يتم النقل بسرعة (كررها ثلاث مرات) ثم إبلاغ موسى إبراهيم (لإحضار الصحفيين الأجانب؟) والتصوير… ثم تُعاد الجثامين إلى حيث كانت. هكذا كانت تعليمات البغدادي.

تمثل هذه المكالمة دليلاً مسموعاً ومادياً ملموساً هو صوت البغدادي الذي نعرفه جيداً من خلال صولاته في المؤتمرات الصحفية. يسقط رئيس الحكومة ــــ الدكتور الطبيب ــــ بهذه المكالمة إلى درْكٍ دنيء من الأخلاق. هو أولاً كاذب، وهو فوق ذلك شخص ليس في واقعة الموت عنده ما يدفعه إلى التذكر والمراجعة والخشوع، وربما التوبة. وهو شخص لا تقدير عنده لشعور ذوي أطفالٍ موتى أو تعاطف معهم في مصابهم. وهو بذلك شخص لا قدسية للحياة نفسها لديه.

يتاجر في جثامين أطفال الليبيين؛ يشتري بالتحايل والكذب وتصوير جثامينهم رضاء سيده.

رئيس حكومة.. ’أمينٌ اللجنة الشعبية العامة‘ مؤتمن على مصالح شعب.. طبيب.. يسقط هذا السقوط الأخلاقي المريع… فهو في خدمة سيده.. و بَـــسْ.

الأربعاء 10 أغسطس (175)

جداريات الثورة                                                                           

جدران المدن المحررة زاخرة بألوان من الرسوم والكتابات عبّر بها أصحابها عن مشاعر ورؤى وتطلعات انطلقت في لحظات تاريخية ووجدت متنفساً ومساحات حرة على جدران المدن. وعلى جدران المدن المحاصرة أيضا نجد كتابات، ممنوعة في هذه الحالة وعمرها على الجدران قصير.

جذبت هذه الجداريات اهتمام زوارها الأجانب، بل كانت لديهم مادة للتمعن والدرس. فرأينا على صفحات النيويورك تايمز في عدد اليوم تحقيقا عنها بعنوان “فن الشوارع الليبي: حرية وتحدٍ وإشارات مقلقة”، يبدي صاحبه إعجابه بهذه الفورة الفنية على الجدران، المعبرة عن غضب الليبيين وافتخارهم بثورتهم واحتقارهم للطاغية، حتى تحول القائد على تلك الجدران إلى نكتة كريهة. ويشير الكاتب إلى ما تحمله هذه الرسوم من مضامين غير مقبولة من زاوية الغرب ومصالحه. انصبّ الاهتمام في هذا التحقيق على وصف القذافي باليهودي والصهيوني وإلحاق نجمة داوود بصوره. وصْف مجرمٍ، يُصوَّر شيطاناً وجرذاً وثعباناً ومصاصَ دماء، بأنه يهودي ورسم نجمة داوود على صوره عمل غير مقبول! وهو نوع من الكراهية ومعاداة السامية! يقول الكاتب “إن بعض الأماكن التي تظهر فيها هذه الرسوم في المناطق المحررة تثير الشكوك حول القيم التي تمثل ثورة الليبيين كما يقولون، بما في ذلك احترام حقوق الإنسان… توجد الرسوم المعادية للسامية في الزنتان وككله والرسوم العنصرية في بنغازي في أماكن بارزة، وحتى رئيسية حيث يتجمع الثوار وقادتهم”. ويمضي الكاتب ــــ عن جهل أو عن خبث ــــ قائلا “لا يمكن إعفاء حكم القذافي من اللوم.. فقد كانت الخطابات والسياسات المضادة للسامية ولإسرائيل جزءاً لا يتجزأ من سنوات حكمه”. 

نجاح الثورة سيعود بنا من دون شك إلى تناقضات لن نستطيع المساومة عليها أو التفريط في المبادئ والحقوق والمصالح المنشئة لها، ذلك مع عرفاننا بالجميل لأصحابه.

الخميس 11 أغسطس (176)

البلاء عظيم

اكتشفت في الليلتين الماضيتين أنني لا زلت قابلا للشعور بالصدمة بما يتكشف من تصرفات النظام ورجاله. ظننت أنني أدرك تماماً الطبيعة الهمجية للنظام في ليبيا، كما ظننت أنني أعرف بعضاً من رموزه وتصنيفاتهم، فمنهم المنتفع ومنهم المرعوب ومنهم المتورط في جرائم تلاحقه حيث ذهب. إلا أن التسجيلات التي تذيعها قناة ’ليبيا الأحرار‘في برنامج ’بالليبي‘ هذه الأيام صدمتني.. نعم صدمتني.

منذ ليلتين سمعنا البغدادي المحمودي يعطي التعليمات بنقل جثامين أطفال إلى مواقع معينة لكي يأتي موسى إبراهيم بالصحفيين الأجانب ليصوروها، وهي مواقع غارات جوية بطبيعة الحال، ويشير للمتحدث على الطرف الآخر من المكالمة ـبإعادة تلك الجثامين إلى المستشفيات بعد ذلك. أما في الليلة الماضية فقد كانت المكالمة بين البغدادي المحمودي وأحمد (رمضان؟) بشأن تتبّع محمود جبريل لـــ ’قطع رقبته‘.

في التسجيل الأول سقوط أخلاقي مريع، وفي الثاني تآمر للتصفية الجسدية لمعارض… زميل للمحمودي حتى أشهر قليلة مضت.

صُدمت لاكتشاف انحدار أخلاقي وصل بالبغدادي المحمودي إلى التلاعب بجثامين الأطفال، وصُدمت حين سمعت البغدادي المحمودي ضالعاً في التآمر لارتكاب جريمة قتل. والمجرم في الحالتين رئيس الحكومة… حسبت جرائم التصفية الجسدية من اختصاص أجهزة ومكاتب وفرق مختصة، فإذا بنا نكتشف أن دائرة هذا ’الاختصاص‘ أوسع من ذلك بكثير حتى أنها تشمل رئيس الحكومة شخصيا.

وصُدمت لجهلي بطبيعة هذه المجموعة المحيطة بسيدها كل هذه السنين.. إنها عصابة للجريمة المنظمة.. وكفى.

إن ما يجري في ليبيا الآن ليس ثورة على نظام حكم، بل عملية اجتثاث لعصابة جريمة منظمة استولت على الحكم بكل أدواته من حكومة وثروات وطن وأجهزة أمنية وعسكرية، لتنكّل بالليبيين وتذلهم وتمعن فيهم تجهيلا وإفقارا وتقتيلا. ولهذه العصابة وجوه أصبحت معروفة الآن، وهي لا تقف عند اللجان الثورية والأجهزة الأمنية وفرق الاغتيالات، بل تتجاوزها إلى كل الوجوه ’المحترمة‘ التي نشاهدها على الشاشات تقابل وتستقبل وتنظّر.. وزراء وأمناء ومستشارون ومثقفون و…ون و…ون.. من يدري. لعنة الله على كل أولئك في هذا الشهر الفضيل.

الجمعه 12 أغسطس (177)

الإعلان الدستوري المؤقت

أُقرّ المجلس الوطني الانتقالي “الإعلان الدستوري المؤقت”، وكان موضوع نقاش على قناة ليبيا الحرة هذه الليلة، ضمت الأستاذة سلوى الدغيلي وآخر، كانا ضمن الفريق المسؤول عن إعداد الوثيقة.

إصدار إعلان يتضمن مبادئ عامة وخارطة طريق للمرحلة التالية للتحرير مباشرة كان أمراً حيوياً وملحاً منذ مدة غير قصيرة، فالليبيين يجب أن يعرفوا ما هم مقدمون عليه، وهذا لا يعني انتقاصا من ثقتهم بالمجلس كونه ممثلهم في هذه المرحلة. وبغض النظر عن وصف المجلس بالتوافقي كما تقول الأستاذة سلوى، فإنه كان في الحقيقة ضرورةً أملاها ظرف استثنائي أفضى إلى فراغ في السلطة. ولكن المجلس يظل ممثلاً غير منتخب. لذلك، وبالرغم من أن الإعلانَ وثيقة مؤقتة، إلا أنه من الأهمية بمكان بحيث كان من الواجب التحقق من طرحها للمناقشة وطلب الرأي من أوسع دائرة ممكنة من الليبيين، ولا يكفي القول بأنها قد عُرضت على بعض مؤسسات المجتمع المدني. الليبيون أصحاب المصلحة والحق في إبداء الرأي يوجد بعضهم في الأقاليم المحررة، وبعضهم في المناطق المحاصرة، والبعض الآخر منتشرون في شتى بقاع الأرض. هل تم بذل جهد كافٍ لمخاطبة هؤلاء جميعاً؟ من سير الحوار يتضح أن ذلك لم يحظ باهتمام كبير، فالوثيقة مؤقتة يقولون! لم يكن هنا ما يمنع من نشر مسودتها الأولى على موقع المجلس على الإنترنت والدعوة لتقديم الآراء والمقترحات مثلا… وطرق التشاور حتى في ظروف البلاد الصعبة هذه كثيرة.

نريد تواصلا أفضل بيننا نحن الليبيين وبين مجلسنا، ونريد شفافية أكبر.

ولا بد من القول أخيرا أن تأخر صدور هذه الوثيقة كان خيرا من عدم صدورها أبدا.. كما يقولون… وأن هناك هامشاً واسعاً لتحسين الآليات المتبعة للتشاور مع الليبيين والتواصل معهم.

السبت 13 أغسطس (178)

اقتربت الساعة

إنها الساعات الأولى من الصباح التالي ليوم كان حافلا بالانتصارات على الجبهات الغربية.. الزاوية وغريان وراس جدير وربما ترهونة أيضاً جميعها بيد الثوار.. ندعو الله أن يتم الحفاظ عليها والتقدم منها… وروايات عن هروب عدد من الرؤوس إلى تونس.

هذه الإنجازات الكبرى للثوار دليل ليس فقط على إقدامهم وحسن تدريبهم وتنظيمهم، ولكن أيضاً على بدء الانهيار في صفوف الجريمة من الداخل، ما يعجّل بساعة النصر الكبير.. في ميدان شهداء طرابلس… ومع اقتراب الساعة سيرتفع سقف الجنون.. نسأله اللطف.. وهو خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.

يُكتب للمجاهدين في هذه الأيام الفاصلة المجدُ والفخار، وللمجرمين الخزيُ والخسار.

والقاعدون؟ اللهم نسألك العفو.

الأحد 14 أغسطس (179)

آيات

عشنا، ولا نزال، أياماً تاريخية بكل ما تحمله كلمة التاريخ من معان وثِقل. هذه الأيام التاريخية متواصلة بأحداثها الجسام ومشاهدها التي لم نكن نحلم برؤيتها حتى أشهر قليلة مضت. من منا كان يتوقع رؤية الصفحة الأولى لجريدة الشروق المصرية تصرخ بالخط الأحمر العريض “لتكون لمن خلفك آية” أعلى صورة لحسني مبارك في قفص الاتهام؟

بدأت الأحداث تترى منذ خرجت احتجاجات سيدي بوزيد في ديسمبر الماضي واستمرت إلى أيامنا التي شهد تحرير المدن الليبية غرب طرابلس. سقط زين العابدين بعد إشارات إلى توريث حكم تونس لزوجته، وسقط  حسني مبارك بعد قطعه شوطا كبيرا في التهيئة لتوريث حكم مصر لإبنه. وقامت ثورتان شعبيتان أخريان للإطاحة بعلي عبد الله صالح الذي لم يخف إعداد ابنه لوراثته في حكم اليمن، وبشار الأسد وريث حكم أبيه لسوريا. وقامت ثورة البحرينيين منادية بحق المساواة بين المواطين فأجهضتها شقيقات البحرين الخليجيات.

الثورة مستعرة في ليبيا وسوريا ومستمرةٌ محافظةً على سلميّتها في اليمن. ويوشك نظام القذافي وأولاده على السقوط. هذا السقوط تلوح تباشيره اليوم من البريقة والزاوية وغريان وصرمان وترهونة. هي أيام قليلة في الشهر الفضيل ثم ينتهي بإذن الله هذا الفصل المظلم من تاريخ ليبيا.وسنرى بعد السقوط من المشاهد ما لا يعلمه إلا الله وحده. وامتدت ثورات هذا الربيع  إلى الصيف، وستمتد إلى خريف الجزائر بثورة 17 سبتمبر التي تلوح على صفحات الإنترنت تباشيرُ انبلاجها.

لم أقابل من الليبيين في شرق البلاد وغربها من توقّع تحركاً في 17 فبراير يمكن أن يتطور إلى ثورة تطيح بالطاغية. وما كان لهذه الثورة أن تنجح لولا أن الإطاحة بمبارك وبن علي قد سبقتاها، ولا أظن تدخلا عسكريا دوليا ينقذ بنغازي ويساند الثوار في كل الجبهات كان ممكنا لو أن ثورة سوريا سبقتها.

ولعل استمرار ثورة ليبيا لأشهر بدلا من بضعة أسابيع، مدّاً من الله تعالى في عذاب الطاغية في هذه الدنيا، ليذيقه بعضا من العذاب الذي تجرعه الليبيون على مدى اثنين وأربعين عاما، وليكون هو أيضا، لمن خلفه آية.

القاسم المشترك الأعظم بين هذه الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن والجزائر هو الفساد وتوريث البلاد مزرعةً للولد أو الزوج أو الشقيق. مشاريع خيالية لإنشاء ممالك للفساد جرى الإعداد لها منذ عقود من الزمن، وإذا بها تتهاوى واحدة تلو الأخرى خلال أشهر معدودات.

وانْظُروا كيف كانَ عاقبةُ المُفسِدين. صدق الله العظيم

قلْ سِيروا في الأرضِ فانظروا كيفَ كانَ عاقِبةُ المُجْرِمين. صدق الله العظيم

الإثنين 15 أغسطس (180)

هذيان وجنون الساعات الأخيرة

يومان حافلان بالانتصارات على الطريق إلى طرابلس، والأنباء متضاربة حول مفاوضات بين ممثلي القذافي وممثلين عن الثوار في تونس نفاها السيد محمود شمام جملة وتفصيلا. اتضح لاحقا أنها تمت مع بعض الشخصيات من مدينة طرابلس.

وهرب بعض من رجال الأمن الكبار، في ’إجازة سياحية إلى مصر‘ قال أحدهم. هل هو هروب أم إجازات أم غطاء لعمليات أمنية؟ سينكشف الأمر.

النظام يندحر والجميع من رجالات النظام ومن سكان طرابلس يرون السقوط النهائي قريبا جدا. عندها ستنقشع الغمة عن طرابلس وأهلها، ويفرح الليبيون بالتحرر واستعادة الكرامة.

ضاق الخناق فارتفعت وتيرة الكذب. خرج موسى إبراهيم ليقول إن هناك جيوبا صغيرة من عصابات الإرهابيين تمكنت من دخول مدن الزاوية وصرمان وصبراته وغريان إلا أن سيطرة النظام عليها جميعا كاملة! ورفع موسى إبراهيم عيار الكذب حتى ادعى بأن قوات القذافي قد دخلت مركز مدينة مصراته… نعم مصراته… وتجاوزته، فاضطر بعض الإرهابيين للفرار نحو تاورغاء التي تبعد 10 كيلومتر عن مصراته (كانت 50 كم فيما أعرف!)، وسيتم تحرير كامل مصراته قريبا! وطاردت قوات القذافي الثوار من البريقة إلى ما بعد اجدابيا، ولكنها لم تدخل اجدابيا لأن القائد كان قد وعد بأن تكون اجدابيا مدينة آمنة! هذا هذيان الساعات الأخيرة.

الهذيان في هذه المرحلة الحاسمة ضرره ـــ إن كان له ضرر ـــ محدود. ولكنه مصحوب بجنون، بدا واضحا في إطلاق صاروخ سكود من سرت نحو اجدابيا.. سقط في الصحراء حسب رصد قطعة بحرية أمريكية فبالة الساحل الليبي. التقارير الاستخبارية المنشورة تفيد بأن القذافي يملك أكثر من 100 من هذه الصواريخ. هل سيستعملها لقتل الآلاف من سكان المدن الليبية في لحظات وداعه الأخيرة؟

ليس مهماً أن يكون الهذيان مصحوباً بجنون الساعات الأخيرة أو بما لا يزيد عن الجنون المعتاد.. فقد اقتربت الساعة.

الثلاثاء 16 أغسطس (181)

المصالحة والمحاسبة

سقوط القذافي سيكون سقوطاً مدوياً، الله وحده يعلم وقته وشكله، وهو هدف الليبييين في هذه المرحلة، والأبواب بعد تحقق هذا الهدف ستكون مشرعة على احتمالات محفوفة بالمخاطر. محوران رئيسيان يحددان مهام المرحلة التالية لسقوط النظام، هما محور بناء الدولة ومحور المصالحة بين الليبيين ـــــ بدلا من المواجهة والاقتتال. محور المصالحة هو الموضوع الأخطر والذي يجب أن يحتل مكانة متقدمة من التخطيط والإعداد. ولكن المصالحة بغاياتها الوطنية العليا ومُثــلها من عفوٍ وتسامح تبقى مطلبا مثاليا إلى حد بعيد. إن المظالم التي تعرض لها الليبيون مظالم كبرى والجرائم التي ارتكبها النظام بحقهم أبشع من أن توصف. هذه الجرائم ــ من قتل وتعذيب وسرقة ممتلكات وانتهاك حرمات ــ لم يقم بها نظام مصمت معتم، بل نفذها أشخاص طبيعيون سيقوم المتضررون وذووهم بملاحقتهم للقصاص ــ والانتقام ــ منهم حالما تحين الفرصة. وقد يربط البعض بين هذه الجرائم وفئات مجتمعية بعينها، وهنا يكون الخطر أكبر.

إن حق القصاص وجبر الضرر حق طبيعي وشرعي لا يجوز تجاوزه، وأي مصالحة يجب أن يكون العفو فيها، إن كان هناك عفو، صادراً من المتضررين وذويهم أنفسهم، وأن تكون فرصة المقاضاة أمام المحاكم مفتوحة أمام كل من يريد. القضاء العادل  والنزيه وحده يجب أن يكون ملجأ الليبيين متى تعذرت المصالحة.

أما الجرائم المتعلقة بإهدار أو سرقة المال العام ورسم وتنفيذ سياسات القمع والإرهاب والعدوان وتقويض مؤسسات الدولة، فتلك جرائم يجب أن يكون أصحابها في موضع المساءلة أمام القضاء.. لينالوا جزاءهم ويكونوا عبرة لمن بعدهم. 

الأربعاء 17 أغسطس (182)

حذاء عبد الإله

احتلت ’مباحثات‘ عبد الإله الخطيب في تونس مساحة كبيرة من الأخبار في اليومين الماضيين. وذكرت تلك الأنباء أنه قد اجتمع مع شخصيات من وجهاء الليبيين، ذكرت بعض المواقع أسماء بعضهم، ونفى السيد شمام أن يكونوا ممثلين للمجلس الوطني. ما الذي يجري؟ هل هناك من يريد شق الصف في هذه الفترة الحرجة؟.

واتضحت الحقيقة.

هناك من أراد ــ من خارج الليبيين ـــ أن يشق صف الليبيين ويحسّن ــ ربما ـــ من شروط صفقة نهائية لصالح القذافي. ولكن الأحرار تفطنوا للعبة القذرة ورفضوا مقابلة الخطيب، واستقبله وودعه على باب الفندق جمع غفير من شباب الثورة تجاوز عدده الثلاثمائة شاب، وألقوا عليه حذاء أحدهم، كان أقرب إلى وجهه من حذاء الزبيدى إلى وجه بوش! وخبر غير مؤكد يفيد بأن حذاء ليبياً آخر قد ألقي عليه بعد ذلك.

وطار السيد عبد الإله بعد حفل الأحذية في تونس إلى القاهرة ومنها ربما إلى عمان. لن ينفعك يا سيد عبد الإله تخطيطٌ ولا تنسيق مع من تشاء، فالثورة الليبية ثورة، ولن تكون شبه ثورة أو نصف ثورة. قد تريد بإجهاض الثورة الليبية أن تحمي أنظمة عربية متهالكة… ابحث لنفسك عن طريق آخر، فالثورة الليبية منتصرة، وفي هذا الشهر الفضيل، بإذن الله.

تحية لوجهاء طرابلس الليبيين الأحرار، وتحية لشباب ثورة 17 فبراير في تونس.

والخزي لعبد الإله.

الخميس 18 أغسطس (183)

قضايا مؤرّقة

تتوالى الأحداث في اتجاه طرابلس بسرعة فائقة. ما هي إلا بضعة أيام أو بضع ساعات ويدخل الثوار إلى طرابلس بسلام هم وأهلها آمنين، أو عنوةً بالنار ودمٍ الله وحده يعلم مداه… نصلي ونلهج بالدعاء إلى المولى عز وجل في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان أن ينقذ طرابلس وينجي أهلها من شرور الطاغية وبطانته، وأعمال البعض منا مشحونين بدوافع الثأر والانتقام نتيجة مظالم ومفاسد لا تُحصى اكتوى الليبيون بنيرانها على مدى أربعة عقود.

ولكن ليس بالصلاة والدعاء، ولا بالنار والدم، وحدها تؤمّن الديار والأرواح. أمن ليبيا كلها ومستقبلها بعد تحرير طرابلس سيكون في الميزان. وهذا هو الشغل الشاغل لحوارات الليبيين خارج البلاد، وداخلها من باب أولى.

نعرف أن للمجلس الوطني خططا للتعامل مع الأوضاع بعد تحرير طرابلس، من حيث أمن المدينة وأهلها، وإعادة الحياة الطبيعية إليها. ولكن المتغيرات على الأرض وفي الساحة الدولية ستلقي بأحمالٍ ثقيلة على كاهل المجلس الوطني وكل ليبي غيور يجد نفسه في موقع تأثير وتفاعل مع تلك المرحلة المحفوفة بالمخاطر. وتمتد المسؤولية إلى ما هو أبعد، وإن لم يكن أقل أهمية وخطورة. هناك إعادة الخدمات الأساسية من كهرباء واتصالات ومصارف وتوفير المواد الغذائية والدواء بل وتنظيم حركة المرور ونظافة المدن. وفي مستوى أعلى هناك قضايا استيعاب الثوار المقاتلين والمصالحة الوطنية والخطاب الإعلامي وغيرها؛ كل ذلك بالتوازي مع عملية بناء الدولة الليبية الحديثة… ما يُختصر تحت تسمية تثبيت الاستقرار.

كل هذه القضايا تمثل قضايا مؤرقة ينصبّ عليها جهد المجلس ولجنته التنفيذية، وغيرها من تجمعات ولقاءات الليبيين، وهي، بلا شك، موضوع خطط طوارئ جاهزة للتطبيق من قبل دول ترتبط مصالحها البعيدة والقربيبة باستقرار السلم الأهلي وسيادة القانون في ليبيا.

قدرتنا نحن الليبيين على تثبيت الاستقرار في بلادنا والتوجه بخطى ثابتة نحو بناء ليبيا الحديثة، ستكون شرط الحؤول دون انزلاق البلاد إلى فوضى مدمرة ـــ لا سمح الله ـــ وتدخل عسكري أجنبي لا يريده أحد.

الجمعة 19 أغسطس (184)

اليوم التالي

تتوالى انتصارات الثوار بسرعة يصعب علينا متابعتها. حرر الثوار اليوم الزاوية بالكامل وزليتن، وحرروا سجناء بوسليم. العقبى لسجناء عين زاره وغيرهم من السجناء المنتشرين في العديد من مواقع الأمن في طرابلس.

وسعدت بالمقابلة التي أجرتها ’ليبيا الأحرار‘ مع الدكتور محمود جبريل. هذا النوع من التواصل هو ما نحتاجه في هذا الظرف الدقيق. وأتمنى من ’ليبيا الأحرار‘ أن تعيد على المواطنين إذاعة الجزء من المقابلة الخاص بالترتيبات الأمنية وبما أسماها الدكتور جبريل بــ ’العدالة الانتقالية‘، ونقل هذه الرسائل بمختلف الطرق… وبتكرار واستمرار.

يجب أن نعترف بأن إعلام النظام قد حقق نجاحا في رسم وإيصال صورة مضللة للمواطنين ولمشاهديه في الخارج، في وقت كانت الساحة أمامه خالية تماما. ومع مرور الوقت بدأت أكاذيب أبواقه تنكشف، وأصبحت ترهات وبذاءة خطابه مثاراً للسخرية. وبدأت قنوات الثورة في الصعود بحِرَفيتها ومصداقيتها، حتى فرضت وجودها على الساحة في الداخل المحاصر. والآن لم يعد أمرا ملحا أن توقف النايلسات بث قنوات القنفود، فليهنئوا بأموال القنفود حتى يلفظ القنفود أنفاسه الأخيرة خلال أيام من الآن بإذن الله.

واضح أن الإعداد جارٍ على قدم وساق للتعامل مع اليوم التالي… ما يطمئننا.

السبت 20 رمضان/ 20 أغسطس (185)

فتح طرابلس.. من داخلها

ساعات مجيدة انبلج نورها في هذا اليوم المشهود من تاريخ ليبيا وتاريخ طرابلس تحديدا.. العاصمة التي أراد القذافي تشويه صورتها ومكانتها في تاريخ الأمة ووجدانها. ساعة الصفر دوى بها التكبير من أعلى المآذن، ولبى نداءها شباب المدينة من كافة أحيائها وضواحيها… شباب صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

مكالماتي مع الأهل تؤكد ضخامة “فجر عروس البحر” في يومها الأول. كان المتحدثون معي من طرابلس واضحين هذه المرة؛ لم يستتروا وراء كلمات من قبيل “كويسين.. لا، الحمد لله.. إنشالله خير”، بل تحدثوا معي عن الأحداث الكبرى في الشوارع في مناطقهم، سوق الجمعه وتاجوراء والحشان وعراده وفشلوم وبن عاشور تحديداً.

وخرج موسى إبراهيم القذافي ناطقا باسم النظام لينفي تماما صحة الأنباء التي تتناقلها وسائل إعلام العالم، فالأمر لا يتعدى ’تسلل بعض العناصر من العملاء إلى بعض أحياء طرابلس، وتم التعامل معهم، الوضع الآن في طرابلس ممتاز‘. خرج موسى ولم يخرج معمر ولا سيف أو بقية أشقاء السوء. أين فرعون يا موسى؟

تباهى موسى القذافي نفسه في هذا المؤتمر الصحفي بأن لديه دكتوراه في الإعلام من جامعة لندن.. قائلا أنه تعلم هناك ’كيفية تزييف الصورة بالكامل‘. سيدرك موسى القذافي خلال ساعات إن شاء الله، أنه لن ينفع النظام تزييفٌ بعد اليوم. كذبكم وتزييفكم وتضليلكم… وسرقاتكم وقتلكم للأبرياء وانتهاكم للحرمات.. كل ذلك، مع قائدكم، في ساعاته الأخيرة… يوم فتح مكة.. والله أكبر.

 الإثنين 22 رمضان/ أغسطس (187)

النصر المبين

هُزمت كتائب القذافي هزيمة مدوية وانهارت انهيارا فاق في سرعته كل التوقعات. جاء ذلك على أيدي شباب طرابلس وثوار ليبيا القادمين من كل المناطق لنصرة أهلهم في العاصمة… وعلى قدر كبير من الأهمية كان إلقاء السلاح عقب انشقاق سابق لم يكن قد أُعلن عنه من قبل (البراني اشكال). وكان إحكام التخطيط والإعداد.. وكان التكبير .. فانهار النظام بسرعة البرق. وصاحب الإنهيار فرقعة جديدة أطلقها الصنم مناشدا ’الملايين للتصدي للصليبيين والخونة‘!! الرجل مريض، فلا حرج. وهو يثير التندر والسخرية في أركان العالم أجمع، ولكن سلامة البلاد ومستقبلها مرتبطان الآن بإزاحته من المشهد بشكل نهائي.. حيا أو ميتا. آن لهذه الكوميديا السوداء أن تنتهي.

لم ننم الليلة الماضية.. نتابع القنوات التلفزيونية وصفحات الفيسبوك وتويتر، ونتحادث مع طرابلس وبنغازي وتونس والولايات المتحدة و…، ونغذي فودافون بتجديد رصيد المكالمات !

أهلنا من طرابلس غلبت فرحتهم استمرار القلق من أنباء عن اشتباكات متفرقة وقناصة. إحداهن روت لي كيف أُخرجت من بيتها في شارع الصريم مع أولادها الأربع إلى منطقة آمنة. وكان الخوف لا يزال واضحا. روت لي كيف خرجت وسط إطلاق النار والجثث الملقاة بالشارع. وبالفعل تلقيت مكالمة أخرى اُبلغت فيها عن شهيد برصاص القناصة.

قصفت الكتائب زوارة بصواريخ جراد، وأطلقت صاروخ سكود من سرت في اتجاه مصراته اعترضه صاروخ أطلقته البحرية الأمريكية من عرض البحر. وهرب محمد القذافي بعد إعطائه الأمان ووضعه تحت الحراسة. هذه الأسرة لا أمان لها، ولن يهدأ الوضع بشكل نهائي من دون القبض على رأس الشر وأولاده أحياء أو أموات.

وأعلن في تونس عن وجود ’أحد رجال الخيمة‘ وبوحوزته ’كميات كبيرة ‘ من سبائك الذهب يقوم ببيعها لتجار في السوق الدولية.. هي من مخزون المصرف المركزي بالتأكيد. لقد كانوا دائما عصابةً من السُّرّاق والقتلة.. وهم الآن ينسحبون من حياتنا بما يقدرون عليه من سرقات وجرائم يختمون بها حياتهم على أرضنا.

ولا تزال بني وليد والعجيلات وسبها وسرت ’صامدة”.

الثلاثاء 23 رمضان/ أغسطس (188)

الشعب يريد الصدق

أكتب يومية اليوم قبل انقضائه.. عوضا عن وسائل خطاب أخرى لا تتوفر.

لم يكن مهما أن سيف ظهر للصحفيين الليلة الماضية. لقد كان واضحا، من صور السور وبرج المراقبة المعروف، أن جولته كانت داخل باب العزيزية. ولم يكن فتحا كبيرا أنه قابل الصحفيين في ريكسوس، فالفندق مرتبط باب العزيزية بنفق تحت الأرض. الحدث تم تضخيمه من وسائل الإعلام الأجنبية في سياق تنافسها حول أخبار الثورة الليبية.. هم وراء الدراما واحتجاز جمهور المشاهدين أسرى لديها.

ذلك لا يهم، فقد انتهى بالفعل سيف وأبوه وأسرته البائسة وتاريخه الأسود….. ولكن لماذا لا يتوخى المجلس الوطني والثوار الدقة فيما يعلنونه؟ ولماذا لا يمسكون بناصية الأمور موجهين الركب إلى شاطئ الأمان؟

الليبيون يريدون الصدق والشفافية، أما ما خالف ذلك من بضاعة القذافي فهو مرفوض وممجوج، ويجب أن يكون زمنه قد ولّى.

والمجلس يجب أن نراه في طرابلس الآن، لا في بنغازي؛ والمكتب التنفيذي أيضاً يجب أن نراه في طرابلس، لا في الدوحة. آن الأوان لكي يشهد الليبيون والعالم أن ثورة 17 فبراير قد انتصرت، ولا سبيل إلى إيصال الرسالة عن بعد. هذه لحظات حرجة جداً، تتطلب من الساسة إقداما يواكب إقدام الثوار، والمحافظة على موقع الهجوم والمبادرة وقوة دفع 20 رمضان.

هذه ساعات حرجة، وعلى المجلس أن يؤكد لليبيين امتلاكه مقوماتها قيادة المرحلة وزمامها…

23 رمضان/ أغسطس (188)

نصر من الله

الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله.. وما النصر إلا من عند الله.

في هذه الساعات ينتصر الليبيون على قوى الشر في باب العزيزية.. على الشر نفسه.

أترحم على أرواح الآلاف من الشهداء نبلاء هذه الثورة المجيدة الذين هبوا منتصرين لوطنهم ولِلْحقّ في وقت غلب فيه الظن أن الظلم قدرٌ محتوم، وأن فجرَ الانعتاق بعيدُ المنال. وسط ظلام القنوط هذا قال شباب ليبيا “كـــفى”، واستجاب القدر.

وأترحم على السابقين من شهداء الأعوام الإثنين والأربعين الماضية.

والمواساة واجبة لذوي الشهداء والجرحى والمصابين من المقاتلين والمدنيين العزل والأطفال.

وأترحم على أرواح مئات الآلاف من الليبيين الذين وافتهم آجالهم ينتظرون رؤية هذا الانتصار.

والتحية واجبة لكل الذين ضحوا بسنوات من أعمارهم في السجون وتحت التعذيب.

والتحية واجبة لجميع أهلنا الذين صبروا وصمدوا في كل بقعة حاصرها الطاغية وقصفها بكتائبه ومرتزقته.

والتحية واجبة لأهلنا ومناضلينا في المنافي.

والله أكبر، الله أكبر، الله أكب

نورالدين السيد الثلثي


24 رمضان/ أغسطس (189)

انتحار في جونز تاون

سمعناه يواصل هذيانه حتى بعد سقوط باب العزيزية، وسمعنا بعضاً من أتباعه يهددون الليبيين. وتم قصف طرابلس ومصراته والعجيلات قصفا عشوائيا، واستُعملت صواريخ سكود. وقال الزعيم إنه قد انسحب من باب العزيزية انسحابا تكتيكيا!!!

معمر القذافي شخص مريض.. ذلك شيء واضح بقدرٍ لا يجادل فيه أحد، أما طبيعة المرض فنتركها بطبيعة الحال للمختصين.

وماذا عن أتباعه؟ رأيناهم على شاشات التلفزيون. وقد توقفتُ شخصياً مشدوها أمام العديد من الصور لأشخاص فيما يشبه ’النوبات‘ الهستيرية، وكنت أتساءل ’هل يمكن أن يكون هذا كله نوعا من التمثيل؟‘ الجواب في الغالبية العظمى من الحالات ربما يكون بالإيجاب، ولكن كانت هناك حالات أخرى – خاصة بين النساء فيما لاحظت – مغرقةً في التشنج والصراخ وتعبيرات التعلق بالشخص لذاته. تلك التصرفات كانت أشبه بطقوس عبادة بين تُبّع ومعبودهم. وذلك هو الوجه الآخر للعملة.

كنت أتحدث مع قريب[1] هذا المساء فأجمل الحالة – بوجهيها – بالكلمة الإنجليزية cult.

نعم، ما أسس له القذافي على مدى إثنين وأربعين عاما كان ’ديناً‘ بمعنى من المعاني، والأقرب أن نقول ممارسات وطقوساً وثنية، تتمحور حول عبادته هو من قبل أفراد يُسلبون سيطرتهم على التفكير. هم تابعون يدورون في فلك معبودهم، منتشين، سكارى، غائبين عن كل وعي بشيء يغادر محيط المعشوق المعبود. ونهايتهم عادة ما تكون مأساوية.

تُعد كنيسة “معبد الشعب” من بين أشهر هذه الحركات الدينية الشاذة. أسّس الحركة شخص يُدعى جيم جونز. كان جونز شيوعيا، ولكنه التحق بالكنيسة للدراسة كرجل دين، وانفصل عنها ليؤسس “كنيسة معبد الشعب”. كوّن لنفسه أتباعا يبث بينهم أفكاره الاشتراكية وغير الاشتراكية، ومستعملا حيلا وخدعا أقرب ما تكون لممارسات الشعوذة. وبمرور الوقت استعمل أساليب “إخضاع عقول” أتباعه لما يريد. ونجح في تكوين بطانة من الأتباع انتقل بهم إلى موقع معزول في جزيرة غويانا الكاريبية، عُرف باسم جونز تاون.

وفي سنة 1978، قام سناتور أمريكي بزيارة الجزيرة ليفحص بنفسه حقيقة معبد الشعب، فهاجمه أعضاء من المعبد في طريقه عائدا من جونز تاون وبرفقته زملاء لهم، فقتلوه وآخرين.

وكانت النهاية بأن أعطى جيم جونز الأمر لأتباعه بشرب عصير عنب مخلوط بالزرنيخ في عملية انتحار جماعي. فماتوا جميعا: 918 شخصاً من بينهم 270 طفلا.

وهناك “فرع الداوديين” الذي تزعمه ديفيد كوريش. كانت للزعيم هنا سطوةٌ على أتباعه مماثلة لسطوة جيم جونز. من بين ما عُرف من ممارساته أنه طلق الأزواج، وعاشر النساء من أتباعه واغتصب الأطفال. حاصرت إف بي آي مقر الفرع في ويكو تكساس سنة 1993، وانتهى الحصار بعد 50 يوما بحريق هائل مات فيه 75 من الأتباع من بينهم 25 طفلا.

وفي غد قريب ستنكشف جونز تاون أو ويكو تكساس أخرى.. وانتحار جماعي؟

هل ستكون ناراً أم الزرنيخ أم شيئاً آخر؟

الخميس 25 رمضان/ أغسطس (190)

واجبات تجاه كل المكوّنات

قدم شباب الثورة الذين أشعلوا فتيلها ثم حملوا السلاح – عندما فُرض عليهم حمله – تضحياتٍ كبرى. سقط من بينهم الشهداء وأصيبوا ومروا بتجارب تقابلوا فيها مع الموت وجها لوجه.  يفخر الليبيون بنبل هؤلاء الشباب وبطولاتهم وتضحياتهم. وهناك إدراك لأهمية وضع برنامج وطني لهؤلاء الشباب في بناء الدولة الجديدة، يؤسَّس على الاعتراف المعنوي والمادي بدورهم وتضحياتهم الجسام، ويتضمن الوسائل العملية لالتحاقهم في أُطر الحياة الجديدة. وهناك بالفعل برامج وتصورات قيد التشكّل في هذا الاتجاه. 

ولكن هناك مجموعة أخرى من الشباب على الجانب الآخر من ملحمة 17 فبراير الكبرى. أولئك الشباب ـــــ المغرر بهم وغير المغرر بهم ـــــ الذين يعانون من صدمة الهزيمة وتوابعها النفسية، نحن ــــــ الليبيين جميعا ـــــ بحاجة لاستحداث برنامج للتعامل معهم، بحيث يتجاوزوا مرحلة التشويه والتضليل و’التمسيخ‘ التي مروا بها، والتي شكلت سلوكاً انحرف بالكثيرين منهم عن أخلاق وقيم مجتمعنا وأركان ديننا.

يجب أن يمثل كل من ارتكب جريمة بحق الليبيين في أنفسهم أو أعراضهم أو ممتلكاتهم أمام القضاء لينال جزاءه طبقا للقانون. ذلك مبدأ لن يختلف عليه الليبيون ، وأتصور أنهم سيصرون عليه. ولكن هناك أعداد كبيرة من الشباب الذين زُجّ بهم في صفوف الكتائب، مورست عليهم شتى وسائل التضليل والإيهام والإغراء والتهديد؛ منهم من رفض الأوامر وتمت تصفيته، ومنهم من هرب، ومنهم من ألقى السلاح أخيرا من دون أن يرتكب تجاوزات مهمة بحق أحد. هؤلاء أيضا من الواجب التعامل مع أوضاعهم الجديدة وإعادة تأهيلهم ليكونوا مواطنين صالحين. يجب استيعاب هؤلاء، لأن ذلك من بين حقوقهم على المجتمع الجديد، ولأن المصلحة العامة تقتضي عدم تركهم في حالة عداء مع المجتمع يؤدي إلى الانخراط في الجريمة بدافع الانتقام أو غيره من الدوافع التي تؤدي إليها صدمة الهزيمة.

الجمعة 26 رمضان/ أغسطس (191)

الاستقواء بالأجنبي

غادرت القاهرة إلى تونس هذا اليوم في جزء أول من رحلة العودة إلى طرابلس إن شاء الله. أقدمت على رحلة العودة هذه مع أفراد العائلة من صغار وكبار، والحدود والمطارات لا تزال مغلقة.

جيوب الكتائب والمرتزقة في طرابلس لم يتم تطهيرها بالكامل بعد، وبعض المعاقل في سرت وسبها وغيرهما لم يتم تحريرها بعد. وبالأمس تواصلت أخبار قصف الآمنين في زوارة، وإطلاق صواريخ سكود على أهل مصراته. ورأينا نتائج ضرب الطائرات في مطار طرابلس. كل هذا القتل والتدمير عبث لا يقدّم ولا يؤخر في وضع نهاية حاسمة لحكم القذافي وأولاده. لماذا إذن هذا العبث؟ هل هو الجنون؟ أم التوحش والانتقام بعد الاندحار؟ أم هو الشرّ لا يحتاج إلى مبرّر أو منطق؟

لم يتسنّ لي أن أشاهد التلفزيون أو أفتح الإنترنت حتى ما بعد الإفطار، وعندها صُدمت بما شاهدته على موقع الجزيرة الإنجليزية. صدمت بتقرير مصوّر من مستشفى الحوادث بأبو سليم. المستشفى مهجور تماما إلا من جثث متعفنة لأكثر من 100 شخص. ليس مهما أن يكون أولئك الأشخاص من فريق أو آخر، وليس مهما أن يكونوا ليبيين أو غير ليبيين. ليس مهما أن يكونوا مسلمين أو وثنيين. السؤال الأخطر هو من تكون تلك المخلوقات التي أمرت وارتكبت هذا العمل الوحشي الهمجي؟ المستشفى طبقا للرواية كان مخصصا لجرحى الكتائب. ويبدو أن المسؤولين قد فروا أمام تقدم الثوار، وكذلك من كان بالمستشفى من طاقم طبي.

عندما رأيت تلك المشاهد من مستشفى الحوادث استذكرت تهديد القذافي وابنه سيف وأبواقهما من شاكير وحمزة إلى ’شيوخ‘ لم يخافوا الله، بتحويل ليبيا إلى خراب… إلى أرض محروقة… إلى هوتو وتوتسي. ما الذي يدور برأس القذافي وبطانته حتى يخطط ويأمر بهذه الجرائم العبثية ضد البشر؟ وما الذي يجعل تابعيه يطيعون وينفذون؟ 

مخطئ من يصنف الثورة الليبية على أنها صراع بين توجه سياسي وآخر، بين تقدمي ورجعي، أو بين قبائل وأخرى، أو حتى بأنها ثورة ضد الاستبداد والطغيان.

إنها مواجهة كبرى بين الخير والشر.. بين الإيمان والكفر.. بين النور والظلام. استنجد فيها الضعيف بكل شريف وكل صاحب مصلحة ــ نعم وكل صاحب مصلحة. وامتدت يد العون لليبيين في محنتهم من البعيد، وخذلهم القريب. واستقوى الضعيف بكل من تقدم نحوه معيناً.

أقول نعم استقوى الليبيون بالأجنبي… لكيلا تتم إبادتهم على يد قوى الشر. هو الخير في مواجهة الشر. لقد توحّشوا، كما يقول فاروق جويده:

الجالسون على العروشِ توحّشوا        ولـكلّْ طــاغــيةٍ قطـــيعُ ذئـــــــابِ

قــد قـــلتُ إن اللهَ ربٌّ واحــــــــدٌ          صاحوا: “ونحن، كفرتَ بالأربابِ”

قد مزّقوا جسدي وداسوا أعظمي        ورأيــــتُ أشــــلائي على الأبـــوابِ

وأملنا في نصر الله لا يتزعزع: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) صدق الله العظيم

السبت 27 رمضان/ أغسطس (192)

كنبة عيشة

الأميرة عيشة اصطنعت لنفسها مقعداً (كنبه) تناقلت صورها وكالات الأنباء ومحطات التلفزيون في مختلف أنحاء العالم. للكنبة في أحد طرفيها حورية بحر بوجه عيشة نفسها، والتمثال الذهبي نحته فنان إيطالي.

الفكرة ــ وهي لم تكن فكرة النحات الإيطالي بالتأكيد ــ تشي بذوق أصحابها وثقافتهم. هي فكرة فجة، والنتيجة ’عمل فني‘  لايقبله حِسٌّ سويّ، ولكنه أسعد صاحبة القصر فاختارت له مكان الصدارة في مدخله. ولنا أن نتصور فرحة الأسرة بكبيرها وصغاره يوم وصول هذه التحفة.  علقت صحيفة الإندبندنت على العمل تحت عنوان “لا تستطيع الفوز على ديكتاتور عندما يتعلق الأمر بالذوق الرديء”.

ولن نعرف كم كانت تكلفة التصمييم والنحت والذهب والنقل والتأمين، بل لن تعرف الأميرة نفسها كم كانت تكلفة هذه الكنبة. ولماذا تريد أن تعرف؟

كان هذا ’العمل الفني‘ محل تندّر وسائل الإعلام العالمية. ولكنه بالنسبة لنا نحن الليبيين مصدر أسى، فهكذا كان يجري تبدبد ثروة الوطن على مدى أربعة عقود طويلة من الزمن. الملايين من أموال الليبيين التي أُهدرت على المغنيات في جزر الكاريبي ورحلات الصيد في نيوزيلنده وأعياد الميلاد وكرة القدم وفنادق روما ولندن، كلها ذهبت ولم يبق منها غير صور على صفحات الإنترنت، أما هذه الكنبة فستبقى  تجسيماً ملموساً للعبث بثروات الليبيين والاستخفاف بهم، ولثقافة متخلفة حكمت البلاد وأرهقت العباد على مدى إثنين وأربعين عاما.

جرى هذا التبذير وآلاف الليبيين أصحاب الثروة بحاجة لعلاج لا يجدون إليه سبيلا.

الأحد 28 رمضان/ أغسطس (193)

الغائبون

أشرت في يوميتي ليوم 22 مايو الماضي إلى اقتحام منزل بحي الأندلس بطرابلس من قبل رجال مسلحين منتصف ليلة 21-22 فبراير. أغلقوا الشارع وداهموا منزل السيدة التي تجاوز عمرها الثمانين.. كسروا الأبواب والأثاث وقلبوا الأسرّة… سرقوا ذهباً ومالاً وسيارات، واقتادوا الإبن وابن خالته المقيم ضيفا عند خالته… استجاب لاستغاثة السيدة شاب من الجيران فاقتادوه هو كذلك. وُجد الجار ملقى على رصيف الطريق في منطقة بومشماشة… والبحث جارٍ عن ابن السيدة وابن أختها.

الشاب المعني بهذا الاعتداء ـــ خطف وترويع وسرقة ــ هو طارق فتح الله بن حليم. أُطلق سراح ابن الأخت، عاصم عبد المالك، أما طارق فلا يزال غائبا عن أهله. لا أحد يعرف أين هو.

هذه قصة من بين آلاف القصص المشابهة. مشاعر الأهل يتجاذبها الأمل في عودة أبنائهم سالمين والخشية مما كان النظام المنهار قادرا على فعله بهم، خاصة هذه الأيام التي تتكشف فيها جرائم فلول النظام في ساعات اندحارها.

هذه الحالة واحدة من آلاف الحالات المماثلة ومما كان أسوأ منها. لن تكون عودة الغائبين بسلام كافية. الليبيون جميعاً معنيون بالكشف عن الذين قاموا بهذه الفظائع وتقديمهم للقضاء ليفصل فيما ارتكبوه من أعمال اختطاف وترويع وسرقة وتعذيب وقتل. 

وندعو الله أن يعود الغائبون إلى ذويهم سالمين.

الإثنين 29 رمضان/ أغسطس (194)

عقبات في الطريق

خرج من خرج من أبناء القذافي إلى الجزائر، وخميس قد يكون قُتل. ولا يزال القذافي نفسه وبقية أبنائه مختفين. وبني وليد وسرت وسبها لا تزال ’موالية‘.

لن يكون للّيبيين اطمئنان حقيقي من دون سقوط ما تبقى للنظام من قلاع، وإحضار رؤوس الجريمة بحق الليبيين للمساءلة أمام القضاء. ولعل ذلك يكون قريبا، حتى تتفرغ البلاد للمهمة الأكبر: بناء دولة العدل والمساواة… دولة القانون.

الثلاثاء 30 أغسطس (195)

طرابلس تحتفل

بعد دقائق من متابعة الاحتفال الساهر الحاشد بميدان الشهداء بطرابلس، استأنفت قراءة ما كان بين يدي، وعدت أتساءل كيف يكون ذلك والمشهد أمامي مشهد تاريخي بكل المقاييس؟ ميدان الشهداء يغصّ بعشرات (مئات؟) الآلاف من المواطنين الذين أتوا ــ طوعاً ــ رافعين رايات الاستقلال، ومحتفلين بانتصار ثورتهم على عهد ظلامي استمر لأكثر من أربعين عاما.

لقد سخِرنا كثيراً من إعلام حمزة وهاله وشاكير، ولكنه كان قد نجح في إدخال شيئٍ من الإحباط في نفوس الناس في المدن المحاصرة، وشيئٍ من التثبيط في نفوس الناس في المدن المحررة. كان هناك من صدّق إعلام النظام و’مليونياته‘ ومشاهدَ المتشنجين، صبيةً ورجالا ونساءً، من الواهمين والمنتفعين يهتفون ذلك الهتاف الممجوج “…. وبس”.

أذكر أسئلة أهلنا في بنغازي عندما وصلتها من طرابلس في يوليه الماضي: كيف هي طرابلس والطرابلسيون؟ يسألون بلهجة من يريد تطمينا بأن الحقيقة غير ما كانوا يرونه على السطح.

في هذا المساء كشفت طرابلس عن وجهها الحقيقي، وخرجت لتعلن أنها ما كانت أبداً سنداً لسُرّاق الوطن.

في هذا المساء شاهدتُ الجماهيرَ تخَطّئ من ظنوا طرابلس، بتاريخها وحضارتها، يمكن أن تستسلم للتخلف والسفه.      

الأربعاء 31 أغسطس (196)

قلب الحسابات

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها عن الدور الذي قامت به شركات التقنية الغربية في ’مساعدة نظام القذافي في التجسس على المواطنين الليبيين‘.

انصبّ التقرير على تقنيات الاتصالات والمعلومات، في مجالات اختراق المكالمات الهاتفية وحجب مواقع الإنترنت ومراقبة رسائل الإيميل. ووفّرت هذه التقنيات ــ لتجهيز مركز التجسس والمراقبة بطرابلس على سبيل المثال ـــ بعضٌ من كبريات الشركات من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا. 

وقد امتدّت حقيقة مساندة الغرب ــ والشرق ــ لنظام القذافي وتوفير السلاح والتقنيات المتطورة له، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، من دون عائق ذي علاقة بما عاناه الليبيون تحت ذلك الحكم البغيض. فالمعاملات التجارية ترتكز أساسا على الربح والمصلحة، وتجري في إطار قوانين وتوجهات سياسية تمليها حكومات دولها. وهي نفس الدول التي سارعت لنجدة الليبيين وإنقاذهم من إبادة حقيقية لا يعرف مداها إلا الله. ولا مكان في نشاطات هذه الشركات لأخلاقٍ أو مبادئ إلا بالقدر المحدود المتاح لمؤسسات المجتمع الأهلية والرأي العام في دولها. 

إن حسابات المصالح هي التي أملت التوجّهين المتعاكسين في كلا الحالتين؛ حالةِ دعم النظام وتوفير وسائل حمايته من شعبه، وحالة الانقضاض عليه ومساعدة الليبيين على اجتثاثه. وقد افضت هذه الحسابات إلى الانحياز إلى جانب ثم إلى الآخر. غاب اللبيون في الحساب الأول فخسروا، وفرضوا أنفسهم في الحساب الثاني فقلبوا المعادلات.

وعليه فإن عرفاننا بالفضل لكل مدّ لنا يد العون وقت الشدة، يجب ألا يمتدّ بعيداً. لقد كان لوقفتهم إلى جانبنا وقت المحنة أبعاد أخلاقية نبيلة، ولعل فيها تكفيراً عن مساندة الظالم المستبد ضد شعبه مقابل دراهم. ولكن أصدقاءنا الجدد أصحاب مصالح بالدرجة الأولى… ولنا مصالحنا.


[1] هو السيد عمر عزيز شنيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *